غريب ألبير كامو

بمجرد ما يتم ذكر ألبير كامو نتجه بتفكيرنا مباشرة صوب الفلسفة الوجودية، ذلك التيار الفلسفي الذي يميل إلى الحرية التامة في التفكير، والذي يؤكد كذلك على مسألة تفرد الإنسان، باعتباره صاحب تفكير وحرية وإرادة واختيار، وبقدر ما يعطي هذا التيار للفرد كامل حريته، إلا أنه يُردفها بالمسؤولية، وبالتالي فهذا التيار يهدف بالأساس إلى التأكيد على فعل الحرية، وربطها مباشرة بالمسؤولية. ولعل هذه الأفكار هي التي تشكل جل تفكير ألبير كامو، ومن خلال كتاباته يتضح مدى إيمانه بالحرية، ومدى رغبته في التحرر من القيود التي تلازم الفرد.
  
في ريعان شبابه، وتحديدا سنة 1942، خلد ألبير كامو رواية خوّلت له الحصول على جائزة نوبل للأدب، ولعله كتبها قبل أن يصل إلى مرحلة نضجه الفكري والوجودي، ومن خلال مؤلفاته التي كتبها بعد رواية الغريب كـ"الموت السعيد" و"المتمرد" يتضح مدى العمق الفلسفي والسياق الوجودي الذي يتسم به فكر ألبير كامو، أما بخصوص رواية الغريب فهي من ناحية أخرى إحياء لشخصية كامو، والذي يميل إلى العبث، والنظر إلى الحياة على أنها تافهة، وكتب يقول: "إن الإنسان لا يُغير حياته مطلقا وإن جميع أنواع الحياة تتساوى على أية حال"، في هذه الرواية التي تدور أحداثها في الجزائر يَبرزُ شخص ألبير كامو عائدا إلى مكان ولادته، وغريبا عن وطنه فرنسا، وفي ذلك معنى أن يكون المرء غريبا على جميع المستويات، وهكذا ظل مرتبطا بواقع يتخذ من الأوهام والأحلام والمظاهر نمطا للعيش، وهو الواقع الذي ينبذه كامو.
  
ذهب ألبير كامو في رواية "الغريب" إلى الخوض في عوالم الإنسان المتمرد والعبثي، والتساؤل حول ماهية الحياة التي يحكمها اللامعنى، تلك الحياة هي التي يتحدد من خلالها معنى الحياة بالنسبة لكامو، والتي لا تستحق أن نوليها أكثر مما تستحق، بل يجب أن نتعامل معها بدون اكتراث، وكتب يقول:"لم يكن في استطاعتي مطلقا أن أندم على أي شيء فقد كنت دائما مأخوذا بما سوف يحدث .. بما يمكن أن يقع اليوم أو غداً"، ولهذا يحاول في مجمل أعماله إيصال نظرته إلى الواقع بنظرة مبنية على اللاجدوى، ذلك أن قيمة الحياة في نظره تَبرز عندما لا نعطي للحياة أية قيمة.
  
  
وكتب يقول: "أنا حين أفكر في أحوالي جيدا لا أجد أني تعيس أو بائس، ولما كنت طالبا كان عندي كثير من الطموح، ولكن لما قُدّر لي أن أترك الدراسة أدركت بسرعة أن كل هذا لا ينطوي على أهمية حقيقية"، من خلال ذلك حاول كامو وصف غريبه، والذي لا يعير للحياة وللناس وللأشياء قيمة أكثر مما هي عليه، ويتعامل مع كل شيء بدون أدنى اكتراث، ويحاول أن يعيش حياة لا يتدخل فيها الناس، بسبب كونه لا يتدخل في حياتهم، إنه يعيش نوعا من التمرد على المجتمع، والحياة في نظره تكاد تشبه العدم، ويقول في هذا الصدد:"الجميع يعرفون أن الحياة ليست جديرة بأن تعاش ولم أكن أجهل في الحقيقة أن الموت في الثلاثين أو في السبعين سيان"، ولعل ذلك كان هو الطابع الذي ساد شخصية الغريب، والذي فقد الإحساس بالأشياء، وبلغ به ذلك أنه لم يكترث لموت أمه، وقبل ذلك أخذها إلى المأوى، دون أن يؤنبه الضمير.
  
ويبدو أنه نزع من نفسه ذلك الإحساس الذي يجعله يشفق على الٱخرين، وحتى الحب لم يتمكن منه بسبب طابعه ذاك، ولطالما كان ينظر إلى الناس باشمئزاز ولامبالاة، ويدع الأمور تسير دون أن يتدخل فيها، وألا يُحمّل نفسه عناء ذلك، وحتى الكلام يقتصد فيه إلى أبعد حد، دون أن يعطي ٱراءه في موقف ما، وكتب يقول: "ما دام ليس عندي شيء مهم أقوله .. فإني أفضل التزام الصمت"، ولا يبالي بكل ما يجري حوله، بل يكتفي أحيانا بالملاحظة، وأحيانا بالتجاهل. وبعد دخوله إلى السجن، بسبب جريمة قتل، لم يكترث لوجوده في السجن، بل اعتاد على ذلك، في ذلك الصدد يقول: "يمكن للإنسان أن يعتاد على كل شيء"، وترك مصيره هناك يسير دون أن يفكر في الانفلات من تهمته، ذلك أن مبادءه ظل متشبثا بها، وبسبب عدم إيمانه بالله، لم يكترث لمجيء البابا بعد أن صدر حكم الإعدام في حقه، بل إن محاولات البابا إقناعه بتغيير طابعه، لم تزده إلا اشمئزازا وتشبثا بشخصيته الغريبة، ولم يستسلم إلا لمصيره.
  
‎لقد ظل غريب كامو غريبا في تصرفاته وتفكيره عن المجتمع، وبقي متشبثا بمبادئه، غير مكترث بالحياة والمجتمع، ذلك أنه كان يتميز بنوع من التمرد على كل شيء، وظل بذلك عبثيا لدرجة أن الأشياء في نظره لا تستدعي أدنى اهتمام، وتٙمسّك بمبادئه حتى النهاية، ولم يشغل نفسه بما لا يستحق، ولم يتدخل في ما لا يعنيه، وحتى إن طُلب منه ذلك، فهو يكتفي بما يؤكد أنه لا يكترث لأي شيء، ويبدو أن رواية "الغريب" هي نوع من تسليط الضوء على شخصية ألبير كامو، فَسّر من خلالها نظرته إلى كل شيء، وطبيعة شخصيته التي تميل إلى التمرد.


حول هذه القصة

لم يحظ أي كاتب جزائري في السنوات الأخيرة بما حظي به الروائي كمال داود من تتويج، فروايته الوحيدة التي أصدرها “ميرسو تحقيق مضاد” بالفرنسية حصدت العديد من الجوائز المرموقة.

29/10/2014

في خطوة غير مسبوقة نقلت دار غاليمار رواية “الغريب” من دائرة الإبداع إلى دائرة البدعة فصار “مورسو” بطل الرواية، الذي أسس بأفعاله وأقواله ومواقفه ملامح فلسفة الوجود والعبث شبيها (من ناحية الشكل طبعا لا المضمون) بسوبرمان وباتمان وتانتان، والقائمة تطول.

24/11/2013

في رواية غارسيا ماركيز “مائة عام من العزلة”، تساءل الجميع عن معنى المشهد الغريب للفتاة الطائرة، وتعددت التفسيرات، لكن الانشغال به أنسى القراء مشهدا أكثر غرابة وهو عثور العقيد بوينديا -بطل الرواية- على سفينة على اليابسة، تبعد مسافة أربعة أيام عن البحر.

10/10/2011

أصيبت الدوائر الثقافية البرتغالية بالارتباك إثر رفض الكاتب الأنغولي جوزيه لاوندنيو فييرا جائزة كامويس وقيمتها 120 ألف دولار التي ينظر إليها بوصفها جائزة نوبل في الأدب للعالم الناطق بالبرتغالية.

26/5/2006
المزيد من المدونات
الأكثر قراءة