شعار قسم مدونات

ما لم يَقُله الوالدان.. وتعلمته من الحياة!

مدونات - علمتني الحياة

الوالدان سر وجودنا في هذه الحياة، وهما المعلّمان الأوّلان للمولود الجديد في هذا الكون، فكما يأخذ الولد الجينات الوراثية منهما سلباً أو إيجاباً، فإن الولد يتلقى منهما توجيهات أخرى من ثقافة الأسرة، وترسبات من عادة ذلك المجتمع. فقد يكون الولد بعد الكبر حبيساً لتلك العادات صائبة كانت أو خاطئة من حيث يدري أو لا يدري. ولكلّ امرئ من دهره ما تعوّدا، كما قال المتنبي، وتغيير المألوف من أصعب التغييرات كما رُوي عن الإمام الغزالي. فتربية البيت قبل تربية الجامع والمدرسة، وعلى كل حال فالناجح من اختار من الموروث أحسنه وتخلى ما أكله الدهر وشرب، وقارن بين الأصالة والمعاصرة فلكل جيل متطلباته التي تمليها الحياة والواقع المتغير والكون المتجدّد بالملوان، وإليكم خمسة مع خمسة شاهدتها بعد الكبر ومن دروس تجربة الحياة لا من دروس البيت والمدرسة.

أولا: اللّغة العربية مفتاح لكلّ شيء

في الصغر يهتم ّالوالدان والأسر الصومالية بتعليم الأولاد القرآن الكريم حفظاً وتلاوةً، وأن يكمّل الأجزاء قبل التسجيل في المدارس وتلك عادة منتشرة في جميع الأسر في الحضر والوبر، وميزة حسنة لا يعادلها شيء. بعد ذلك من الوالدين من يركز بإجادة الأولاد اللغة العربية وحفظ متونها من نحو وصرف وأدب، في الحلقات وكأنك مسجّل في كلية اللغة العربية، فتحفظ ألفية ابن مالك بشروحه وحاشية الخضري بتحفه، والصبان كالصابون في تقريراته، ويتغنى الأطفال صباح مساء في البداية قول العمريطي: فالنحو أولى أولاً أن يعلما إذ الكلام دونه لن يفهما. فتلك جهود مباركة، لكن يقارنها توجيه عام من الوالدين بتنفير الطلاب من تعلم اللغة الانجليزية، والفرار منها كفرار المجذوم، وعلّمتني الحياة أن الإنجليزية مفتاح العالم وسوق العمل ووعاء العلوم، فمن يحمل رسالة عالمية ودعوة عامة، عليه إجادة اللغة العالمية حتى لا يتعرض المرء لأخطاء المترجمين. واليوم إجادة اللغة الإنجليزية شرط للقبول والالتحاق بكلية الشريعة لطلاب الدراسات العليا، فلا تحرم ولدك في الصغر من تعلّم اللغات الأجنبية متكلاً على عادات قديمة.

ثانيا: كن رجلا بألف مهنة يعتمد على نفسه
فالرفق أحسن وسيلة للمربي، وهي وصية المصطفى صلى الله عليه وسلّم" ما كان الرفق في شيء الا زانه، وما كان العنف في شيء إلا شانه

يكثر القول بأن فلاناً من الأجداد كان فارساً مغوار عند الوغي، وشاعراً فحلاً من أهل الأدب، ومجاهداً في التفسير وبخارياً في الحديث، وطبيباً مشهوراً كابن سينا، فهو رجل يعدل ألف رجل، ويباشر كل عمل احتاجه بنفسه ولا يعتمد على رجل كما قال الطغرائى: وانما رجل الدنيا وواحدها من لا يعوّل في الدنيا على رجل. ولو سلمنا جدلاً بحدوث ذلك في الماضي، ولكن علمتني الحياة أن العالم اليوم عالم التخصّصات الدقيقة ومن طلب الكل فات عنه الكلّ، ولا يمكن أن يعيش وحده بل المرء قليل بنفسه كثير بإخوانه، وقد أحسن من قال: الناس للناس من بدو وحاضرة بعض البعض وإن لم يشعروا خدم.

ثالثا: الزواج والاستبداد الذكوري

يصور بعض الأسر أن الحياة الزوجية والدخول الى عالم الحب والزواج تجعل الابن ملكاً مطاعاً ويمارس سلطته هناك لا في بيت الوالدان، فهو المطيع لأوامر الوالدان ووصاياهم، ولكن الحياة علمتني أن للناس مذاهب فيما يعشقون، وأن من وقع في الحب يكون مطيعاً للمحبوب. وأن عقد الزواج مبنى على رضا الطرفين والتشاور والمشاركة في بناء أسرة مسرورة بلا مشاكل، وقد يكون الشريك بلسماً أو علقماً، فإن وافق شنة طبقة يكن الزواج سعيداً، أو لا فيفترقان بعد عهد تخرم وانقطع.

رابعا: الضرب يبرأ ويبقى العلم والأدب

بعض الآباء يرون أن أفضل وسيلة لتأديب الأولاد الضرب والتربية بالقسوة، قائلين:

لا تحزنَنَّ على الصبيانِ إنْ ضُرِبُوا فالضرب يبرا ويبقى العلمُ والأدبُ.

الضربُ ينفعُهُم والعلمُ يرفعُهُم لولا المخافة ما قرأوا وما كتبوا

لولا المُعَلِّمُ كان الناسُ كلُهُمُ شبه البهائمِ لا علمٌ ولا أدبُ

ولكن الحياة علمتني أن العنف لا يولد إلا عنفاً، وأن الفضيلة لا تغرس بالإكراه والجناية ووسائل التربية كثيرة، والقهر لن ينفع الحرّ. وأنّ الرهبة ستزول آجلا والثأر قادم ولو على الجيل القادم وهكذا يتوارث الأجيال بتعذيب الأولاد إلا القليل. فالرفق أحسن وسيلة للمربي، وهي وصية المصطفى صلى الله عليه وسلّم" ما كان الرفق في شيء إلا زانه، وما كان العنف في شيء إلا شانه".

خامسا: الصومال الكبير والوطن

في الصغر وفي بيت كل صومالي حكايات وقصص كثيرة من الأجداد والأسلاف عن الصومال الكبير وكيف قسم الأعداء إلى خمسة قطع متجاورة. ومن القصص الفريدة أن النجمة في العلم الصومالي يشير إلى الأقاليم الخمسة للصومال الكبير، ولكن بعد الكبر علمتني الحياة أن الجزء المتبقي باسم جمهورية الصومال قسّمها الصوماليون أنفسهم طوعاً إلى خمسة ولايات. لكلٍ راية وجيش وحدود متنازعة عليها فنسينا الخمسة الأولى، وأصبح من يتحدث عنها متخلفاً لا يعترف بالحدود، ورضينا بتقسيم المقسم بفدرالية هشة ومحاصصة طائفية دستورية معلنة في دساتير الدولة، وأصبح التجنس والاغتراب أقرب وسيلة لإدارة البلاد والوصول إلى هرم السلطة.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.