لماذا لا نرى يد الله؟

blogs الدعاء

ثمّة سردية تتكرر كثيرا على ألسنة الملحدين المعاصرين بخصوص تفسير الأديان والإيمان بالله وقوى الغيب، وتعتمد هذه السردية على فكرة تقول إنّ الإنسان القديم كان يرى ظواهر الطبيعة كالرعد والبرق والمطر والفيضانات والزلازل والكسوف والخسوف والأمراض والأوبئة وغيرها من مظاهر الطبيعة في الكون والحياة، ولكنه لم يكن يجد تفسيرا علميّا لها، ومن ثمّ دفعه ذلك إلى الاعتقاد بوجود قوة غيبية تتحكّم بهذه القوى الطبيعية، واخترع لها أصناف العبادات كمحاولة بائسة لذلك الكائن الذي يغمره ظلام الجهل في أن يُبعد عنه الآفات.

 

ثم إنّ عِلمَ الإنسان اتسع شيئا فشيئا حتى جاء هذا العصر الحديث وقفز قفزات هائلة نحو المعرفة، وصار لديه تفسير لمعظم هذه الظواهر، واكتشف بأنّ لها "أسبابًا" مادية، وأنه قادر من خلال تطوير أدواته وعلومه على التخفيف من آثار هذه القوى عليه، ولم يعد بحاجة إلى الله! ما تزال هذه السردية الإلحادية لمفهوم الدين ركنا أساسيّا في الخطاب الإلحادي المعاصر، رغم ما فيها من تسطيح واختزال وتغافل عن كون بقاء الإيمان بإله هو الغالب على البشر رغم معرفة البشر بالتفسيرات العلمية المادية لهذه الظواهر وشيوعها وهيمنتها على الخطاب الإعلامي في العالم كله، مما يستدعي البحث عن أسباب أخرى لتمسّك الإنسان بالإيمان بخالق خلقَ العالم ويدبّر أمره بالغيب.

 

بل ما يجهله هؤلاء أنّه قبل أكثر من أربعة عشر قرنًا، أشار القرآن إلى تمسّك الكفّار بالمادي لعدم تمثّل "الغيبي" بشكل يمكن للحواس أن تدركه، أي على عكس ما يعتقد هؤلاء الملاحدة، فإنّ الأزمة التي يعانون منها، وهي إنكار الغيب وطلب المحسوس، كانت قائمة منذ زمن طويل جدّا. فقد ذمّ القرآن الكفار وقال عنهم: {يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ}. وقال عن أهل الكتاب ومطالبتهم بدليل حسّي مادي: {يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِّنَ السَّمَاءِ ۚ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَىٰ أَكْبَرَ مِن ذَٰلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ۚ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَن ذَٰلِكَ ۚ وَآتَيْنَا مُوسَىٰ سُلْطَانًا مُّبِينًا}. بينما مدح المؤمنين بأنّهم يؤمنون بالغيب فقال: {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ}.

 

والسؤال الذي يُطرح هنا: لماذا أخفى الله ربوبيّته عن الخلق؟ لماذا لم يُظهر لهم يده التي تخلق حتى يشاهدوا هذا الفعل الإلهي العظيم معاينة فيُلزمهم على الإيمان بالله؟ وهو سؤال يطرحه الإلحاد المعاصر للتشكيك بوجود الله، ولدعم سرديّته التي تقول إنّ الدين والغيب اختراع بشري. يقول الحكيم الترمذي في عبارة وجيزة تعبّر عن هذه الحقيقة، وهي حقيقة إخفاء الربوبية عن الخلق: "فالأشياء كلّها في الأسباب مغيّبة، ستَرها ربّها في الأسباب وأخفى ربوبيّته؛ ليكون إيمان العباد في الغيب كلّه وبالغيب كلّه؛ لأنّ مديح العباد في إيمانهم بالغيب، فكما جعل نفسَه غيبًا عن العباد، كذلك جعل أموره وربوبيّته غيبًا عن العباد" (من كتاب "نوادر الأصول في معرفة أخبار الرسول"). ونحن لو تدبّرنا سبب إخفاء أمره وربوبيّته سبحانه لوجدنا حِكَمًا عظيمة كامنة وراء ذلك، سنبيّنها في الأسطر التالية.

 

ابتلاء الإنسان وتكريمه
يحتاج الإنسان إلى مقاومة غواية الشيطان وضبط شهوات الدنيا وعدم التعلّق بالأسباب الظاهرة، وإلى التعبّد لله ليثبت الإيمان في القلب؛ ليكون الوصول إلى جنّات النعيم ثمرةَ جهد هذا الكائن

يقول الله تعالى: {إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا}، والابتلاء يعني الاختبار، وتصوّروا لو أنّ الله أظهر ربوبيّته للخلق وشاهدوا يده وهي تخلق كل شيء وتدبّر كل شيء، إذن لأجبرهم على التصديق به وبرسالاته والانقياد لأمره، وفي هذا يبطُل معنى الابتلاء وقيمته، وسيُنتَقص من قيمة الإنسان وكرامته التي أرادها الله له، والمتمثّلة بالاختيار الحرّ الناتج عن إعمال التفكير والصدق مع النفس.

 

ولو تفكّرنا في الآية السابقة لوجدنا أنّ الله جعل الإنسان {سميعًا بصيرًا}، فقد حكم عليه بالابتلاء بخلاف سائر خلقه من غير المكلّفين، وزوّده بخلافهم أيضا بأدوات النجاح في هذا الابتلاء، وهي من جهة أخرى أدوات تكريم. فهذا الإنسان سميع بصير، له إرادة وقدرة ذاتية على التمحيص بين الحقّ والباطل، وليس مقهورا بالغريزة كالحيوانات ولا هو ريشة في مهبّ الريح، فهذا تكريمٌ للإنسان من الله سبحانه القائل: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا}.

 

وفيه من جهة أخرى إشارة إلى بعض أدوات التعامل مع الابتلاء، فهذا الإنسان سميع؛ يستمع إلى رسالات ربّه على ألسنة رسله. وهو بصير؛ يرى آيات الله في الأنفس والآفاق. فهو مزوّد بأدوات اجتياز الاختبار، ولكنّه اجتياز يحتاج إلى جهد، يحتاج إلى إرادة ليكون الاختيار هو اختيار الحقّ، ويحتاج إلى مقاومة غواية الشيطان وضبط شهوات الدنيا وعدم التعلّق بالأسباب الظاهرة، وإلى التعبّد لله ليثبت الإيمان في القلب؛ ليكون الوصول إلى جنّات النعيم ثمرةَ جهد هذا الكائن الذي كرّمه الله ومنحه ما لم يمنح أحدًا من خلقه.. وهل يتوقّع الإنسان أن يُكرَّم هذا التكريم ويُمنح الإرادة وحرية الاختيار دون أن يكون لها ضريبة من الجهد؟! فالخلاصة أن إخفاء الربوبية يتّسق مع منظومة الابتلاء في الدنيا والحساب والجزاء في الآخرة، كما يتّسق مع تكريم الله عزّ وجلّ للإنسان.

 

أهل الإيمان فقد ارتفعوا بعقولهم وقلوبهم إلى ما وراء الأسباب المادية، ودلّتهم عقولهم إلى الله خالق الأسباب، بينما انحطّت درجة الذين قلوبهم غُلْفٌ وتعلّقوا بالأسباب الظاهرة للعيان وفُتنوا بها!أهل الإيمان فقد ارتفعوا بعقولهم وقلوبهم إلى ما وراء الأسباب المادية، ودلّتهم عقولهم إلى الله خالق الأسباب، بينما انحطّت درجة الذين قلوبهم غُلْفٌ وتعلّقوا بالأسباب الظاهرة للعيان وفُتنوا بها!
 
فتنة الأسباب

وفي الوقت الذي يظنّ فيه الملاحدة المعاصرون أنّ التديّن – ومن ضمنه التديّن الإسلامي – جاء كنتيجة لخفاء الأسباب عن الناس، يحدّثنا الحكيم الترمذي قبل أكثر من ألف عام عن التفات البشر في عصره لهذه الأسباب الظاهرة، ويبيّن بذلك أنّ علماء المسلمين كانوا يملكون وعيًا سبّاقا متجاوزًا لهذه الفكرة السطحية التي يطرحها الإلحاد المعاصر!

 

يقول الحكيم الترمذي إنّ الله عز وجلّ جعل "أمورَ العباد كلّها يوصلها إليهم في الغيب وقد سترَ أمورَه بالأسباب". ثم يطرح بعض الأمثلة من مظاهر الطبيعة والحياة، فيحدّثنا عن المطر وكيف أنّ الله عز وجل "أمرَ السحابَ أن يدررَ القطْرَ مطرا، ثم أمر الأرض أن تقبله ودائع، ثم أمر الأرض أن تنفجر عن ذلك القطْر في أصلب موضع منها من أجواف الصخور من الجبال، وذلك قوله: {أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ}، وقوله: {وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا}، {وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ}".

 

ويحدّثنا سبب ظاهر آخر وهو حراثة البشر للأرض وإنباتها من كل زوج بهيج، ويشير إلى قوله تعالى: {فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ}، وقوله سبحانه: {أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ (63) أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (64)}. ثم يحدّثنا عن الشمس التي تسير بِحَرّها على وجه الأرض لتربية هذه الثمار والنبات، والرياح التي أمرها الله أن تذروه، ثم تعليم الله للآدميين طحنَه وخبزه، وإنزالِه للنار وجعلها في الشجر الأخضر، وقوله سبحانه: {الَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنتُم مِّنْهُ تُوقِدُونَ}.

 

يقول الحكيم: "فالنار موجودة في كلّ شجرة، خشبة تحتكّ بالأخرى فتوري نارا، وقال: {أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَأَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنشِؤُونَ}، ثم قال: {نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِّلْمُقْوِينَ}". ويحدّثنا عن اللباس الذي علّم الله الآدميين "غزل قطنِه ونسجَه وغسله وخياطته حتى يكتسوا، وكذلك سائر الأشياء التي اضطرّ إليها الآدمي".

 

بعد استعراض هذه "الأسباب الظاهرة" التي يمكن تفسيرها في إطار الواقع المادي يقول الحكيم: "فهذه كلها أسباب، والآدمي يرى ما ظهر من هذه الأشياء التي ذكرنا وفي باطنها ربوبيّته، وهو الذي دبّر هذا كلّه من القدرة، وأمضى التدبير بمشيئته، وأوصلَ إلى العباد قضيّته في خفاء، فالعباد إنما يرون المطر والحرّ والبرد والرياح والأرض والماء والزرع والحصاد والأيديَ التي تتداوله، وربوبيّته في جميع الأشياء قائمة لا يكون شيء إلا بإذنه، ولا يدوم إلا به، ولا يقوم إلا به".

 

هناك معادلة جبّارة تصنع الفاعليّة القصوى للإنسان؛ فهو من ناحية يأخذ بالأسباب المادية إلى آخر مدى، ولا يعوّل على خوارق غيبية ولا يتواكل، وفي نفس الوقت يستمدّ قلبُه الطاقة من الإيمان بالله والتعلّق به وحدههناك معادلة جبّارة تصنع الفاعليّة القصوى للإنسان؛ فهو من ناحية يأخذ بالأسباب المادية إلى آخر مدى، ولا يعوّل على خوارق غيبية ولا يتواكل، وفي نفس الوقت يستمدّ قلبُه الطاقة من الإيمان بالله والتعلّق به وحده
 

يرى الحكيم أنّ قلوب الآدميين جميعًا ونفوسهم معلّقة بالأسباب التي يرونها، وأنهم متى احتاجوا إلى شيء طلبوه من مظانّه بما عاينوا، لكنّ الفرق بين الموحّدين وغيرهم أنّ الموحّدين عرفوا الربّ الواحد وولِهوا إليه في الحوائج، وأهلُ اليقين منهم طلبوا الأشياء من المظانّ نفسًا وجسدًا (وهو الأخذ بالأسباب المادية)، ومن الغيوب إخلاصا ويقينًا (وهو الإيمان بالغيب). أمّا مَن حُرم المنّة فقد "بقيتْ مع الأسباب قلوبهم، معلّقةً بها، مفتونةً فيها" على حدّ تعبيره.

 

والخلاصة أنّ القضيّة ليست أنّ أهل الإيمان لم يعرفوا للأسباب تفسيرًا فلجأوا إلى الإيمان بالغيب كما يزعم الإلحاد المعاصِر، بل على العكس؛ كانت المشكلة في تعلّق البشر بالأسباب، فأمّا أهل الإيمان فقد ارتفعوا بعقولهم وقلوبهم إلى ما وراء الأسباب المادية، ودلّتهم عقولهم إلى الله خالق الأسباب، بينما انحطّت درجة الذين قلوبهم غُلْفٌ وتعلّقوا بالأسباب الظاهرة للعيان وفُتنوا بها!

 

والجميل أنّ الحكيم كسر هذا التعارض الوهمي بين مستوى التشكّل المادي المحسوس للأسباب ومستوى الفعل الإلهي الغيبيّ، يقول رحمه الله: "فأهل اليقين طلبوا الأشياء من المظانّ نفسًا وجسدًا، ومن الغيوب إخلاصا ويقينًا، فمن ضعُفَ يقينه كان السبب بين عينيه، فإذا طلب شيئا طلبه من السبب قلبا ونفسًا، فإذا فاته منه شيء تلهّفَ وأسِفَ على الفوت، ولامَ وذمّ وتردّدَ واضطربَ حتى يُجرح دينه ويسقم إيمانه". والنفس في فلسفة الحكيم الترمذي تتّصل بمستوى التشكّل المادي، أما القلب فهو قائم بين يدي ربّه واتصاله بمستوى الفعل الغيبي. وهو بذلك يقدّم لنا النسق الإيماني الإسلامي الذي يحفظ توازن الإنسان: نفسٌ تتعامل مع الأسباب المادية بسننها، وقلبٌ معلّق بالله يولَه إليه في كل حين.

 

وهي المعادلة الجبّارة التي تصنع الفاعليّة القصوى للإنسان؛ فهو من ناحية يأخذ بالأسباب المادية إلى آخر مدى، ولا يعوّل على خوارق غيبية ولا يتواكل، وفي نفس الوقت يستمدّ قلبُه الطاقة من الإيمان بالله والتعلّق به وحده، ولا يضطرب مع اضطراب الأسباب وتغيّرها، مما يدفع فاعليّة الإنسان إلى أبعد مدى، ذلك الإنسان الذي خلقه الله ليكون خليفته على الأرض، وهو كما وصفه الحكيم: "فهو يمضي في الأسباب ولا يغفل عن الله، فيقبلها من عنده.

 

فإذا هاجت الريح استبشر بصنيع الله؛ لأنه علم أنه هو الذي أرسلها بشرى بين يدي رحمته، ثم لما رأى تراكم السحاب استبشرَ بصنع الله، ثم يرى المطر سقيا كما قال: {فأنزلنا من السماء ماء فأسقيناكموه}، ثم يرى الزرع زراعة الله، كما قال: {أفرأيتم ما تحرثون * أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون}، ثم رأى الأشياء كلها خلقه مسخّرين لحوائجه، والآخر غافل عن هذا كله، إنما يرى الشيء الذي بين يديه من هذه الأسباب فيفتتن، فإذا افتقد السبب اضطربَ وتردّدَ حتى يقع في المهالك".

 

نقض التعارضات الوهمية وحفظ مصالح الآدميين
لولا وجود الأسباب المادية في مختلف ظواهر الحياة والطبيعة لما استطاع الإنسان التقدّم شبرًا واحدا في المعرفة والتطوير، ولظلّ يراوح مكانه يحاول معرفة سبب اندلاع النار، أو سبب مرض السكري، أو غيرها

وعطفًا على كلام الحكيم نرى أنّ التفكير الإلحادي المعاصر يُنشئ تعارضات وهمية بين مستوى الفعل الإلهي ومستوى التشكّل المادي المنظور لهذا الفعل بقوانين يستطيع البشر إدراكها. فالله سبحانه خلق الأجنّة في الأرحام، ولكننا اليوم نكاد نعرف جميع تفاصيل هذه العملية البيولوجية منذ لحظة الإخصاب وحتى ولادة الجنين، فهل تنفي معرفتنا هذه بالتفاصيل المادية للعملية كونها من فعل الله وتقديره وكون الجنين من خلقه سبحانه؟!

 

لقد جهل هؤلاء جانب الرحمة الإلهية في جعل مخلوقاته في الطبيعة والحياة تجري بقوانين يمكن للبشر إدراكها أو إدراك الكثير منها؛ إذ لولا وجود الأسباب المادية في مختلف ظواهر الحياة والطبيعة لما استطاع الإنسان التقدّم شبرًا واحدا في المعرفة والتطوير، ولظلّ يراوح مكانه يحاول معرفة سبب اندلاع النار، أو سبب مرض السكري، أو غيرها من الأسباب التي جعلته معرفتُها يتقدّم علميا في الطبّ والصناعات والفلك والكيمياء وغيرها من الحقول العلمية. فقَمين بهذا الإنسان أن يشكر الله على هذه النعمة (نعمة معرفة الأسباب المادية) التي مكّنته من التقدّم ومن تسخير عناصر الطبيعة لصالحه، لا أن يجعلها مُعارضًا لأفعاله وتقديره سبحانه!

 

وتخيّلوا حالةً نُشرّح فيها جسدَ الإنسان فلا نجد إلا مادة واحدة متماسكة، لا أعضاء ولا خلايا ولا جينات ولا سائل ولا دماء ولا شيء مما يمكن تفسير علاقته السببية بحفظ حياة الإنسان.. هكذا، مخلوق حيّ متحرّك بلا أسباب! أو حالة لا يمكننا فيها معرفة قوانين الكيمياء وتفاعلات المواد، فكيف يمكن حينئذ أن يتقدّم الطبّ أو تتقدّم الصناعة البشرية؟

 

لقد خلق الله هذه الأسباب لمصالح البشر وليكونوا قادرين على عمارة الأرض وإقامة الحياة البشرية فيها والقيام بواجبات الخلافة، ولو أخفى لنا هذه الأسباب وأظهر لنا يده التي تخلق:

1) لفقد الإنسان قيمته وكرامته كإنسان حرّ مُريد مفكّر.

2) وفقد دوره كخليفة يعمر هذه الأرض ويكون قادرا على العيش فيها وحفظ مصالحه والتعامل مع أسبابها التي يمكن تفسيرها.

3) ولبطلتْ قيمة الابتلاء والغاية من خلق هذا الإنسان والعالَم الذي يعيش فيه.

 

والمسلم بعد ذلك ينظر إلى الظاهرة الطبيعية والأسباب المادية بعيْنَيْ عقله وفؤاده:

* عقل يدرس الظاهرة الطبيعية وأسبابها، ويحاول الاستفادة من هذه الدراسة في توفير ما يحفظ مصالح الإنسان من تقنيات وتدابير.

* وفؤاد مرهفٌ يعتبر من الظاهرة الطبيعية، فلا تمرّ عليه هذه الظاهرة الطبيعية مرور الكرام، ولا يتعلّق بالسبب الظاهر فيها فيضطرب قلبُه، بل يلجأ إلى الله خالق الأسباب ويولَه إليه. فهو ليس حائطًا جامدًا بل إنسانٌ "يأنسُ بربّه في المنافع والمضارّ، وإليه يلجأ وإليه يفزع وبذكْره يأنس في جميع أحواله وأموره" كما يقول الحكيم الترمذي. ولا يكون الإنسانُ إنسانًا حتى يصل بقلبه إلى ما وراء هذه الأسباب المادية، إلى الله خالق الأسباب سبحانه.