مجزرة صبرا وشاتيلا.. ما الذي حصل؟

حلت قبل أيام الذكرى الخامسة والثلاثون لواحدة من أبشع مجازر القرن العشرين، وما يمكن اعتبارها أقذر كارثة خلفها غزو قوات الاحتلال الإسرائيلي للبنان عام 1982، عندما انهار أطباء وصحفيون وأصيب بعضهم بالجنون أمام هول ما عاينوه من فظائع في مخيمات اللاجئين الفلسطينيين ببيروت بعد انسحاب القتلة.

 

إنها مجزرة صبرا وشاتيلا…

 

أعلم أن الحديث عن ذكرى مجزرة لم يعد ذا قيمة في وقت صارت فيه المجازر طقسا شبه يومي، وأدرك أن ما سأقوله في هذه التدوينة ليس بجديد، كما أتفهم موقف البعض ممن سيطالبونني بالصمت لمجرد أنني لست لبنانيا أو فلسطينيا وأن ما جرى "لا يعنيني"، لكنني مطمئن بشكل كبير لحاجتنا الماسة إلى الاستفادة من دروس الماضي، لعلها تساعدنا على التعامل مع حاضر أخرق ومستقبل لن أكون متشائما بل واقعيا إن قلت أنه يبدو قاتما أكثر من أي وقت مضى.

 

منذ أيام الصيف الأولى وأنا أقرأ حول موضوع الحرب الأهلية اللبنانية وتبعاتها، الحرب التي يعتبرها كثيرون أعقد حرب في القرن الماضي، قرأت روايات وكتبا تؤرخ لتلك الفترة وتابعت برامج وسلاسل وثائقية، وسأحاول تلخيص ما يتعلق بموضوعنا اليوم في أسطر قليلة حسب ما يسمح به حجم التدوينة.

 

اعتبروا هذه التدوينة إذن إعادة تذكير أو تعريفا مقتضبا وسريعا لمن لم يسمع بتفاصيل الحكاية الدامية من قبل.

 

مشهد من مجزرة صبرا وشاتيلا (الجزيرة)


الاجتياح: عندما خدع شارون الجميع!

بدأت إرهاصات الاجتياح قبل ذلك بفترة طويلة، عندما كسرت ميليشيا القوات بزعامة بشير الجميل حالة الجمود التي عرفها النزاع الأهلي اللبناني، فتعللت بضرورة الربط بين مسيحيي الساحل والجبل وهاجمت مواقع الجيش السوري في مدينة زحلة، فحصارت الميليشيا وقصفت بالمروحيات، ليطلب بشير نجدة إسرائيل معتبرا أن ما حدث فيه تجاوز لاتفاق الخطوط الحمر.

 

تدخلت إسرائيل بالفعل، فأسقطت طائراتها مروحيتين سوريتين، فردت سوريا بنشر بطاريات صواريخ سام 6 في سهل البقاع اللبناني، ما اعتبره كثيرون إعلان حرب في المنطقة.

 

نوايا بشير كانت واضحة، جر إسرائيل إلى غزو يوصله هو على ظهر دبابة إلى منصب الرئيس، فيما تفكر الدوائر الرسمية الإسرائيلية في اجتياح محدود حتى نهر الليطاني لإبعاد خطر صواريخ الكاتيوشا التي تطلقها فصائل منظمة التحرير، وقد بنت هذه الأخيرة ومعها سوريا ومعظم الدول العربية حساباتها على هذه الجزئية.

 

لكن آرييل شارون وزير الدفاع الإسرائيلي كان له رأي آخر خدع به الجميع بمن فيهم مناحيم بيغن رئيس الوزراء!

 

وهكذا استغلت إسرائيل محاولة اغتيال سفيرها في انجلترا شلومو آرغوف (رغم أن منفذي العملية كانوا منشقين أصلا عن منظمة التحرير) لتبدأ قصفا مركزا استهدف مواقع تابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية في لبنان صيف عام 1982، تبعه اجتياح بري ضخم يوم 6 يونيو.

 

وصول سريع إلى أسوار بيروت ثم مفاوضات لإخراج قوات منظمة التحرير

كان فارق القوى بين الجيش الإسرائيلي والجيش السوري وفدائيي منظمة التحرير مهولا، ورغم استبسال بعض المقاومين في الدفاع عن مواقعهم، خاصة في قلعة الشقيف ذات الموقع الاستراتيجي، إلا أن القوات الإسرائيلية تمكنت من الوصول إلى أسوار بيروت بعد أربعة أيام فقط من بدء الاجتياح البري، في وقت لم تستوعب فيه القيادة السورية ومنظمة التحرير بزعامة ياسر عرفات حقيقة نوايا شارون في الوصول إلى بيروت واحتلالها إلا بعد فوات الأوان، فوقعت سوريا اتفاقا لوقف إطلاق النار بعد فقدانها للقوة الضاربة لسلاحها الجوي في معركة جوية حسمها الطيران الإسرائيلي بسهولة تامة (نعم، بطاريات صواريخ سام 6 و 7 للدفاع الجوي كانت فعالة في حرب 1973، لكن من قال أنها ستكون فعالة بعد ذلك في حرب 1982 ؟)، وبدأ عرفات يفكر جديا في الدخول في مفاوضات لخروج قواته من لبنان.

 

مشهد من مجزرة صبرا وشاتيلا (الجزيرة,مواقع التواصل الإجتماعي)

حوصرت بيروت الغربية بالكامل ودارت اشتباكات برية بطولية استمرت لما يقارب الشهرين بين القوات المشتركة التي ضمت فدائيين من منظمة التحرير ومقاتلين من القوى الوطنية اللبنانية وكتيبة سورية بقيت حفظا لماء وجه سوريا من جهة، والقوات الإسرائيلية التي قصفت العاصمة وارتكبت المجازر بحق المحاصرين وقطعت عنهم الماء والكهرباء في محاولة للضغط على عرفات للقبول بالشروط التي نقلها ممثل الخارجية الأمريكية فيليب حبيب.

 

المنظمة خرجت، بشير حصل على ما يريد، ولكن…

توصل فيليب حبيب إلى اتفاق يقضي بخروج المقاومة الفلسطينية من لبنان، وتشتيت مقاتليها في عدد من الدول العربية، وتم ذلك بالفعل، بعد الحصول على ضمانات أمريكية بحماية المخيمات بعد إرسالها قوات حفظ سلام انسحبت بسرعة فيما بعد.

 

من جهة أخرى قام بيغن باستدعاء بشير الجميل إلى نهاريا، مطالبا إياه بأداء مقابل إيصاله إلى سدة الحكم بعد انتخابه في البرلمان رئيسا للبنان، المقابل يتمثل في توقيعه على معاهدة سلام تخرج لبنان نهائيا من معاهدة الصراع، بعدما تصورت القيادة الإسرائيلية أن هذا الأمر سيعجل بتوقيع الأردن، لتبقى سوريا معزولة، ما سيجبرها على الدخول في مفاوضات سلام.

 

رد بشير بضرورة خضوع أمر الدخول في مفاوضات سلام إلى موافقة مجلس النواب والحكومة اللبنانية، فانتهى اللقاء بشكل سيء حسب وصف من حضروه، ليحاول تصليح العلاقات فيما بعد إثر لقاء سري جمعه بشارون في بكفيا.

 

بدا أن كل شيء يسير نحو تسلم بشير مهامه كرئيس، فيما اعتبره كثيرون تكريسا للهزيمة الشاملة التي مني بها لبنان في هذا الغزو الذي أبعد المقاومة الفلسطينية عن شمال الأراضي المحتلة، وكسر شوكة القوى الوطنية اللبنانية وأدخل لبنان رسميا في عصر الهيمنة الكتائبية ومن خلفها الإسرائيلية.

 

وهنا وقع الزلزال…

 

 إن شارون تمكن من استيعاب صدمه مقتل بشير الجميل، بل واستغلها أبشع استغلال، فقد اقتحم مقر القوات، وحرض زملاء بشير المتباكين على مقتل زعيمهم على الانتقام، ولكن ممن؟ من الفلسطينيين طبعا!
 

بعد ظهر 14 سبتمبر 1982، دوى انفجار ضخم هز أركان بيروت، ليتبين أنه استهدف بيت الكتائب في الوقت الذي كان فيه بشير يخطب في زملائه أعضاء الحزب.

 

قتل بشير و 26 آخرون من أعضاء الحزب، ما شكل صدمة كبرى لشارون ومن معه، ممن شعروا بأن مشاريعهم وأحلامهم قد تهاوت مع انهيار بيت الكتائب على من فيه، ويذكر صحفي إسرائيلي كيف شاهد بأم عينه ضابطا في الموساد يبحث بين الأنقاض كالمجنون عن بشير في محاولة لإنقاذه!

المجزرة

كانت كل المؤشرات تدل على أن عملية اغتيال بشير أكبر وأعقد من أن تتمكن مخابرات فلسطينية من تنفيذها، وعلم الجميع أن سوريا تقف وراءها، في محاولة منها لوقف عملية ابتلاع إسرائيل للبنان بشكل كامل.

 

رغم هول الصدمة، إلا أن شارون تمكن من استيعابها، بل واستغلها أبشع استغلال، فقد اقتحم مقر القوات، وحرض زملاء بشير المتباكين على مقتل زعيمهم على الانتقام، ولكن ممن؟ من الفلسطينيين طبعا!

 

يوم 16 سبتمبر، أي مباشرة بعد مقتل بشير ودفنه، دخلت ثلاث فرق تابعة لميليشيات القوات والكتائب قادها إيلي حبيقة (هناك حديث عن مشاركة قوات تابعة لما يسمى بجيش لبنان الجنوبي العميل لإسرائيل بقيادة الرائد سعد حداد) إلى مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في صبرا وشاتيلا، تحت ذريعة البحث عن 1500 مسلح فلسطيني، رغم علم الجميع باستحالة ذلك بعد مغادرة مقاتلي منظمة التحرير لبيروت وخلو المخيمات من قطعة سلاح واحدة.

 

من جهتها، قامت القوات الإسرائيلية بتطويق الموقع وإنارته ليلا بالقنابل المضيئة لتسهيل مهمة القتلة بعيدا عن أنظار العالم ووسائل الإعلام، ويتحدث البعض عن أن شارون اعتلى سطح مبنى السفارة الكويتية السابق والمطل على المخيم، للإشراف بنفسه على مراقبة مجريات المجزرة.

 

سمحت القوات الإسرائيلية بعد مجزرة صبرا وشاتيلا بدخول الأطباء ووسائل الإعلام التي صدمت بهول ما حصل، أمام المناظر البشعة للبطون المبقورة والأعناق المذبوحة للجثث الملقاة في الشوارع
 

تسلح القتلة بالرشاشات والمسدسات والسكاكين والسواطير والبلطات، وواصلوا لثلاثة أيام بلياليها قتل واغتصاب وتقطيع أوصال الأبرياء العزل من أطفال ونساء وعجائز وكهول ورمي جثثهم في العراء، كما اقتادوا ممرضين وأطباء من مستشفى عكا إلى وجهات أخرى حيث تمت تصفيتهم.

 

ما بعد الكارثة

رغم تضارب الأرقام بشأن عدد ضحايا المجزرة البشعة، إلا أن معظم التقديرات تشير إلى أن العدد يفوق 2000 شهيد أعزل قتلوا بدم بارد، ودفنوا جماعيا فيما بعد إثر سماح القوات الإسرائيلية بدخول الأطباء ووسائل الإعلام التي صدمت بهول ما حصل، أمام المناظر البشعة للبطون المبقورة والأعناق المذبوحة للجثث الملقاة في الشوارع.

 

صدم العالم بما جرى، فحاولت الحكومة الإسرائيلية التماشي مع الضغوطات وشكلت لجنة تحقيق قامت بتوجيه الاتهام الشكلي إلى شارون بالمسؤولية عن المجزرة وتجاهل إمكانية حدوثها، وقد رفض الأخير هذه الاتهامات واستقال من منصبه كوزير للدفاع (لكنه عاد بعد سنوات لتسلم منصب رئيس الوزراء الإسرائيلي!).

 

أما مناحيم بيغن فقد اكتفى أمام الضغوطات بعبارة بغيضة تكشف الكثير من العنصرية، وأعتقد بأنها أبلغ رسالة لكل من يخرج علينا من حين لآخر برأي عجيب عن عدالة إسرائيل وديموقراطيتها ومثاليتها واستحقاق العرب لما يجري لهم بسببها! "أناس غير يهود قتلوا أناسا غير يهود، ما شأننا نحن؟"



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

الأكثر قراءة