الحقوق طريق للتغيير

إن وضعنا يحتم علينا التحرك للخروج من هذه المحن وإلا فالهلاك قادم. فلا مجال للانتظار، هناك مسلكين متّبعين لإخراج المسلمين من الذل: الأول توعية الناس كحثهم على العبادات وتتبع خطى السلف في الطاعات. وهذا المسلك يسلكه الشيوخ كالعريفي. وهناك دعاة كعمرو خالد والشقيري يجتهدون في الاقتباس من المجتمعات الأخرى لتغيير عادات الناس برفع الهمم والمبادرات. ويندرج تحت هذا المسلك أولئك الذين يصيحون نقدا للمجتمع دونما اقتراح للتغيير. والمسلك الثاني هو محاولة الوصول للسلطة لعل من وصلوا سيغيرون المجتمعات بتغيير الأنظمة، كما تفعل الأحزاب السياسية كحزب التحرير أو كما حدث في الجزائر في التسعينيات، أو كما تفعل الشعوب بالثورات.
وكما ترون فإن الأول تخديري والثاني تدميري. الأول يخدر الشعوب بإلقاء لوم التخلف عليهم. فهو يخدرهم بحثهم على الصبر على الفقر أو برفع الهمة. أي بتلافي السلطات. هكذا يكون التخدير ليتحمل الناس الحياة بتخلفها. ولا أظن أن هذا المسلك سيفلح في التغيير أبدا، بل تزداد السلطات تسلطاً لأن معظم الموارد بيدها، ناهيك عن تسخير العلماء والإعلام والقانون لديمومتها. وكلما ازدادت الدولة تسلطا صعب التخلص منها، فيكون المجتمع طبقيا كما هو حال عسكر مصر اليوم. طبقة تحكم وطبقة مسحوقة يصعب عليها التغيير.

والمسلك الثاني يتجه مباشرة للوصول للحكم أو الثورة على الحكام والذين لن يتخلوا عن الحكم حتى إن قُتل الشعب بأكمله كما في سوريا. وهذا مسلك له ظروفه التي تتطلبه إن كانت السلطة ضعيفة وثبت فسادها، وقد لا تكون هي ما نحتاجه الآن لتمكن السلطات، فالدولة عميقة جداً. لكن هذا لا يعني أنني ضد ما يحدث في سوريا، بل لأن الثورة قد بدأت فلابد لنا من دعمها. لكن لنفترض أن أهل المسلك الثاني وصلوا للحكم، فكيف سيحكمون؟ ستتحسن الأمور لجيل أو إثنين ثم سيظهر حاكم مستبد لتعود الأمور إلى ما كانت عليه. وكما هو معلوم فإن فقهاء السلاطين لنا بالمرصاد في هذا المسلك الثوري. لهذا سيبقى هذ المسلك محيرا للعامة بين مؤيد ومعارض بسبب أحاديث منع الخروج على الحكام، فهذا مسلك لن يوحد الصفوف أبداً.

نذكر ما حدث لبوعزيزي بحرق نفسه، وقبل أشهر طُحن محسن فكري، تعاطف وتكاتف جميع الناس مع من يريد العيش بأخذ حقه، فقد منعا من البيع برغم أن هذا حق كفلته الشريعة لهما

لذا فإني أقترح المسلك الثالث وهو استرجاع الناس لحقوقهم المسلوبة، فكما هو معلوم فإن التخلف الذي نحن فيه بسبب الأنظمة التي تضخمت جيلا بعد جيل وسيطرت على الموارد وعلى شؤون الحياة قاتلة بذلك همم الناس ومبادراتهم، فكل شيء ممنوع إلا بموافقات، وكل الموارد محتكرة للدولة أو من ترضى عنهم، فلا تمكين للناس، وأعني بالتمكين ١) إطلاق أيدي الناس للوصول للخيرات من أراض ومعادن، فالخيرات أكثر من أن تنفذ، فالله المعطي الواهب الوهاب الرازق الرزاق الكريم الجواد خلق أرضاً ووضع فيها ما يكفي أضعاف أضعاف سكانها الحاليين (وقد نوقشت مسألة الندرة النسبية في كتاب قص الحق) كما أن الشريعة ٢) ضمنت للناس الانطلاق في الإنتاج دونما تصاريح إن لم يكن هنالك ضرر، وهذا بالطبع حتى لا تكون التصاريح دُولة بأيدي المتنفذين. فالأنظمة المعاصرة وُضعت باستخدام العقل البشري القاصر وبحسن نية لمنع الضرر، لكن تلاعب بها المسؤولون فمنحوا هذا حق إنشاء مصنع ومنعوا ذاك. والشريعة معجزة في هذه المسألة كما بينت في كتاب "قص الحق" بتوفيق الله.

لعلنا نذكر ما حدث في تونس عندما قام بو عزيزي بحرق نفسه، وقبل أشهر طُحن محسن فكري في المغرب -رحمهما الله- لقد تألم الجميع وخرجت المظاهرات، لقد تعاطف وتكاتف جميع الناس مع من يريد العيش بأخذ حقه، فهما قد منعا من البيع برغم أن هذا حق كفلته الشريعة لهما، وهنا بيت القصيد للتغيير.. كيف؟

سيكون عمل الفرد لنفسه حراً أو شراكة مع غيره أجدى له من التوظّف في الدولة التي قد تفلس لأن الناس سيرفضون دفع الضرائب لها إذ أنها محرمة شرعاً، فهي مكوس وليست حقاً للدولة

لقد فُصّلت القوانين تدريجيا بدعوى التنظيم بطريقة احتكارية ومركزية تحرم الناس من الكثير من الحقوق فكان الظلم والفساد والذل، مثل منع إحياء الأرض فارتفعت أسعار الأراضي فظهرت مشكلة الإسكان، ومثل السيطرة على الاستيراد إلا بالوكالات فكان الاحتكار فارتفعت أسعار السلع فازداد الفارق الطبقي، ومثل منع السفر إلا بالتأشيرات فظهرت الحدود التي منعت نقل البضائع والمعرفة فتأثر الاقتصاد، وهكذا من حقوق كثيرة سلبتها الحكومات، وما أعان الحكومات على هذا السلب هو: إما الفتاوى التي أطلقها الفقهاء وتغيرت الشريعة معها بدعوى الضرورة لتغير الزمان، وإما بسكوت البعض الآخر عن فتاوى تغيير منظومة الحقوق كالسكوت على امتلاك الدولة لكل المعادن بدعوى المصلحة العامة بينما الشريعة تُملّكها لمن حازها، فمُنع الناس من استخراجها وتصنيعها فخبت الاقتصاد وانتشر الفقر.

لقد أتت الشريعة بمنظومة من الحقوق لا يمكن للبشر أن يأتوا بمثلها لأنها من عند عالم الغيب والشهادة العليم الحكيم وتؤدي لعزة المسلمين. وأسميتها "مقصوصة الحقوق" تأسيا بقوله تعالى: (إِنِ الْحُكْمُ إِلا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ). فهي قُصت لتحرير البشر لتكون العبودية لله وحده. لذا فقد قُصت لتفتح أبواب التمكين للناس لينطلقوا في الإنتاج ودونما اصطدام فيما بينهم ليتحرروا من الاستعباد (وهذا هو الإعجاز). حقوق دقيقة كحقوق الشفعة، وحقوق تفصل بين الناس كحق المسيل وحق الطريق، وحقوق أتت كمبادئ مثل تفادي الضرر بمبدأ لا ضرر ولا ضرار.

فإن هب الناس لأخذ حقوقهم ودون إذن السلطات إن منعتهم، عندها فإما أن تتغير السلطات أو تسقط، كيف؟ هذا يحيي أرضا ليسكن وذاك يبيع ليكسب قوت يومه وهؤلاء الشباب يقلعون الصخور لبيعها كمواد بناء وأولئك يجمعون المعادن من الجبال لتصديرها، وكل هؤلاء لن يستطيع أحد منعهم شرعاً، فهم يتصرفون فيما هو حق لهم، وإن منعتهم السلطات فلهم حق الدفاع حتى الموت، فهم لم يؤذوا أحدا، لهذا فالكل سيتعاطف معهم، ومن قاتلته السلطات وقتلته فهو شهيد مثل محسن فكري رحمه الله.

فمن قتل دون ماله فهو شهيد، ومن أحيا أرضا ملكها، والمسلمون شركاء في ثلاث: الماء والكلأ والنار، وهكذا من حقوق. بهذا السلوك للتغيير سيكون معظم الناس بمن فيهم بعض المسؤولين مع الذين يبادرون، وقد تتمكن الدولة في أول الأمر من منع هذا وذاك، لكن إن كثر المبادرون سيتحرر الناس أكثر وأكثر وستأتي مبادرات أكبر وأكثر كبناء مصنع وتشييد ميناء وككسر الحدود.

عندها سيكون عمل الفرد لنفسه حراً أو شراكة مع غيره أجدى له من التوظّف في الدولة التي قد تفلس لأن الناس سيرفضون دفع الضرائب لها إذ أنها محرمة شرعاً، فهي مكوس وليست حقاً للدولة، حتى فقهاء السلاطين لن يستطيعوا فعل شيء لأنه لا خروج في هذه الحالات على الحاكم، ومع ازدياد التحرك وكثرة الأموال في أيدي الناس لوصولهم للخيرات ستتغير الحكومات بإذن الله إن لم تغير سياساتها. أي أن الإشكالية هي أن الناس لا يعرفون حقوقهم. فيجب أن يعرفوها ليتحركوا لأخذها. وثقوا أنهم سيتحركون لأنهم بأمس الحاجة إليها. وإن علموا أنهم إن قتلوا في سبيل أخذها فهم شهداء، لما ترددوا في المبادرة لأنها ستنقذهم من البؤس. كل يأخذ حقه في موقعه. عندها ستتغير الأمة بتحرك أفرادها لتسموا للمجد.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة