شعار قسم مدونات

تاريخنا المغلوط.. منعرج عرفات الخطير

blogs ياسر عرفات

يوافق اليوم (3 أكتوبر 2017) ذكرى ميلاد المجاهد الأكبر مؤسس الدولة الحديثة في تونس (كما يُلقّب) الحبيب بورقيبة. لا شأن لي في أن أوغل الآن في نقاش شخص بورقيبة بقدر ما أود الحديث عن معضلة أراها كانت ولا زالت سببا هاما فيما تعانيه الأمة اليوم (وأعي ما أقول بوصفي واستعمالي لكلمة أمة) من جهل لواقعها أو بالأحرى خلط وسوء فهم لواقعها وآلامها ومشكلاتها وأزماتها.

يقول ابن خلدون في التمهيد لمقدّمته الشهيرة: " نشأت في التاريخ كتابا، رفعت به عن أحوال الناشئة من الأجيال حجابا، وفصلته في الأخبار والاعتبار باباً باباً، وأبديت فيه لأولوية الدول والعمران عللا وأسبابا.. وسلكت في ترتيبه وتبويبه مسلكا غريبا، واخترعته من بين المناحي مذهبا عجيبا، وطريقة مبتدعة وأسلوبا.. استوعب أخبار الخليقة استيعابا، وأعطى لحوادث الدول عللا وأسبابا، وأصبح للحكمة صونا وللتاريخ جرابا".

والمقصد من استدلالي هنا أنه ما من شعب وما من حاكم وما من منظّر وما من قارئ وما من أحد من أولي الألباب بقادر على فهم هذا الواقع ما لم يعي أهمية فهم تاريخه. وهنا مربط الفرس ولبّ النقاش وقلب الداء. كيف كتب تاريخنا؟ ومن كتبه؟ ولماذا كُتب علينا أن نحيا ونموت مقدِّسين لأشخاص أخطؤوا في حق شعوبهم بقدر ما أنجزوا وما رفعوا من تحديات؟

سأسعى هنا أن أكون أكثر وضوحا بسرد أمثلة كي أسهل على القارئ فهم ما أريد تبليغه.

فلنبدأ بشخصية معروفة عند الجميع عربا كانوا أو أعاجم، وهي شخصية الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، ذاك الرمز الذي يسعى كل من على الساحة الفلسطينية على سبق منافسيه نحو إبداء إجلالهم له، كنصب طائرته في قطاع غزة تحت رعاية حركة حماس، وكصورته التي لا تكاد تغيب عن أي حضور أو لقاء أو كلمة للمفصول من حركة فتح محمد دحلان. وكصوره أيضا وشعاراته التي يستعملها قادة فتح حتى الآن، وذلك منبع شرعيّتهم على الساحة كما يرون وكما يزعمون.

كان اتفاق أوسلو بداية شرخ كبير في الساحة السياسية الفلسطينية خاصة وأن عرفات كان قد قرر وأخذ في نزع سلاح المقاومة وفتح الباب أكثر فأكثر لإسرائيل للعبث بفلسطين وشعبها ومقدساتها

ياسر عرفات الذي بدأ مسيرته كلاجئ في الكويت سنة 1957 ثم كمؤسس لحركة فتح مع ثلة من المقاومين كالشهيد خليل الوزير وصلاح خلف وغيرهم. اختار الرجل في بداية مسيرته الوقوف في وجه الاحتلال والدعوى إلى المقاومة المسلحة ومحاولة كسب الرأي العام الدولي عموما والعربي خصوصا.

أطلق أول رصاصة في الأول من يناير 1965 وبدأ بنفسه قيادة خط المقاومة المسلحة. ومع عدم غض النظر عن باقي المحطات التي مر بها هذا الرجل في تلك الفترة ومواقفه البطولية والشجاعة وهي تلك التي اكتفى المؤرخون بترديدها وتكرارها ناحتين صنمه، فإننا أيضا لا يجب أن ننسى تلك المحطة الهامة في تاريخه.

ذاك المنعرج الخطير الذي سلكه، و الذي كان مفترق طريق حاد في مسيرته " البطولية "، فبعد أن دعا إلى تأسيس دولة فلسطينية في أراضي 1967 تعيش بسلام جنبا إلى جنب مع دولة إسرائيل أتت سنة 1993 لتكون شاهدة على اتفاق ذل للفلسطينيين جميعا، وهو اتفاق أوسلو الذي نصّ على: "حق دولة إسرائيل في العيش في سلام وأمن والوصول إلى حل لكل القضايا الأساسية المتعلقة بالأوضاع الدائمة من خلال المفاوضات، وأن إعلان المبادئ هذا يبدأ حقبة خالية من العنف، وطبقا لذلك فإن منظمة التحرير تدين استخدام الإرهاب وأعمال العنف الأخرى، وستقوم بتعديل بنود الميثاق الوطني للتماشي مع هذا التغيير، كما وسوف تأخذ على عاتقها إلزام كل عناصر أفراد منظمة التحرير بها ومنع انتهاك هذه الحالة وضبط المنتهكين".

فكان هذا الاتفاق بداية شرخ كبير في الساحة السياسية الفلسطينية خاصة وأن عرفات كان قد قرر وأخذ في نزع سلاح المقاومة وفتح الباب أكثر فأكثر لإسرائيل للعبث بفلسطين وشعبها ومقدساتها وكان أيضا تمهيدا للتنسيق الأمني واتفاق دايتون وتصفية المقاومين واعتقالهم وإجهاض فصائل المقاومة الفتحاوية وغيرها.

إذا أيها القارئ، لك الآن أن تشاركني سؤالي الذي طرحته في أول المقال. لما نغض البصر عن عورات زعمائنا، ونكتفي دوما بما يجعلهم أربابا لمجد مزيّف في أذهاننا متناسين خذلانهم لنا؟ سل كاتب التاريخ يجبك.. وسله أيضا، أين التاريخ؟

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.