ما قاله فيلم كفرناحوم!

blogs كفر نحوم

بواقعية مذهلة، تُفقدك الشعور بسينمائية الفيلم، صنعت نادين لبكي بكل مهارة وإبداع فيلمها كفرناحوم، تفقد الشعور بالكاميرا، ويختلط عليك الشعور بين الحقيقة والتمثيل، فتتساءل إن كنت ترى فيلما وثائقياً يسرد الواقع والحقيقة، أم فيلماً سينمائياً يمثلها تمثيلا؟

 

"كفرناحوم" قرية فلسطينية ذات رمزية دينية، تم اختيار اسمها كإسقاط رمزي، لارتباطها بموعظة المسيح عليه السلام "عظة الجبل" وبالفوضى التي أصابت القرية واستثنت الأطفال كمغزى رمزي عميق. وقد اختير اسم (راحيل) لرمزية عميقة أيضاً. يسرد الفيلم قصة الطفل زين، ومعه عالماً عميقاً ممتلئاً بالتناقضات، عالم العشوائيات والفقر والجهل والمخدرات وزواج القصّر والاستغلال والاتجار بالبشر.

 

تشعر بالاختناق وأنت تتابع حتى النهاية، حيث الألوان والكوادر وحركات الكاميرا، تنزل بك إلى ذلك الحضيض، ومن الجميل أنك لا تشعر بأسلوب المخرجة في العمل، فقد كان العمل انسيابياً بدون وجود نزعة فنية تسحب العمل نحو (أسلوب المخرج). ويمكنك أن تشعر أن الفيلم كتبه عدة كتاب (عدة مرات) وليس بورشة كتبته بشكل جماعي، فالإيقاع بالنص والفلاش باك ومشهد المحكمة، كان يتفاوت ليدلل على تغيّر الكاتب.

    

المآخذ على الفيلم

– الفيلم تناول حياة الفقراء، وسرد أدقّ تفاصيلها ودخل أعمق هذا العالم، ثم نقل لنا الصورة، إنها الصورة النمطية التي يكرسها الإعلام للفقير: كل المساوئ التي قد تجدها في الحياة، وكل هذه الأوبئة التي قد تصادفك، العشوائيات، الإنجاب، البؤس، الفاقة، الجهل، المخدرات، الخروج عن القانون، كل هذا مردّه لتلك الفئة فقط، وهي مسؤولة عنه: الفقير، إنه البلاء الذي جاءت الحضارة والرأسمالية والتطور والتكنولوجيا وحتى الإعلام، لمحاربته، يجب القضاء على الفقر، وتطهير الأرض من درن الفقراء، وإذا كنت فقيراً فأنت عالة على الدولة التي تنفق عليك وتتحمل عبئك الكبير.

 

– الكادر والألوان، تُشعرك بأن ذاك العالم بلا لون، رمادي، باهت، هي الحياة القبيحة التي لا تريدها أن تكون ولا تريد أن تمر عليها ولا أن تعيش فيها، انظر لعالم الأغنياء الملوّن والشرق والبرّاق، كم هو جميل …!! هل يمكن لفيلم يصوّر حياة الأغنياء والأثرياء أن يضيّق الكوادر، ويبهت الألوان، ويُشعرك بالاختناق؟!

  

   

– المسألة الفلسفية الوجودية التي تناولها الفيلم (من أتى بي إلى هذا العالم).. حلّها بكل بساطة: (الحق على أهلي لأنهم خلفوني)..! هم المسؤولون فقط، الفقراء هم المشكلة وعندهم -فقط- الحل. وهنا لم يتم معالجة هذه المسألة بعمق، بل تم القفز نحو الحل فوراً.

 

– عادة الأفلام لا تطرح حلاً، لا يقول الكاتب أو المخرج على لسان البطل: الحل حين تفعلون كذا، بل الأصل في الأفلام ترك الحل مفتوحاً برسم الجميع، فيأخذ كلّ فرد من المشاهدين على عاتقه مسؤوليّة الحل. ونحن بمشكلة كهذه بالتأكيد مسؤوليتها ليست على عاتق الأفراد.!

 

– على غير المعتاد وضع الفيلم الحل بوضوح، وكان الحل سهلاً بسيطاً: أيها الفقراء توقفوا عن التكاثر! حين تتكاثرون كالجرذان، تعيشون عالة على الدولة، تتصرفون بهمجية، تقومون بالأخطاء، يحمل الأطفال عبئ إنجابكم لهم، الحل أن تتوقفوا عن التكاثر حتى تنقرضوا، وحين قام زين بجريمته ودخل السجن، حين أنجبت (راحيل) طفلها ثم أخفته، حين تزوج الشاب من الطفلة سحر، حين وجدنا كل هذا البؤس والشقاء، فنحن أمام عالم يحمل مسؤولية نفسه، لا الدولة ولا سياسات تكريس الفقر، ولا الثراء الفاحش، ولا القوانين المتناقضة، ولا شيء من هذا يحمل المسؤولية، الفيلم ينأى بنفسه عن تحميل أحد المسؤولية سوى الفقراء أنفسهم، من متزوج لقاصر، لأب وأم متواطئين لمهرب منحرف، لخادمة بلا أوراق.. الخ.

  

– الذروة الدراميّة جاءت حين سأل القاضي زين: لماذا تريد مقاضاة أهلك؟ يردّ (لأنّهم خلّفوني)! صحيح أنها مسألة فلسفية، ولكن الفيلم وضعها في مكان آخر، كما فعل بعض الإعلام اللبناني خلال السنوات الأخيرة، حين راح يعدّ أرقام الحوامل من اللاجئات السوريّات! مقولة الفيلم واضحة، ولا مواربة فيها، وهي مهما حاولنا تجميلها وتحسينها وترتيبها، لن تكون أقلّ فجاجة من التالي:

 

لن تنتهي مآسي العالم، ما لم يتوقّف الفقراء عن التكاثر، ما الحجّة التي قد تجعل ميسوري الحال أجدر بالإنجاب، وأحقّ بالتكاثر والحفاظ على ديمومة الجنس البشريّ..؟ من يرى مثل هذا الفيلم، ويرى واقع هذه المجتمعات، سيشعر كم يتحمّل (الإنسان) من هذه (الكائنات البشرية)

 

– إن هذا النوع من الإعلام دائماً يسلط الضوء على البؤس على أنه مُشكلة بحد ذاته، الفقر هو المشكلة، الفقير هو المشكلة. الخادمة الإثيوبية (راحيل) ليست ضحية منظومة قوانين تسهّل الاسترقاق والعبودية الحديثة، بل هي ضحية للمهرب فقط! بينما تجد أن القاضي أو المحامية أو الشرطة، وكل أحد خارج عالم الفقراء (هم الأخيار) المنقذون.

  

undefined   

– وجاءت المخلّصة "نادين لبكي" لتأخذ دور المحامية في آخر الفيلم، وهناك ينتقل الحوار من حوار طبيعي نمطي إلى فلسفة متصنّعة على لسان الشخصيات (زين وأبويه). وتبرز فلسفة الفيلم بشكل فجّ، وتضع حبكة الفيلم في نصابها: المسؤولية منحصرة ضمن القاع فقط!

 

– يضع الفيلم اللاجئ السوري ضمن الصورة النمطية التي يدأب الإعلام في لبنان (وفي تركيا والأردن وغيرها) على وضعه بها. اللاجئ السوري هو الذي تجده بمظهر نمطي واحد: على بروشور مؤسسة خيرية، وفي فيديو تبرعات، وفي صورة سيلفي لمتبرّع على الفيسبوك، وفي هذا الفيلم أيضاً: عالم في قمة البؤس، في أعمق قاع، تعالوا نتصدق عليهم.. مع هديتين: مطوية نواقض الإيمان العشرة من شيوخ الخليج، ومطوية تحديد النسل من الأمم المتحدة.

 

– وهنا لابد أن نمرّ على مشهد مرّ في الفيلم بشكل عابر: المؤسسة الخيرية التي زارت السجناء ومعهم آلات موسيقية وراهبة وهم يغنون أمام القضبان، الجميع في داخل السجن يتأمل المشهد الذي بدا سخيفاً.. هل جئتم لتتاجروا بمأساتنا؟ أم لتستعرضوا إنسانيتكم باستجرار دموعكم أو تعاطفكم على مشهدنا المقرف؟ إنها للأسف نفس رسالة الفيلم، نفس المعادلة التي وقع فيها الفيلم. كيف تشعر الأمم المتحدة مثلاً حين تسمع بمذابح ومجازر البوسنة، فترسل طائراتها إلى هناك، وتوزّع حبوب منع حمل ..!! هذا ما فعله الفيلم أيضاً.

 

– الخطاب البذيء الذي استخدم في الفيلم كان مبالغاً به لأقصى درجة، لتسمع عبارات الكفر الصريح عدة مرات، عدا عن شتائم نابية قمة في البذاءة.. كان هذا الخطاب جزءًا من التنميط لتلك الفئة، وبدا فعلياً أنه ترويج أكثر من توعية.. كان الفيلم ترويج حقيقي لهذا الخطاب.

 

– بما أن الفيلم تجنّب الحديث عن المسؤولية العليا للدولة، للأنظمة، للقوانين، للعدالة التي يفترض أن تمارسها الدولة، للمسؤولية التي يجب على الحكومة أن تقوم بها تجاه هذا القاع، فقد خرج من نطاق موضعيته إلى حياد ظالم، ثم انحاز في آخر اللقطات إلى تحميل الضحية مسؤولية الحال الذي وقعت به. وهذا الخيار ذكره الكثير من النقّاد أنه الانحياز الذي يسعى من خلاله صناع الأفلام نيل رضى أهل القرار والتواجد في دائرتهم. وهذا القالب الذي تم تأطير الفيلم فيه، هو قالب عالمي، يحظى بالجماهيرية التي تمجّد الغني والثري، وتجد الفقير عبئاً وعالة على الحياة، وهو الوباء الذي تصدر عنه كل الشرور، وحين يُدرج في الفن فهو يُدرج ضمن إطار نمطي واحد: البؤس!

 

إن جمالية أيّ عمل فني، مهما قدّم من إبداع، لا تستقيم دون روح إنسانية راقية، تقف لجانب الانسان بتجرّد، فيها يمجّد الإنسان، ويُسعى للحفاظ عليه، والرقي به، وتحميل المسؤولية للجميع من أجله. المشاهد المؤثرة المبكية التي تستنجد دموعنا على البؤساء، ليست إلا فصلاً درامياً نخلقه نحن لأنفسنا لنثبت أننا تأثرنا، وحزنّا، وبكينا، وذرفنا دموعاً، ونتصنّع أننا تضامنّا مع الطفل أو المرأة أو الضحية.. ونُشعر أنفسنا بالرضى لمجرد أن في نفوسنا بقايا تأثر على ذلك القاع، وذلك الجحيم، وتلك الفئة من (البشر).

 

وإن كان أبو ذر الغفاري رضي الله عنه قال: عجبت لمن لم يجد قوت يومه، ولم يخرج شاهرا سيفه! فمن الأعجب أن يبرز إلينا الفقير بائساً، فنشهر عليه سيف المسؤولية: أنت نتيجة فقرك.