في الأفكار "الميتة" و"المميتة"

blogs - mosque
في طريق بناء نهضة حضارية إسلامية يشير مالك بن نبي أننا نواجه نوعين من الأفكار يساهمان في تعميق التخلف والتشويش على جهود إعادة البناء الحضاري الإسلامي على أسسه الوجودية الأولى، هاذين النوعين من الأفكار هما؛ الأفكار الميتة والأفكار المميتة (القاتلة).

حيث يقول في كتابه (وجهة العالم الإسلامي، ص81) أن ما نعانيه من "اختلاط وفوضى في الميادين الفكرية والخلقية أوفي ميادين السياسة، إنّما هو نتيجة ذلك الخلط من الأفكار الميتة، تلك البقايا غير المصفاة، ومن الأفكار المستعارة التي يتعاظم خطرها كلما انفصلت عن إطارها التاريخي والعقلي في أوروبا".

الأفكار المنقولة (المستوردة) تتميز بفعاليتها في سياقها الحضاري الغربي غير أنها تفتقد لفعاليتها حينما تنقل للسياق الحضاري الاسلامي.

فأول الصنفين هو الأفكار (المأصولة) التي أفرزها التطور الحضاري الإسلامي؛ أي أنها من داخل المجال التداولي الإسلامي، غير أنها إما فقدت مبررات استمرارها أو أنها هي في ذاتها مشوهة، بسبب عدم انسجامها مع الخط الأصيل للوجود الإسلامي وإصابتها بتشوه معرفي أو أخلاق، ولم يتم تصفية نسيج الأمة الفكري منه.

وفي هذا السياق يمكن أن نلاحظ من الأفكار الميتة ما يتم استدعاؤه من التاريخ لحسم معارك الحاضر والمستقبل؛ مثل استدعاء التقسيم الفرقي والكلامي للمسلمين، ومثل الحديث عن الخلافة بأشكالها التاريخية بدل مضمونها القيمي، ومثل الحديث عن غير المسلمين بطريقة كانت تصلح للقرن الثالث والرابع والخامس هجري مثلا، ومثل مشكلة تولي المناصب العامة بطريقة التغلب والانقلاب والتبرير لذلك بمقولات طاعة ولي الأمر.

وأما النوع الثاني فالأفكار المنقولة (المستوردة) التي تتميز بفعاليتها في سياقها الحضاري الغربي غير أنها تفتقد لفعاليتها حينما تنقل للسياق الحضاري الاسلامي، لأنها نقلت بطريق "التكديس" وليس بطريق "البناء" حسب تعبير مالك بن نبي، أو لأنها هي في ذاتها أفكار تحمل قيما مضادة للوسط المنقولة إليه؛ أي الوسط الإسلامي، فتحدث شرخا في الوعي وبلبلة في الفكر، وتشوها في التصور وتعميقا للتخلف وهدما للبناء الاجتماعي.

وجب علينا بناء جهاز مناعي للمجتمع وللأمة منهما، ليحمينا من أن تدخلنا هذه الأفكار الميتة والمميتة في مأزق الاهتلاك أو في الاغتراب في تاريخنا.

وفي هذا السياق نجد أفكار التنوير بحولتها الغربية من موقف مضاد للدين، وأفكار الحداثة بما تحمله من "عقلنة" متحيزة وعلموية ووضعانية، وأفكار التطور بما تحمله من مادية ودهرانية وإغراق في الكم، وأفكار العلمنة بما تتضمنه من الضدية لكل قيم متعالية ورفض للدين في الشان العام ومصادرة على عقل الانسان بما يجعله رهين رؤية محصورة في الدنيوي، وأفكار التنمية المادية بما تتضمنه من استهلاكية وتنميط للانسان في الوجود الاستهلاكي المادي والرفاه البراني، والتقدم والمدنية والدولة الوطنية، وغيرها من القضايا، بمضامينها الغربية وبحمولاتها التاريخية الغربية وخصوصياتها الغربية، دون أدنى نقد لها وتمحيص لما تتضمنه من الكونية والمحلية.

والفرق بين الأفكار المميتة والفكار الميتة كما يذكر مالك بن نبي في كتابه (مشكلة الأفكار في العالم الاسلامي، ص153)، أن الأولى "بها خُذلت الأصول؛ فكرة انحرفت عن مثلها الأعلى، ولذا ليس لها جذور في العصارة الثقافية الأصيلة"، بينما الثانية "فقدت هويتها وقيمتها الثقافيتين بعدما فقدت جذورها التي بقيت في مكانها في عالمها الثقافي الأصلي".

وكلا النوعين من الأفكار مهلك مدمر لأي محاولة لإنجاز حضاري يخرجنا من تخلفنا، ووجب علينا بناء جهاز مناعي للمجتمع وللأمة منهما، ليحمينا من أن تدخلنا هذه الأفكار الميتة والمميتة في مأزق الاهتلاك أو في الاغتراب في تاريخنا أو في تاريخ وحاضر غيرنا. والله أعلم