• تخطى إلى المحتوى الرئيسي

الجزيرة

تصفح في التطبيق

حمل التطبيق
البث الحي
  • الرئيسية
  • أخبار
  • اقتصاد
  • رياضة
  • رأي
  • ميدان
  • متخصصة
  • محليات
  • فيديو
الحسابالبث الحي
فلسطينانتخابات أمريكااليمنإيران
  • سياسة
  • ميدان
  • إسرائيل

صُنع في الهند.. كيف صارت نيودلهي مصنعا للسلاح الإسرائيلي؟

ميرفت عوف
8 نوفمبر 2026

وقت القراءة: 29 دقيقة

The national flags of Israel and India stand in the campus of the Centre of Excellence for Vegetables at Vadrad village, some 70 kms from Ahmedabad, on January 12, 2018. Israeli Prime Minister Benjamin Netanyahu and Indian Prime Minister Narendra Modi are due to visit the centre during a visit to India by Netanyahu on January 17. (Photo by SAM PANTHAKY / AFP)

المؤشرات تقول إن العلاقات الهندية الإسرائيلية تتعمق، لا سيما أن مودي ونتنياهو تجمعهما رؤى مشتركة كثيرة (الفرنسية)

استمع

44:440:00
44:4436:21

في الأول من يونيو/حزيران 2024، احتشد مئات النشطاء والطلاب وممثلي النقابات العمالية تحت لهيب الشمس في ساحة "جانتار مانتار" بالعاصمة الهندية نيودلهي، ملبّين دعوة "لجنة التضامن مع فلسطين" إلى التظاهر نصرة لغزة التي تتعرض للإبادة. لوّح المتظاهرون بالرايات الحمراء والكوفيات الفلسطينية، ورفعوا لافتات مكتوبة بخط اليد تطالب بوقف إطلاق النار وبوقف إمداد إسرائيل بالسلاح، وهتف الطلاب بالموت للاستعمار الاستيطاني والإمبريالية.

عكس المشهد غضبا شعبيا هنديا من صور النزوح والمجازر في القطاع، وامتدادا لإرث تاريخي طالما انحازت فيه القوى الشعبية في الهند إلى القضية الفلسطينية بوصفها حركة تحرر من الاستعمار. لكن على بُعد آلاف الكيلومترات كانت هناك صورة مناقضة تماما.

أخبار مقترحة

  • التعاون العسكري بين البلدين لم يبدأ مع إقامة العلاقات الدبلوماسية الكاملة عام 1992. فالتطبيع في نظره، كان تتويجًا لمسار طويل من النقاشات والاتصالات والمصالح المتراكمة (رويترز)
    خطة تدمير النووي الباكستاني.. رحلة التعاون العسكري بين الهند وإسرائيل
  • ما وراء إنتاج شركة رافائيل صواريخ اعتراضية في الهند؟

ففي فجر السادس من الشهر نفسه، أي بعد 5 أيام فقط، كانت غزة على موعد مع مفارقة قاسية. قصفت الطائرات الإسرائيلية، كعادتها، مدرسة الذكور الإعدادية التابعة لوكالة الأونروا في مخيم النصيرات وسط القطاع، حيث كان يتكدس نحو 6 آلاف نازح، فقتلت 35 شخصا على الأقل بحسب الوكالة. وبعد ساعات، انتشر مقطع مصور تداوله نشطاء مواقع التواصل وشبكات فلسطينية محلية يُظهر بين الركام شظية قيل إنها من الصاروخ المستخدم في القصف، وتحمل عبارة "Made in India"، أي "صُنع في الهند". لم تتحقق أي جهة مستقلة من مصدر الشظية، لكن العبارة وحدها كانت كافية لتفتح سؤالا ظل معلقا عن دور الهند في الحرب.

على الأغلب، لم يكن سكان غزة، ولا المتظاهرون الهنود الذين ملؤوا "جانتار مانتار"، يعلمون أن شحنات سلاح كانت تتحرك في الخفاء منذ أشهر بين الهند وإسرائيل. ففي 2 أبريل/نيسان 2024، أي قبل قصف مدرسة النصيرات بنحو شهرين، أبحرت سفينة الشحن "بوركوم"، التي تديرها شركة ألمانية، من ميناء تشيناي الهندي، وعلى متنها 20 طنا من محركات الصواريخ، و12.5 طنا من الصواريخ ذات الشحنات المتفجرة، و1500 كيلوغرام من المواد المتفجرة، و740 كيلوغراما من الذخائر، ووجهتها ميناء أسدود.

لم تُكشف تفاصيل هذه الرحلة إلا في 26 يونيو/حزيران 2024، أي بعد القصف بعشرين يوما، حين نشرت شبكة الجزيرة وثائق الشحن، وفيها بند صريح يُلزم الموظفين والوسطاء بألا يذكروا تحت أي ظرف اسم شركة "آي إم آي سيستمز" (IMI Systems)، المملوكة بالكامل لشركة "إلبيت سيستمز" منذ استحوذت عليها من الحكومة الإسرائيلية عام 2018، ولا اسم إسرائيل نفسها. ونفت الشركة المشغلة أن تكون السفينة حملت شحنة إلى إسرائيل، وقالت حكومتا التشيك وسلوفينيا إن حمولتها كانت متجهة إلى التشيك، بعدما ألغت السفينة توقفها في ميناء قرطاجنة الإسباني في مايو/أيار وواصلت طريقها إلى ميناء كوبر السلوفيني.

وفي الشهر نفسه، كانت سفينة دنماركية تحمل اسم "ماريان دانيكا" قد أبحرت من تشيناي أيضا، وعلى متنها 27 طنا من المواد المتفجرة في طريقها إلى ميناء حيفا. وكان مقررا أن تتوقف، كما "بوركوم"، في قرطاجنة، غير أن مدريد رفضت رسميا في 16 مايو/أيار 2024، تحت ضغط الشارع، أن تسمح لها حتى بالرسو العابر.

فلسطينيون يتفقدون منزلا تضرر في غارة جوية إسرائيلية على مخيم النصيرات للاجئين وسط قطاع غزة
فلسطينيون يتفقدون منزلا تضرر في غارة جوية إسرائيلية على مخيم النصيرات للاجئين وسط قطاع غزة (رويترز)

وسواء صحّ ما نُسب إلى شظية النصيرات أم لا، فإن العبارة كشفت رأس جبل الجليد في علاقة ظلت تُدار لعقود بين العلن والسر. فبينما كان الخطاب الرسمي في نيودلهي يتغنى بالتضامن التاريخي مع فلسطين، كانت قناة خلفية صامتة تُبنى حجرا حجرا مع تل أبيب. وقوة العلاقة اليوم ثمرة مسار طويل انقلبت فيه الحسابات السياسية تدريجيا، بدأ باعتراف مشروط عام 1950، ومرّ بالسلاح السري في الحروب الإقليمية، وانتهى إلى رفع الغطاء السياسي والتحالف العلني.

العلاقات الهندية الإسرائيلية

في نوفمبر/تشرين الثاني 1947، صوتت الهند في الجمعية العامة للأمم المتحدة ضد قرار تقسيم فلسطين، بتعليمات من رئيس وزرائها جواهر لال نهرو إلى شقيقته "فيجايا لاكشمي بانديت" التي كانت ترأس وفد بلادها. وقال نهرو لاحقا إن الحركة الصهيونية حاولت رشوة الهند بالملايين، وإن شقيقته كانت تتلقى يوميا تحذيرات بأن حياتها في خطر ما لم "تصوّت كما ينبغي". وفي مايو/أيار 1949، كررت نيودلهي الرفض نفسه، فصوتت ضد قبول عضوية إسرائيل في الأمم المتحدة. غير أن هذا الرفض سرعان ما اصطدم بحسابات الواقعية السياسية، ففي 17 سبتمبر/أيلول 1950 اعترفت الهند رسميا بإسرائيل، لكنها أبقت الاعتراف بلا سفارات ولا علاقات دبلوماسية كاملة لأكثر من أربعة عقود، واكتفت بقبول قنصل إسرائيلي في بومباي منذ عام 1953، كانت مهمته الأساسية تسيير هجرة يهود الهند.

بدأ الموقف الهندي يتصدع فعليا عام 1962. فحين اجتاحت القوات الصينية الحدود الهندية في حرب الهيمالايا، وضاقت الخيارات العسكرية أمام نيودلهي، نقل المفوض التجاري الإسرائيلي في الهند عرضا سريا بتزويدها بمدافع هاون ورشاشات "عوزي"، فحمله المسؤول مهافير تياغي إلى نهرو، فيما كتب رئيس الوزراء الإسرائيلي ديفيد بن غوريون إلى نهرو معربا عن تعاطفه الكامل. قبلت نيودلهي السلاح بعيدا عن الأضواء، وطلبت، بحسب وثيقة في الأرشيف الإسرائيلي، أن يصل على سفن لا ترفع العلم الإسرائيلي، فرفض بن غوريون، ووصلت الشحنات في النهاية تحت العلم الإسرائيلي. وتكرر الأمر عام 1965 في الحرب الثانية مع باكستان، فحين أوقفت الولايات المتحدة وبريطانيا توريد السلاح إلى البلدين المتحاربين، لجأت الهند إلى إسرائيل، فزودتها بذخائر لمدافع الهاون الثقيلة عيار 160 ملم.

"خلال حرب بنغلاديش، حوّلت إسرائيل إلى الهند شحنة أسلحة كانت مصنوعة أصلا لإيران"

بلغت هذه الازدواجية ذروتها عام 1971، خلال ما تسميه الهند "حرب تحرير بنغلاديش". فقد حوّلت إسرائيل إلى الهند شحنة أسلحة كانت مصنوعة أصلا لإيران، التي كانت في عهد الشاه محمد رضا بهلوي من كبار زبائن السلاح الإسرائيلي. وكتبت رئيسة الوزراء الإسرائيلية غولدا مائير رسالة بالعبرية إلى الوسيط الذي رتب الصفقة، تطلب منه أن يبلغ أنديرا غاندي بأن إسرائيل واثقة من أنها "ستعرف كيف تقدّر مساعدتنا"، وكانت تأمل أن يفتح هذا الدعم باب العلاقات الدبلوماسية الكاملة. لكن الأمل الإسرائيلي ظل معلقا سنوات. فحين زار وزير الخارجية الإسرائيلي موشيه ديان نيودلهي سرا في أغسطس/آب 1977، والتقى رئيس الوزراء مورارجي ديساي ووزير خارجيته أتال بيهاري فاجبايي، بقيت الزيارة طي الكتمان بطلب هندي، وبدت نيودلهي عاجزة عن تحويل هذا اللقاء إلى خطوات رسمية تُخرج العلاقة من الظل إلى العلن.

رئيسة الوزراء الإسرائيلية "غولدا مائير" ووزير دفاعها آنذاك "موشيه ديان"، الأولى دعمت الهند سرا في "حرب بنغلاديش" عام 1971، والثاني زار الهند سرا عام 1977 وزيرا للخارجية والتقى رئيس الوزراء "مورارجي ديساي"
رئيسة الوزراء الإسرائيلية "غولدا مائير" ووزير دفاعها آنذاك "موشيه ديان"، الأولى دعمت الهند سرا في "حرب بنغلاديش" عام 1971، والثاني زار الهند سرا عام 1977 وزيرا للخارجية والتقى رئيس الوزراء "مورارجي ديساي" (غيتي)

بيد أن هذا التردد السياسي لم يمنع البلدين من فتح قناة استخباراتية بالغة السرية. فبحسب "بي رامان"، المسؤول السابق في جهاز الأبحاث والتحليل الهندي "راو" (RAW)، طلبت أنديرا غاندي من أول رئيس للجهاز "رامِشوار ناث كاو"، فور تأسيسه عام 1968، أن يبني علاقة وثيقة مع الموساد الإسرائيلي. ويروي الصحفيان البريطانيان أدريان ليفي وكاثرين سكوت-كلارك في كتابهما "الخداع" (2007) أن هذا التعاون بلغ أخطر نقاطه مطلع الثمانينيات، فبعد أن دمرت إسرائيل المفاعل النووي العراقي "أوزيراك" عام 1981، طرحت ضربة مماثلة لمنشأة "كاهوتا" النووية الباكستانية تنطلق من قاعدة جامناغار الهندية.

وافقت أنديرا غاندي على الخطة في مارس/آذار 1984، وفق رواية الكتاب. بيد أنها سرعان ما أُلغيت بعدما سرّبت المخابرات الأمريكية أمرها إلى الرئيس الباكستاني ضياء الحق وحذرت واشنطن نيودلهي، فيما تقول روايات باكستانية إن إسلام آباد هددت بالرد بضرب منشأة "ترومباي" النووية الهندية. غير أن الرواية لا تزال محل خلاف، إذ نفى ضابط المخابرات الأمريكية السابق ريتشارد بارلو عام 2025 أن تكون أنديرا غاندي قد وافقت على العملية أصلا.

حرصت الهند طوال عقود هذا التعاون السري على خطاب علني يفيض بالتضامن مع الشعب الفلسطيني. ففي عام 1974 كانت أول دولة غير عربية تعترف بـمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلا شرعيا وحيدا للشعب الفلسطيني، وفي عام 1988 سارعت إلى الاعتراف بدولة فلسطين بعد إعلانها. لكن الحسابات تغيرت مطلع التسعينيات. تفكك الاتحاد السوفيتي، ففقدت الهند معه موردها الأساسي للسلاح ومظلتها السياسية في المحافل الدولية، واتجهت إلى خيارات جديدة، أولها الذهاب إلى إسرائيل علنا. وفي 29 يناير/كانون الثاني 1992، أعلنت حكومة رئيس الوزراء ناراسيمها راو إقامة علاقات دبلوماسية كاملة مع إسرائيل.

"في عام 1992 أعلنت الهند إقامة علاقات دبلوماسية كاملة مع إسرائيل"

ولم تتأخر إسرائيل في استثمار هذه الخطوة. فحين فرضت واشنطن عقوبات على نيودلهي إثر تجاربها النووية في بوخران عام 1998، امتنعت إسرائيل عن إدانة التجارب، وواصلت تصدير السلاح إلى الهند رغم العقوبات الأمريكية. ثم جاء الاختبار الميداني الحاسم في حرب "كارجيل" عام 1999 ضد باكستان، حين وصل فنيو شركة "رافائيل" الإسرائيلية إلى الهند خلال يومين من طلب النجدة، وجهزوا مقاتلات "ميراج 2000" بملحقات أتاحت لها إلقاء قنابل موجهة بالليزر، فمالت المعركة لصالح نيودلهي.

وتُوّج هذا الدعم بزيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون إلى الهند في سبتمبر/أيلول 2003، وهي الأولى لرئيس وزراء إسرائيلي، وكانت إسرائيل قد صارت يومها ثاني أكبر مورد للسلاح إلى الهند بعد روسيا. وبعد الزيارة بستة أشهر، وقّع البلدان صفقة طائرات الإنذار المبكر "فالكون"، ثم جاءت منظومة الدفاع الجوي "باراك-8".

أمثلة على أنواع الأسلحة المصدرة من إسرائيل إلى الهند
أمثلة على أنواع الأسلحة المصدرة من إسرائيل إلى الهند (الجزيرة)

وانتقلت العلاقات الهندية الإسرائيلية من براغماتية دفاعية حكمها الحذر الدبلوماسي لعقود إلى تعاون أوضح وأمتن، تزامن مع وصول القومية الهندوسية "الهندوتفا" إلى الحكم بقيادة ناريندرا مودي عام 2014، والتقائها باليمين الإسرائيلي بقيادة بنيامين نتنياهو. ففي يوليو/تموز من ذلك العام، وخلال العدوان الإسرائيلي على غزة الذي سمته إسرائيل "الجرف الصامد"، رفضت حكومة مودي أن يتبنى مجلس الشيوخ الهندي (راجيا سابها) أي قرار يدين إسرائيل، رغم مطالبة أحزاب المعارضة بذلك. وفي يوليو/تموز 2015، امتنعت الهند للمرة الأولى عن التصويت في مجلس حقوق الإنسان الأممي على قرار يطالب بمحاسبة إسرائيل على الانتهاكات وجرائم الحرب التي ارتُكبت خلال ذلك العدوان، وكررت الامتناع عام 2016.

وفي عام 2017 زار مودي إسرائيل دون أن يمر برام الله، وإن عاد فزارها منفصلا في فبراير/شباط 2018. وفي فبراير/شباط 2026، عاد إلى إسرائيل في زيارة ثانية خلت أيضا من أي محطة فلسطينية، ووقف أمام الكنيست ليقول إن الهند تقف مع إسرائيل بقناعة كاملة، دون أن يأتي على ذكر غزة، التي لم تتوقف الحرب عليها فعليا رغم وقف إطلاق النار المعلن في أكتوبر/تشرين الأول 2025، ووقّع البلدان خلال الزيارة 16 اتفاقية للتعاون الدفاعي والتكنولوجي. وفي يوليو/تموز 2026، في مقابلة مع "فوكس نيوز" تباهى نتنياهو بأن لإسرائيل "دعما هائلا" في بلد يسكنه 1.4 مليار نسمة، وذلك ردا على تصريح نائب الرئيس الأمريكي جي. دي. فانس بأن الولايات المتحدة هي الحليف القوي الوحيد المتبقي لإسرائيل.

ولم يقتصر ما حملته زيارة فبراير/شباط 2026 على السلاح. فمن بين الاتفاقيات الموقعة اتفاق تستقبل بموجبه إسرائيل ما يصل إلى 50 ألف عامل هندي إضافي خلال خمس سنوات، وهو باب فُتح مع بدء الحرب. فبعد 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، ألغت إسرائيل تصاريح عمل أكثر من 70 ألف فلسطيني، وكان الفلسطينيون يشكلون قبلها نحو 29% من العاملين في قطاع البناء الإسرائيلي، بحسب بيانات حكومية إسرائيلية.

"انتقل إلى إسرائيل بين نوفمبر/تشرين الثاني 2023 ويوليو/تموز 2025 ما لا يقل عن 20 ألف عامل هندي"

وسرعان ما انطلقت حملات توظيف في ولايات هندية عدة لسد الفراغ. وبحسب أرقام قدمتها الحكومة الهندية إلى البرلمان، انتقل إلى إسرائيل بين نوفمبر/تشرين الثاني 2023 ويوليو/تموز 2025 ما لا يقل عن 20 ألف عامل هندي، أغلبهم في البناء ورعاية المسنين، نحو 6800 منهم عبر القنوات الحكومية والباقون عبر شركات توظيف خاصة. وبينما كانت مصانع هندية تمد جيش الاحتلال بأجزاء السلاح، كان عمال هنود يبنون ما تركه العمال الفلسطينيون الممنوعون من الوصول إلى أعمالهم.

الهند من "زبون" إلى "شريك مصنّع"

في صيف عام 1999، وقف جنود المشاة الهنود على مرتفعات كارجيل المتجمدة في إقليم كشمير عاجزين عن رد يكافئ زخات الرصاص وقذائف المدافع التي كانت تمطرهم بها التشكيلات الباكستانية المتحصنة في القمم العالية. وتركزت المأساة فوق "تولولينغ"، القمة التي تشرف مباشرة على الطريق السريع الوطني الهندي (NH 1D)، وهو الطريق الذي يمد الجيش الهندي بالإمدادات، ولذلك صارت السيطرة على القمة مسألة حياة أو موت لقواته.

حاول الجنود الهنود الصعود عبر منحدرات مكشوفة نحو عدو يختبئ خلف حصون صخرية، فظهر القصور التقني في سلاح الجو الهندي. لم تكن مقاتلات "ميراج 2000″ و"ميغ" قادرة بقنابلها التقليدية غير الموجهة على إحداث الفارق، فإما أن تضل القنابل أهدافها في المسافات الجبلية الشاسعة، أو تسقط بعيدا عن الخنادق الضيقة في أعالي القمم. وفي ذروة المعركة، أدركت قيادة الجيش الهندي أنها لن تحمي قواتها ولن تكسر العدو ميدانيا دون تقنيات استطلاع وذخائر دقيقة التوجيه تصيب الخنادق الباكستانية المتحصنة على ارتفاعات تتراوح بين 15 و17 ألف قدم.

وفي تلك اللحظة لم تجد نيودلهي أمامها سوى تل أبيب. ففي ليلة جمعة، بحسب موقع "واي نت" الإسرائيلي، تلقت شركة "رافائيل" اتصالا عاجلا من الملحق العسكري الإسرائيلي، وصباح الأحد كان فريق من مهندسيها في طريقه إلى الهند بصناديق العدد وأجهزة الاختبار، لاستكمال تركيب حواضن الاستهداف من طراز "لايتنينغ" على مقاتلات "ميراج 2000″، وهي حواضن كانت الهند قد اختارتها مبدئيا عام 1996 وبدأت مع الشركة الإسرائيلية العمل على دمجها. وأتاحت الحواضن للطيارين الهنود أخيرا توجيه القنابل بالليزر بدقة عالية، فحُسمت المعركة ميدانيا لصالح المشاة الهنود، ووُضعت اللبنة الأولى لعهد جديد من التحالف العسكري بين البلدين.

إنفوغراف أبرز الشركات الهندية المتعاونة عسكريا مع إسرائيل (الجزيرة)
أبرز الشركات الهندية المتعاونة عسكريا مع إسرائيل (الجزيرة)

ولم تولد هذه الاندفاعة، التي جاءت بعد سبع سنوات من إشهار العلاقات الدبلوماسية عام 1992، من فراغ. كانت الذروة العلنية لتعاون عسكري سري سابق، وتكشف تفاصيل صفقة 1971 كيف كانت تلك القناة تعمل. فحين احتاجت نيودلهي على عجل إلى مدافع هاون ثقيلة لدعم عمليات مقاتلي "موكتي باهيني" في باكستان الشرقية، استعان "بي إن هاكسار"، مستشار أنديرا غاندي، بمعرفة قديمة جمعته في لندن برجل الأعمال الإسرائيلي "شلومو زابلودوفيتش"، الناجي من معسكر أوشفيتز ورئيس شركة السلاح "إستابليشمنتس سالغاد" المسجلة في ليختنشتاين. وبتوجيه مباشر من غولدا مائير، حوّل زابلودوفيتش إلى الهند مدافع هاون كانت مصنوعة لإيران، ورافق مدربون إسرائيليون أول شحنة منها.

ولم يتوقف التعاون عند ذلك. اتسعت الاتصالات بين جهاز "راو" والموساد في مجال مكافحة الإرهاب خلال الثمانينيات، وتسلم الجهاز الهندي عام 1987 تقنيات إسرائيلية لمواجهة العبوات الناسفة. وتعمقت القناة مطلع التسعينيات مع إشهار العلاقات الدبلوماسية، فتحول التعاون من السرية إلى سوق سلاح مفتوحة جعلت الهند أحد أكبر زبائن الترسانة الإسرائيلية.

"تحول التعاون من السرية إلى سوق سلاح مفتوحة جعلت الهند أحد أكبر زبائن الترسانة الإسرائيلية"

ومع مطلع الألفية، ظهرت أولى ثمار التعاون العسكري المباشر في صفقة منظومة الدفاع الصاروخي البحرية "باراك-1″، التي وُقّع عقدها في أكتوبر/تشرين الأول 2000 لشراء 7 أنظمة و200 صاروخ. وتبعتها في مارس/آذار 2004 صفقة طائرات الإنذار المبكر المحمولة جوا "فالكون"، بقيمة 1.1 مليار دولار لثلاث طائرات، بعد أن رفعت واشنطن اعتراضها عليها، ولم يمنعها احتجاج باكستان. وتوسعت الهند بعدها في اقتناء طائرات الاستطلاع الإسرائيلية المسيّرة، حتى صارت تملك، وفق تقديرات تتفاوت بين المصادر، نحو 108 طائرات من طراز "سيرتشر" و68 من طراز "هيرون" غير المسلحة، ثم منظومة الدفاع الجوي "سبايدر" التي وُقّع عقدها عام 2008 وبدأ تسليمها عام 2015.

لكن النقطة المفصلية نحو "التطوير المشترك" جاءت في يناير/كانون الثاني 2006، حين وقّعت منظمة أبحاث وتطوير الدفاع الهندية (DRDO) وشركة الصناعات الجوية الإسرائيلية (IAI) اتفاقية بقيمة 350 مليون دولار لتطوير منظومة "باراك-8" بعيدة المدى للبحرية الهندية، وامتد المشروع لاحقا إلى نسخة متوسطة المدى لسلاح الجو. وفي يناير/كانون الثاني 2019، أُطلق صاروخ من النسخة البعيدة المدى (LRSAM) في تجربة ناجحة من المدمرة الهندية "تشيناي"، وسُلّمت آخر دفعة إنتاجية منها في فبراير/شباط 2021.

A HERMES 900 HFE drone made by Israeli company Elbit for use in the Swiss reconnaissance system (ADS15) lands after a certification flight at the Swiss air force base in Emmen, Switzerland September 8, 2022. REUTERS/Arnd Wiegmann
طائرة "هيرميس 900" المسيّرة مزودة بأجهزة استشعار عالية الأداء قادرة على رصد الأهداف البرية والبحرية، وقد دخلت الخدمة القتالية لأول مرة في الحرب على غزة عام 2014 (رويترز)

بالتوازي مع مشاريع التطوير الصاروخي، نزل "التصنيع المشترك" إلى أرض الهند نفسها. ففي فبراير/شباط 2015، أعلنت مجموعة "كالياني" الصناعية الهندية وشركة "رافائيل" الإسرائيلية تأسيس شركة "كالياني رافائيل للأنظمة المتقدمة"، بحصة 51% للجانب الهندي و49% لرافائيل. وفي أغسطس/آب 2017، افتتحت الشركة في حيدر آباد أول منشأة خاصة لإنتاج الصواريخ في الهند، وكان يُفترض أن تصنّع صواريخ "سبايك" المضادة للدروع ضمن صفقة منتظرة مع الجيش الهندي بنحو مليار دولار، تشمل 321 منصة إطلاق وأكثر من 8 آلاف صاروخ. غير أن نيودلهي ألغت تلك الصفقة، وأكدت "رافائيل" الإلغاء مطلع يناير/كانون الثاني 2018، فتحولت المنشأة إلى تصنيع مكونات صواريخ "باراك-8" متوسطة المدى، وتسلمت عام 2019 طلبية بقيمة 100 مليون دولار لتوريد ألف طقم صاروخي، قبل أن تمتد خططها إلى أنظمة الدفاع الجوي والبحري الأخرى.

وعلى النهج نفسه، أعلنت مجموعة "أداني" الهندية وشركة "إلبيت سيستمز" الإسرائيلية في نوفمبر/تشرين الثاني 2016 تأسيس شركتهما المشتركة، وافتُتح مصنعها في حيدر آباد في ديسمبر/كانون الأول 2018، لتقدمه "أداني" بوصفه أول منشأة خارج إسرائيل تُنتج طائرات "هيرميس 900" المسيّرة. وهذه الطائرة دخلت الخدمة القتالية لأول مرة في الحرب على غزة عام 2014، وتحمل نحو 350 كيلوغراما، وتصنعها "إلبيت" التي تشير تقديرات إلى أنها تنتج 85% من المسيّرات التي يستخدمها الجيش الإسرائيلي. وفي فبراير/شباط 2024، أي في الشهر الخامس من الحرب على غزة، كشف موقع "شيبرد ميديا" المتخصص أن المصنع سلّم أكثر من 20 طائرة كاملة إلى الجيش الإسرائيلي.

"تلتقي الكثير من خيوط التعاون العسكري بين الهند وإسرائيل عند مجموعة أداني، التي يملكها الملياردير غوتام أداني المقرب من رئيس الوزراء مودي"

وتلتقي خيوط كثيرة من هذه القصة عند اسم واحد. فمجموعة أداني، التي يملكها الملياردير غوتام أداني الموصوف بكونه من أقرب رجال الأعمال إلى مودي، تشارك "إلبيت" في مصنع المسيّرات بحيدر آباد، وتملك منذ عام 2020 حصة 51% في شركة "بي إل آر سيستمز" التي تصنع قطع رشاشات "نيغيف" بالشراكة مع "صناعات الأسلحة الإسرائيلية". وفي يناير/كانون الثاني 2023، أتمت المجموعة مع شركة "غادوت" الإسرائيلية شراء ميناء حيفا مقابل 1.15 مليار دولار، لتملك 70% منه، وحضر نتنياهو بنفسه حفل التسليم إلى جانب أداني. فالمجموعة تصنع جزءا من السلاح، وتدير الميناء الذي كانت "ماريان دانيكا" متجهة إليه بحمولتها من المتفجرات. ولم نعثر على تعليق علني من المجموعة على ما ورد في تقرير العفو الدولية عن شركتها المشتركة.

غزة مختبرا تسويقيا بين الهند وإسرائيل

في 7 أغسطس/آب 2025، خرج رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو من اجتماعه بسفير الهند لدى إسرائيل "جيه بي سينغ" راضيا عن المسار الذي قطعه التعاون بين البلدين، وظهر رضاه في لقائه التالي بوفد من كبار الصحفيين الهنود. تحلّق الجميع حول طاولة كبيرة يتوسطها العلمان الهندي والإسرائيلي، وسُئل نتنياهو عن كفاءة السلاح الإسرائيلي الذي استخدمته الهند في مواجهتها العسكرية مع باكستان في مايو/أيار 2025، وفي مقدمته المسيّرات الانتحارية "هاروب" ومنظومة "باراك-8" المطورة بالشراكة بين البلدين. فقال إن ما زودت به إسرائيل الهند "عمل بشكل جيد جدا في الميدان"، وأضاف أن إسرائيل تطور أسلحتها في الميدان لا في المختبرات، ولذلك فهي مجربة في القتال.

لم يحدد نتنياهو أمام الصحافة الهندية أي "ميدان" يقصد. لكن غزة كانت كتابا مفتوحا لتجريب السلاح الإسرائيلي، وإحدى صفحاته خيمة نزوح قماشية في منطقة المواصي بخان يونس جنوب القطاع. ففي ليلة 16 أبريل/نيسان 2025، انقضت مسيّرة انتحارية على خيام عائلة أبو الروس، فقتلت ما لا يقل عن 10 من أفرادها. وحين حلل "تريفور بول"، الباحث في شؤون الذخائر والخبير السابق في وحدة التخلص من المتفجرات بالجيش الأمريكي، الصور والمقاطع الموثقة لبقايا المسيّرة في موقع الضربة، خلص إلى أنها من طراز "سكاي سترايكر" الذي تنتجه "إلبيت سيستمز".

وبعد أكثر من عام، عادت "سكاي سترايكر" إلى الواجهة في تقرير لمنظمة العفو الدولية، لكن هذه المرة من بوابة هندية. فقد رصدت المنظمة شحنة من 122 رأسا حربيا كُتب عليها "WH 5 KG Armed Assy"، صدّرتها في ديسمبر/كانون الأول 2025 شركة "ألفا إليسيك للأنظمة الدفاعية والجوية"، وهي مشروع مشترك بين شركة "ألفا ديزاين تكنولوجيز" الهندية و"إلبيت" نفسها، إلى "إلبيت سيستمز". وتقول المنظمة إن "سكاي سترايكر" هي الذخيرة الوحيدة التي تصنعها "إلبيت" برأس حربي وزنه 5 كيلوغرامات، وإن هذه الرؤوس تشبه تلك التي عُثر عليها بين الحطام في خان يونس. ولا يثبت التقرير أن الرأس الذي أصاب خيمة أبو الروس جاء من الهند تحديدا، فالشحنة التي رصدها خرجت بعد الضربة بثمانية أشهر. ما يثبته أن مصنعا هنديا شريكا لـ"إلبيت" كان يغذي خط إنتاج السلاح نفسه.

ولم تكن شحنة "ألفا إليسيك" سوى قطرة في نهر سلاح هندي لم ينقطع طوال عامين من الحرب على غزة. ففي تقريرها الشامل "صُنع في الهند"، الصادر في 30 يوليو/تموز 2026، حصرت العفو الدولية 2596 شحنة من الأسلحة والذخائر والمكونات العسكرية صدّرتها شركات هندية إلى إسرائيل بين 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 و30 نوفمبر/تشرين الثاني 2025. واستندت المنظمة إلى بيانات الشحن العلنية وإقرارات الجمارك وسجلات التصدير ووثائق الشركات، وقالت إنها اتبعت منهجية متحفظة استبعدت كل ما قد يكون له استخدام مدني، وكل ما قد يخدم أنظمة الدفاع الصاروخي، وإن أرقامها على الأرجح أقل من الحجم الحقيقي. ووثّقت المنظمة ما لا يقل عن 390516 قطعة من أجزاء الأسلحة الصغيرة، و564970 قطعة من مكونات الذخائر المتفجرة، و298 مكونا للمركبات العسكرية.

"حددت العفو الدولية 9 شركات هندية، 3 منها مملوكة بالكامل لوزارة الدفاع، صدرت مكونات أسلحة إلى إسرائيل بعد 7 أكتوبر"

ولم تصدر هذه الشحنات عن جهة واحدة. حددت المنظمة 9 شركات هندية بالاسم، 3 منها مملوكة بالكامل لوزارة الدفاع الهندية، وقد وُلدت عام 2021 حين فُكك مجلس مصانع الذخيرة الحكومي. ويذكر التقرير أن شركة "مونيشنز إنديا ليمتد" صدّرت شحنة من 1000 قذيفة مدفعية شديدة الانفجار عيار 155 ملم إلى "إلبيت سيستمز" مباشرة، وأن "أدفانسد ويبنز آند إكويبمنت إنديا ليمتد" زودت الشركة الإسرائيلية ذاتها بـ120 قاذفة هاون عيار 81 ملم في فبراير/شباط 2024، وأن "إنديا أوبتل ليمتد" صدّرت 178 قطعة، بينها مستشعرات من أكسيد الفاناديوم، إلى "سيميكندكتور ديفايسز"، المشروع المشترك بين "إلبيت" و"رافائيل". ولأن الدولة الهندية تملك هذه الشركات الثلاث وتديرها مباشرة، رأت العفو الدولية أن الدولة الهندية نفسها هي التي تنقل السلاح إلى إسرائيل كلما صدّرت هذه الشركات.

أما على الجانب الخاص، فقد وثّق التقرير أن شركة "كالياني ستراتيجيك سيستمز" صدّرت 9600 هيكل لقذائف مدفعية عيار 155 ملم إلى "صناعات إسرائيل العسكرية"، المملوكة اليوم لـ"إلبيت"، أي قرابة عشرة أضعاف الشحنة الحكومية من حيث العدد. وصدّرت شركة "بي إل آر سيستمز"، المشروع المشترك بين مجموعة أداني و"صناعات الأسلحة الإسرائيلية"، 10571 قطعة من صواني التغذية لرشاشات "نيغيف" و33033 حاملة مغلاق، وصدّرت شركة "إندو-إم آي إم" أكثر من 59637 قطعة من "ماسكات الزناد الآلية" إلى "صناعات الأسلحة الإسرائيلية" نفسها.

وإلى جانب هذه الشركات، صدّرت "بريمير إكسبلوسيفز" أجزاء صواريخ ومتفجرات ومواد دافعة، وكان معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام قد ربطها من قبل بتوريد الوقود الصلب لصواريخ "باراك". أما الشركة التاسعة، "أشوكا مانيوفاكتشرينغ"، فصدّرت 320 بطانة نحاسية مخروطية، وهي قطع تُستخدم عادة في الشحنات الجوفاء الخارقة للدروع، إلى شركة "إم سي تي ماتيريالز" التي تعد "إلبيت" و"رافائيل" بين زبائنها.

ولم يغير التقرير شيئا في الموقف الرسمي. ففي 31 يوليو/تموز 2026، غداة صدوره، سُئل المتحدث باسم وزارة الخارجية الهندية راندير جايسوال عنه، فاكتفى بالقول إن لدى بلاده إطارا قانونيا ورقابيا متينا لضبط التجارة الإستراتيجية، ولم يرد على تهمة التواطؤ. ولم تصدر عن أي من الشركات التسع ردود علنية، وفق ما رصدته وسائل إعلام هندية ودولية. وكانت التجارة في الأثناء تمضي في طريقها، فقد دخلت اتفاقية الاستثمار الثنائية بين البلدين حيز التنفيذ في 4 يوليو/تموز 2026، وعُقدت الجولة الثانية من مفاوضات التجارة الحرة في نيودلهي بين 20 و23 يوليو/تموز.

وجاء أوضح دفاع عن الموقف الهندي من معهد "مانوهار باريكار للدراسات والتحليلات الدفاعية"، الممول من وزارة الدفاع الهندية. ففي 20 أغسطس/آب 2026، نشر الباحث في المعهد راهول وانخيدي ورقة ترد على التقرير، قال فيها إن الشحنات والمكونات والأسلحة تضم "ثلاث وحدات تحليل مختلفة"، وإن 788 شحنة فقط، أي نحو 30% من العينة، تحمل مواد ذات استخدام عسكري. وأضاف أن هذه المواد ذهبت إلى شركات دفاع إسرائيلية لا إلى الجيش الإسرائيلي مباشرة، وأن التقرير لا يقدم دليلا على أن شحنات هندية بعينها دخلت في سلاح استُخدم في غزة. واستشهد ببيانات معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام، التي لا تظهر فيها الهند بين موردي السلاح الرئيسيين لإسرائيل بين عامي 2021 و2025.

غير أن هذه الحجج تترك أسئلة معلقة. فالشركات التي تسلمت الشحنات، "إلبيت" و"صناعات إسرائيل العسكرية" و"صناعات الأسلحة الإسرائيلية"، هم الموردون الرئيسيون للجيش الإسرائيلي، و"إلبيت" وحدها مزوده الأول. وبعض ما صُدّر لم يكن مكونات أصلا، فالألف قذيفة التي باعتها "مونيشنز إنديا" المملوكة للدولة قذائف مدفعية جاهزة. أما بيانات معهد ستوكهولم فتحصي الأسلحة التقليدية الكبرى، كالطائرات والدبابات والصواريخ، ولا تحصي الذخائر غير الموجهة ولا الأسلحة الصغيرة ولا معظم القطع والمكونات، وهي بالضبط ما رصدته العفو الدولية. وتبني المنظمة حجتها القانونية على العلم بالخطر، فهي تقول إن نيودلهي كانت تعلم منذ يناير/كانون الثاني 2024، حين أصدرت محكمة العدل الدولية تدابيرها المؤقتة في قضية جنوب أفريقيا ضد إسرائيل، بوجود خطر جدي لوقوع إبادة، وإن هذا العلم كان يفرض عليها وقف التصدير.

ولم تتوقف الشحنات بعد الفترة التي غطاها التقرير. فبين يناير/كانون الثاني ومارس/آذار 2026، شحنت شركة "آر إل ستيلز آند إنرجي"، ومقرها أورنغ آباد بولاية ماهاراشترا، نحو 806 أطنان من الصلب في ست شحنات من ميناء نهافا شيفا، بقيمة تقدر بمليون دولار، وفق ما تتبعته حركة المقاطعة (BDS) وحملة "لا ميناء للإبادة". ويقول الناشطون إن الصلب عسكري المواصفات ويكفي لصنع ما يصل إلى 17458 قذيفة مدفعية عيار 155 ملم، وإن وجهته مصنع "آي إم آي سيستمز" للذخيرة في رامات هشارون، عبر وسيط تجاري يفصل اسم المشتري النهائي عن المصدر. ولم ترد الشركة الهندية على أسئلة موقع "ميدل إيست آي" بشأن الشحنات.

"تعطلت بعض الشحنات بسبب حملات الرفض والمقاطعة"

ولم تصل الشحنات كلها بفضل حملات الرفض والمقاطعة. ففي ميناء جويا تاورو بإقليم كالابريا جنوبي إيطاليا، احتُجزت حاويات منها للتفتيش منذ مارس/آذار، وحين جاءت السفينة "إم إس سي ماناسفي" في 29 مايو/أيار لتحميل ثماني حاويات، أجبرتها قوارب الناشطين على العودة دونها. وفي سبتمبر/أيلول، خلص فحص أمرت به النيابة العامة في بالمي إلى أن ثماني حاويات لا تحمل ما يستوجب الملاحقة الجنائية، لكن الجمارك صنفت الصلب مادة مزدوجة الاستخدام، وأحالت الملف إلى هيئة الرقابة على صادرات السلاح الإيطالية. وحتى أواخر أكتوبر/تشرين الأول 2026، كانت 17 حاوية لا تزال عالقة في الميناء بانتظار قرار الهيئة، فيما أعلنت نقابتا عمال الموانئ "أورسا بورتي" و"يو إس بي" إضرابا لمدة 24 ساعة في 30 أكتوبر/تشرين الأول، ضمن يوم عالمي شاركت فيه، بحسب نقابات هندية، موانئ في الهند نفسها.

في النهاية، جاء التحول الأخير في علاقة الهند بإسرائيل بقرار سياسي معلن. فحين وجدت نيودلهي، في عهد مودي تحديدا، نفسها بين إرث دبلوماسي عمره 7 عقود من التضامن المعلن مع فلسطين وشراكة عسكرية وتقنية وأيديولوجية أعمق جذورا، اختارت الثانية دون تردد يُذكر، ودون أن تدفع ثمنا سياسيا حقيقيا في الداخل. فالمحكمة العليا الهندية رفضت في سبتمبر/أيلول 2024 النظر في طلب لوقف صادرات السلاح إلى إسرائيل، معتبرة أن السياسة الخارجية خارج اختصاصها. والشارع، الذي لم يُجمع أصلا على رفض التعاون مع دولة الاحتلال، لم يغيّر مسار الحكومة رغم تظاهراته. والإدانات الأممية المتكررة لم تقيّد توسع الشراكة. ويشير كل مؤشر متاح، من ميناء حيفا الذي تملك مجموعة أداني حصته الكبرى منذ 2023 إلى مفاوضات التجارة الحرة ومذكرات التفاهم الدفاعية المتلاحقة، إلى تحالف يتعمق ولا يتراجع.

المصدر: الجزيرة

حول هذه القصة

  • 35:11

    مودي أمام الكنيست: التلمود أشار للهند وندعم إسرائيل بقناعة كاملة

    فيديو, 35:1125/2/2026
  • Pankaj Mishra

    مفكر هندي: بقبوله تدمير غزة الغرب يحفر قبره بيده

    16/11/2025
  • epa12775469 A handout photo made available by the Press Information Bureau (PIB) shows Indian Prime Minister Narendra Modi greeting people as he departs for Israel from New Delhi airport in New Delhi, India, 25 February 2026. Indian Prime Minister Modi will be on a two-day visit to Israel and is scheduled to meet the top leadership there. EPA/PRESS INFORMATON BUREAU / HANDOUT HANDOUT EDITORIAL USE ONLY/NO SALES

    بعد دعمه لإسرائيل في حرب غزة.. مودي يصل إلى تل أبيب لتعميق التحالف

    25/2/2026

المزيد من سياسة

  • "يد روسيا في هرمز".. وثائق مسربة تكشف تسليحًا روسيًّا لإيران قبل الحربكشفت وثائق استخباراتية نشرتها شركة أوكرانية متخصصة في أبحاث الاستخبارات الدفاعية عن دعم عسكري من موسكو لطهران قبل اندلاع حرب إيران، وشمل الدعم صواريخ موجهة ومنصات صواريخ.
  • عقود مطار الموصل ومهلة يونيو.. هل دشن الزيدي معركة تجفيف موارد الفصائل؟ فيديو, 24:53دشّن إلغاء عقود مطار الموصل فصلا غير مسبوق من الصراع بين بغداد وفصائل مسلحة، لينقل المواجهة إلى الميدان الاقتصادي لتجفيف الموارد، في توقيت حرج تحاصره مهلة يونيو لحصر السلاح ونذر انفجار إقليمي وشيك.
    24:53
  • بوادر تمرد جمهوري تهز واشنطن.. ترمب تحت نيران حزبهتناولت صحف أمريكية وبريطانية المعارضة التي برزت ضد ترمب داخل الحزب الجمهوري، عقب الهزيمة الانتخابية، وأسباب تصاعد الانتقادات لسياساته، وسط مطالب بمراجعة النهج وتغيير القيادة قبل استحقاقات عام 2028.
  • ملف الفصائل في العراق.. من إلغاء العقود إلى حصر السلاح فيديو, 24:53ناقش برنامج “ما وراء الخبر” في حلقة (8 نوفمبر/تشرين الثاني 2026) أبعاد قرار رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي إلغاء عقود 3 شركات في مطار الموصل الدولي على خلفية ارتباطها بجهات مسلحة.
    24:53

الأكثر تداولاً الآن

  1. 1تخرجت من أكسفورد بمرتبة الشرف الأولى.. لماذا تعمل سباكة؟
  2. 2لوكسمبورغ.. أغنى دول أوروبا تسهل هجرة أصحاب 20 مهنةمحمد صلاح
  3. 3قمة شوشة.. أردوغان وعلييف يطويان صفحة "أزمة الحجاب"
  4. 4آيزنكوت يتسلم تكليف تشكيل الحكومة الإسرائيلية ويطرح أربعة شروط للتحالف فيديو, 16:13
    16:13
  1. 5ترمب يطالب نتنياهو بخطوات عملية لتنفيذ خطة السلام في غزة
  2. 6يُدفع على ثلاثة أقساط.. تعرف على الشرط الجزائي لحسام حسن مع منتخب مصر
  3. 7تحاملت على غزة والمسلمين.. تحقيق يكشف تلقي لومر أموالا سرية مقابل تغريداتهاسيد أحمد زروق
  4. 8إيران.. ترمب يستبعد عودة الحرب وعراقجي يطالبه بحسم خيارهعبد الرزاق المرابط

تابع الجزيرة نت على:

  • من نحن
  • الأحكام والشروط
  • سياسة الخصوصية
  • سياسة ملفات تعريف الارتباط
  • تفضيلات ملفات تعريف الارتباط
  • بيان إمكانية الوصول
  • خريطة الموقع
  • تواصل معنا
  • احصل على المساعدة
  • أعلن معنا
  • ابق على اتصال
  • النشرات البريدية
  • رابط بديل
  • ترددات البث
  • بيانات صحفية
  • مركز الجزيرة للدراسات
  • معهد الجزيرة للإعلام
  • تعلم العربية
  • مركز الجزيرة للحريات العامة وحقوق الإنسان
  • الجزيرة الإخبارية
  • الجزيرة الإنجليزي
  • الجزيرة مباشر
  • الجزيرة الوثائقية
  • الجزيرة البلقان
  • عربي AJ+

جميع الحقوق محفوظة © 2026 شبكة الجزيرة الاعلامية

تابع الجزيرة نت على:

من نحن
  • من نحن
  • الأحكام والشروط
  • سياسة الخصوصية
  • سياسة ملفات تعريف الارتباط
  • تفضيلات ملفات تعريف الارتباط
  • بيان إمكانية الوصول
  • خريطة الموقع
تواصل معنا
  • تواصل معنا
  • احصل على المساعدة
  • أعلن معنا
  • ابق على اتصال
  • النشرات البريدية
  • رابط بديل
  • ترددات البث
  • بيانات صحفية
شبكتنا
  • مركز الجزيرة للدراسات
  • معهد الجزيرة للإعلام
  • تعلم العربية
  • مركز الجزيرة للحريات العامة وحقوق الإنسان
قنواتنا
  • الجزيرة الإخبارية
  • الجزيرة الإنجليزي
  • الجزيرة مباشر
  • الجزيرة الوثائقية
  • الجزيرة البلقان
  • عربي AJ+

جميع الحقوق محفوظة © 2026 شبكة الجزيرة الاعلامية