أن تستعيد الوعي الحقيقي بذاتك..

blogs تأمل

في كثير من اللحظات نشعر بالضياع، بالحزن، بعدم الرضا، بمزيج من اليأس وعدم الاكثراث، أحيانا نعلم الأسباب وراء ذلك، وغالبا ما يصاحب هذه الحالة نوع من الوعي يجعلنا نأخذ بعين الاعتبار تلك الأسباب ونحن في طريقنا للبحث عن نافذة الإغاثة.. أما في حالات أخرى، يغيب ذلك الوعي بغياب العلم بالأسباب، وهنا يصبح التغلب على الوضع متعبا شيئا ما، لأن في هذه الحالة غالبا ما يسيطر علينا اللاوعي، تسيطر علينا أفكار وصور وأحاسيس نجهل الظروف التي ساعدتها على "الاستقرار" فينا، استقرار يعززه عدم وعينا بما نستقبله من العالم الخارجي من طاقات وقناعات وخطابات إلى غير ذلك من مسببات تدهور الصحة النفسية والعقلية.. إذا كنت تعاني من ضياع أو خوف أو يأس أو حزن أو عدم رضا عن الذات أو ما شابه ذلك من أعراض ذلك التدهور، ولا تعلم ما السبب وراء ذلك، إليك بعض الخطوات التي من الممكن أن تساعدك على استعادة وعيك، لأنك باستعادة الوعي بك وبما يدور بداخلك ومن حولك تكون قد قمت بأول خطوة نحو "نافذة الإغاثة".

الكتابة

تساعدك الكتابة على ترجمة أفكارك المبعثرة والمعقدة إلى جمل وسطور واضحة المعاني، تفهم من خلالها ما كان يحاول عقلك استيعابه من تساؤلات وتأملات ومشاريع ومشاكل.. تقوم الكتابة بترتيب هذا كله، تعيد لك الوعي بما هو حقيقي وتزيل الغبار عن الأوهام والوساوس التي كان يصورها لك اللاوعي على أنها حقائق.. زيادة على ذلك، فالكتابة والتدوين يشكلان وسيلة حقيقية لحفظ الذاكرة والأرشيف الشخصيين، تدون قصصك وتجاربك وأفكارك في قالب أنت تختاره! اكتب كل يوم، لا تهتم لأسلوبك أو أهمية ما تكتب، لا قيمة لذلك، فلا أحد سيقرأ ما تكتبه إلا إذا سمحت بذلك.. أنت المستفيد الأكبر من كتاباتك في هذه المرحلة من رحلة البحث عن الذات..

التأمل
ملء الفراغ لم يعد صعبا كما كان قبل عصرنا هذا، فبفضل الإنترنت وحده نستطيع جعل يومنا مشغولا إلى أقصى حد، بحيث يمكننا العمل عبر الإنترنت، ممارسة الرياضة، القراءة، الكتابة والنشر

يساعدك على سماع ما يجول في خاطرك من أصوات ومشاعر وعلى التركيز والعيش في اللحظة الآنية، وهذا يبعدك عن التفكير في الماضي أو الخوف من المستقبل، التأمل يذكرك بأن كل ما عليك فعله هو الاهتمام بالحاضر وفعل ما يتوجب عليك فعله الآن والاستمتاع بالنعم التي حباك الله بها، وعلى ذكر النعم، فلا يمكن الحديث عن التأمل دون الحديث عن الامتنان، وهو ممارسة الشكر والاعتراف بكل النعم التي تتمتع بها، مجرد التفكر فيها وكتابتها على ورقة يشعرك بالرضا والارتياح والطمأنينة.. ابحث عن تطبيق يساعدك على ممارسة للتأمل.. ثبته على هاتفك واستمتع!

الصبر

وهنا لا أقصد به الصبر على ما لا يصبر عليه، ولكن أقصد الصبر على كل الصعاب التي تواجهنا ونحن في طريقنا نحو تحقيق تلك الطموحات النابعة عن إرادة ورغبة داخليتين، طموحات صافية من كل تأثير خارجي، طموحات وأهداف تستحق الصبر وعناءه، فالصبر في هذه الحالة يكون طعمه حلوا عكس الصبر المرير الذي لا فائدة منه ولا يزيد راحتنا وصحتنا العقلية والنفسية إلا هلاكا!

الوعي بالمحيط

صحيح أننا لا نستطيع التحكم فيه أو اختياره حين طفولتنا، ولكن يتعين علينا الوعي به وبعناصره عندما تستطيع ذلك، فإذا كان محيطنا يدفعنا إلى الأمام ويوفر لنا سبل الراحة النفسية ولا يعرقل سيرنا نحو أهدافنا وطموحاتنا، يتعين علينا التمسك به واحتضانه قدر الإمكان بكل حب وثقة، أما إذا كانت نتيجة وعينا به سلبية، فيتوجب علينا الابتعاد منه إذا كان ذلك ممكنا (أصدقاء، مقر العمل، مقر الدراسة…) أما إذا كان من المستحيل تغييره نظرا للروابط العائلية المباشرة التي تربطنا به أو نظرا لقلة الاختيارات أو الإمكانيات المادية.. فلا مفر من تقبل ذلك المحيط بكل وعي والعمل على خلق عالمك الصغير داخله بكل ذكاء، عالم يبعدك عن المخاطر التي تهدد صحتك العقلية، عالم تهيء بفضله طريقك للخروج من ذلك المحيط.
 

القراءة

تبقينا على تواصل دائم بالآخر، تساعدنا على الاطلاع على ما يجري في أقطاب العالم، تفتح عقلنا على مواضيع وأشياء لم تخطر ببالنا يوما، تساعدنا على فهم ذواتنا حينما نقرأ لكاتب يشبهنا كثيرا بحيث نشعر وكأنه يتحدث بلساننا ويعبر عما يجول في خواطرنا، القراءة تسافر بنا عبر الزمن وتدخلنا عوالم جديدة وتكسبنا ثقافة عالية، القراءة رياضة للعقل لأنها تعمل على تدريبه على التحليل والنقد.. وكل هذا لا يمكن أن يكون إلا بالاختيار الصحيح للكتاب، كلما كان الاختيار موفقا، كلما ارتفعت نسبة وعينا ويقيننا بضرورة عدم تضييع الوقت في أمور تافهة..

تجنب الفراغ
لا تبحث عن المثالية وترهق نفسك وعقلك بأفكار قد تؤذي صحتك العقلية، قبل السعي المبالغ فيه لتحقيق هدف معين أو الوصول لشيء معين، اسأل نفسك أولا: هل أنا متأكد أن ما أسعى إليه ناتج عن إرادة حقيقية ووعي تام؟

ويعتبر من بين الأسباب الرئيسية للوقوع في أحضان الضياع والبؤس، وملء الفراغ لم يعد صعبا كما كان قبل عصرنا هذا، فبفضل الإنترنت وحده نستطيع جعل يومنا مشغولا إلى أقصى حد، بحيث يمكننا العمل عبر الإنترنت، ممارسة الرياضة، القراءة، الكتابة والنشر، تعلم لغة جديدة، السفر عبر العالم واكتشاف الثقافات، وهذا وحده كاف للتغلب على الفراغ والحفاظ على صفاء الذهن والاهتمام بالصحة وتغذية العقل والروح..

العزلة

خصوصا عن مواقع التواصل الاجتماعي، مثلا لمدة أسبوع شهريا، نبتعد عن مواقع التواصل، نقطع حبل مسلسلات حيوات الشخصيات التي نتابعها، نرجع لذواتنا قليلا، نحاول استرجاع ذواتنا الحقيقية، نعرف من نحن! بعيدا عن الآخرين الذين ربما نعرفهم أكثر مما نعرف أنفسنا، يجب علينا الانعزال قليلا عنهم حتى يصفى ذهننا منهم وبعدها نعود.. أو لا نعود.. وبعد كل عزلة ستجد نفسك تقترب من ذاتك أكثر، تتعرف على شغفك الحقيقي وعلى طموحاتك الحقيقية، تكتسب ثقة عالية بنفسك، بعد كل عزلة تجد نفسك تختار بدقة وعناية من يجدر بك متابعتهم، أولئك الذين تستفيد منهم وتطور ذاتك بفضل مجهوداتهم في مساعدة الآخر.. ولا تنس في أيام عزلتك أن تعوض الوقت الذي كنت تقابل فيه شخصيات افتراضية، أن تقابل فيه شخصيات حقيقية، أن تخرج و تمارس المشي وتستمتع بالطبيعة وتستنشق هواء.. فذلك يخلصك من السموم التي ربما كانت قد تراكمت في ما قبل العزلة..

عقلنة الطموح

لا تبحث عن المثالية وترهق نفسك وعقلك بأفكار قد تؤذي صحتك العقلية، قبل السعي المبالغ فيه لتحقيق هدف معين أو الوصول لشيء معين، اسأل نفسك أولا: هل أنا متأكد أن ما أسعى إليه ناتج عن إرادة حقيقية ووعي تام؟ هل أنا بصدد تقليد شخص آخر؟ هل ما أصبو إليه وأقلق لأجل تحقيقه يتوافق مع شخصيتي وأسلوبي وهدفي الأسمى في الحياة؟ هل ما يتسبب في قلقي وخوفي يستحق فعلا هذا العناء؟ ما هي الأشياء التي آخذها بعين الاعتبار عندما أكون بصدد تحديد هدف جديد؟ هل سأكون راضيا عن وضعي بعد عشر سنوات من الآن؟ ما هي العادات التي يجب علي تطويرها للحصول على حياة أقرب إلى السعادة والرضي منها إلى القلق والتوثر؟

كانت هذه أمثلة بسيطة ولكن أساسية في رحلة استرجاع الوعي بالذات، من الممكن أن تكون ممارستها صعبة بعض الشيء وتحويلها إلى عادات ليس بالأمر الهين، ولكن نتائجها تحدث فارقا كبيرا جدا بين حياتنا "غير الواعية" وحياتنا "الواعية"، أعلم أنه يصعب أحيانا تجاوز الحالات النفسية التي تتربص بنا من حين إلى آخر، ولكن من الجدير التذكير بأن عدم الوعي هو واحد من أهم مسببات تلك الحالات النفسية، والعمل على استعادة الوعي والحضور الكامل أمر لا مفر منه إذا أردنا تحسين "جودة أيامنا وعيشنا".. أما الهروب الدائم مما يؤذينا لا يعتبر حلاّ.. لأننا بذلك نعيش حياة غير حياتنا وربما نحقق أشياء بعيدة جدا عن ما نسعى إليه في الحقيقة..