علاقات الهند وإسرائيل.. من دعم الحق الفلسطيني إلى تشابك المصالح

شهدت العلاقات بين الهند وإسرائيل عبر تاريخها الطويل محطات من المد والجزر، وانتقلت الهند من معسكر الدول التي كانت مساندة للحق الفلسطيني في مواجهة الاحتلال إلى معسكر الدول التي تغمض عينيها عن سلوك إسرائيل وتقدم مصالحها على ما سواها في تقييم العلاقات مع إسرائيل، خصوصا بعد ناريندرا مودي إلى الحكم في مايو/أيار 2014.
تجلى تعزيز العلاقات بين الطرفين في توقيع صفقات عسكرية وتجارية ضخمة بمليارات الدولارات، وأصبحت الهند تشتري سنويا أسلحة إسرائيلية بما يقارب مليار دولار، وهو ما يجعلها أحد أكبر المشترين لتلك الأسلحة.
وتتبنى الهند الرواية الإسرائيلية في حروبها وانتهاكاتها ضد الفلسطينيين، في مقابل إعلان إسرائيل وقوفها إلى جانب الهند في مواجهة باكستان.
وفي دراسة لمعهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي في جامعة تل أبيب، فإن العلاقات بين البلدين شهدت تحولات كبيرة في السنوات الماضية، على خلفية "صعود قوة الحزب الهندوسي بالهند، وتراجع مركزية القضية الفلسطينية على الأجندة الدولية، وصعود قوة الهند على الساحة الدولية".
وفيما يلي أهم المحطات الفارقة في تاريخ العلاقات بين إسرائيل والهند:

المرحلة الأولى: 1947-1992
يؤرخ لهذه المرحلة منذ عام 1947، ففيها كان موقف الهند -التي كان يحكمها آنذاك حزب المؤتمر الهندي- أقرب إلى حد كبير من الموقف العربي تجاه القضية الفلسطينية، وتجلى ذلك برفضها التصويت في الأمم المتحدة لصالح مشروع تقسيم فلسطين سنة 1947.
وصوتت مرة أخرى يوم 11 مايو/أيار 1949 ضد قبول عضوية إسرائيل في الأمم المتحدة، وذلك بسبب ما عزاه مندوب الهند في المنظمة الدولية آنذاك موتيلال سيتالفاد إلى "الطريقة التي تأسست بها هذه الدولة، عبر استخدام القوة وليس من خلال عملية تفاوض وتوافق".
في 17 سبتمبر/أيلول 1950 اعترفت الهند بإسرائيل، لكنها لم تغير موقفها من الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، فقد بقيت تصر على ضرورة إعطاء الشعب الفلسطيني حقوقه كاملة.
بعد ذلك بوقت وجيز، أنشأت الوكالة اليهودية مكتبا للهجرة في مومباي بالهند، تحول لاحقا إلى مكتب تجاري ثم إلى قنصلية.
أقامت الهند علاقات مع منظمة التحرير الفلسطينية في يناير/كانون الثاني 1975، وافتتحت مكتبا لها في نيودلهي، الأمر الذي أزعج إسرائيل كثيرا.
في مارس/آذار 1980، منحت رئيسة الوزراء الهندية وقتها إنديرا غاندي الاعتراف الدبلوماسي الكامل للمنظمة بوصفها ممثلا للشعب الفلسطيني، وسمحت لها بترقية مكتبها إلى سفارة، وفي نوفمبر/تشرين الثاني 1988 اعترفت بدولة فلسطين.
ورغم هذه المواقف الداعمة للفلسطينيين إلا أن تحولات بدأت تظهر في العلاقة بين الطرفين، خصوصا مع هزيمة حزب المؤتمر الوطني في انتخابات 1977، وقدوم حكومة جديدة بقيادة حزب بهاراتيا جاناتا، رأت في الاصطفاف مع إسرائيل خدمة لسياساتها المناهضة لباكستان، فاستضافت بشكل سري وزير الدفاع الإسرائيلي وقتها موشيه ديان.
عام 1984 التقى راجيف غاندي -نجل إنديرا غاندي وخليفتها في أعقاب اغتيالها- برئيس الوزراء الإسرائيلي شيمون بيريز لأول مرة على هامش اجتماعات الأمم المتحدة في نيويورك.
المرحلة الثانية: 1992-2014
تسارعت سياسات التطبيع بين الطرفين مدفوعة برغبة نيودلهي في التقارب مع الولايات المتحدة الأميركية -الحليف الأكبر لإسرائيل- والحصول على الأسلحة منها، خاصة بعد قيام علاقات "شبه طبيعية" بين إسرائيل وبعض الدول العربية، وانطلاق المفاوضات بين الاحتلال ومنظمة التحرير الفلسطينية في أعقاب مؤتمر مدريد للسلام عام 1991.
توجت الهند علاقتها بإسرائيل من خلال إقامة علاقات دبلوماسية كاملة معها يوم 29 يناير/كانون الثاني 1992، وتبادلت الدولتان السفراء.
وفي هذه الفترة كانت هناك محطات كثيرة من التعاون بينهما، لكن ذلك لم يمنع الهند من التنديد بالانتهاكات الإسرائيلية، وإعلان الوقوف إلى جانب الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره.
وجاء وصول حزب بهارتيا جاناتا إلى الحكم مرة أخرى عام 1998 ليشكل بداية جديدة للتعاون بين الطرفين، وسرعان ما تطور ذلك إلى علاقات تعاون إستراتيجي في بعض المجالات وعلى رأسها الدفاع.
يوم 17 يوليو/تموز2001 وقعت إسرائيل والهند عقدا بقيمة ملياري دولار، تزود بموجبه مؤسسة الصناعات الجوية الإسرائيلية وزارة الدفاع الهندية بمعدات عسكرية متطورة ومجموعة من المنتجات الحديثة في المجال الجوي.
بعدها بشهرين زار مستشار الأمن القومي الإسرائيلي عوزي ديان الهند وأجرى مباحثات مع المسؤولين هناك، كما زراها سكرتير وزارة الدفاع الإسرائيلية آنذاك عاموس يارون يوم 21 نوفمبر/تشرين الثاني 2001، وأجرى مباحثات بشأن تعزيز التعاون العسكري والتكنلوجي.
يوم 6 يناير/كانون الثاني 2002، زار وزير الخارجية الإسرائيلي شمعون بيريز الهند، وأجرى محادثات مع المسؤولين في نيودلهي بشأن التعاون العسكري ومكافحة ما يسمى الإرهاب، وتزامنت الزيارة مع إعلان وزارة الخارجية الإسرائيلية أن مسؤولين هنودا وإسرائيليين اجتمعوا في القدس لتبادل الأفكار بشأن "مكافحة الإرهاب".
يوم 3 نوفمبر/تشرين الثاني 2002، كشفت صحيفة هآرتس الإسرائيلية توقيع إسرائيل والهند اتفاقا للتعاون في مجال الأبحاث الفضائية، وعرضت إسرائيل آنذاك تزويد الهند بتلسكوب قوي يمكن أن يجهز به قمر صناعي للاتصالات كانت نيودلهي تنوي إطلاقه في غضون عامين.
في فبراير/شباط 2003 كشف عن تعاون مشترك بين شركة "هندوستان أيرونوتكس ليمتد" الهندية وشركة الصناعات الجوية الإسرائيلية بشأن إلكترونيات الطيران من إنتاج إسرائيلي في المروحية الخفيفة المتقدمة، كما اتفق الطرفان على إنتاج مشترك للزوارق السريعة من طراز "دفورا".
حاول رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك أرييل شارون تعزيز العلاقات بين البلدين أكثر فأكثر، فزار الهند يوم 8 سبتمبر/أيلول 2003، على رأس وفد ضم 150 عضوا، أغلبهم من العاملين في الصناعات الدفاعية.
كانت تلك الزيارة الأولى التي يقوم بها رئيس للحكومة الإسرائيلية للهند منذ عام 1992، وتوجت بعد شهر منها (في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2003) بتوقيع صفقة ضخمة بقيمة مليار دولار اشترت بموجبها الهند من إسرائيل ثلاثة أنظمة إنذار مبكر محمولة جوا من نوع "فالكون".
لكن هذه الزيارة شهدت رفضا كبيرا خصوصا بين المسلمين في الهند، الذين رأوا فيها بوادر صعود محور صهيوني هندوسي مناهض للإسلام.
بعدها بعام، وتحديدا في 12 فبراير/شباط 2004 زار وزير الخارجية الإسرائيلي سيلفان شالوم نيودلهي وسلمها ثلاث طائرات رادار من طراز "فالكون" ضمن أكبر اتفاق عسكري بين البلدين، وقبل شالوم زار المدير العام لوزارة الدفاع الإسرائيلية الجنرال عاموس يارون الهند أيضا.
جرت صفقة عسكرية أخرى بين الطرفين بقيمة 220 مليون دولار، وذلك يوم 8 نوفمبر/تشرين الثاني 2005، إذ تسلمت الهند من إسرائيل خمسين طائرة استطلاع بدون طيار بهدف القيام بمهمات مراقبة عند حدودها مع كل من الصين وباكستان.
في مارس/آذار 2009، وقعت صفقة جديدة بين الطرفين وصفت بالأكبر في تاريخ الصناعات العسكرية الإسرائيلية، زودت إسرائيل بموجبها نيودلهي بصواريخ بقيمة ملياري دولار، وفي العام نفسه أبرمت شركة إسرائيلية متخصصة في الإنتاج الحربي عقدا مع الجيش الهندي بقيمة مليار دولار للحصول على دفاعات جوية.
وكان مودي طوال فترة رئاسته لولاية غوجارات الهندية بين عامي 2001 و2014، يدعو إلى التقارب مع إسرائيل، ويعمل على تعزيز علاقاته معها، فأرسل العشرات من رجال الأعمال والمزارعين إليها للحصول على أحدث تقنيات الزراعة الإسرائيلية، كما استقبلت ولايته استثمارات إسرائيلية عديدة.
المرحلة الثالثة 2014-2025
عام 2014 أشارت دراسة صادرة عن "معهد أبحاث الأمن القومي" في جامعة تل أبيب، حول العلاقات الهندية-الإسرائيلية وسياسة الهند تجاه الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني، إلى أن صعود مودي إلى الحكم كان مؤشرا على تغير السياسة الهندية للأفضل تجاه إسرائيل، وللأسوأ تجاه الفلسطينيين. وكانت السياسة الهندية الجديدة ترتكز على ثلاثة محاور مركزية:
- انتهاج سياسة متشددة في قضايا الأمن القومي.
- تسريع المرحلة الثانية في الإصلاحات الاقتصادية النيو-ليبرالية.
- تمجيد فكرة القومية الثقافية.
وتشير الدراسة إلى أن سياسة مودي، تجاه إسرائيل تنطلق من عدة اعتبارات أبرزها:
- إيمانه بالبراغماتية الاقتصادية، وهو ما يلائم توثيق العلاقات مع إسرائيل، التي لديها خبرات في مجالات عدة أبرزها الزراعة والتكنولوجيا والاتصالات والأمن.
- رؤيته بأن توثيق العلاقة مع إسرائيل يخدم مصالح الهند الداخلية والإقليمية.
- علاقاته القوية مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، لا سيما في ظل وجود أفكار مشتركة بينهما، كتأييد خط عام محافظ ويميني ورأسمالي.
وتجلى توثيق العلاقات بين الدولتين في هذه الفترة في عدة مجالات:

السلاح
عززت الهند وإسرائيل علاقاتهما في المجال العسكري بشكل وثيق، ففي السنوات الأخيرة، تحولت شبه القارة الهندية إلى إحدى وجهات التصدير الكبرى لإسرائيل، وخصوصا فيما يتعلق بالمقتنيات العسكرية، بحيث أصبحت الهند تشتري ما يقارب مليار دولار من الأسلحة من إسرائيل سنويا.
وفي الفترة من عام 2015 إلى 2019 مثلت إسرائيل ثاني أكبر مورد للأسلحة للهند بعد روسيا، بنسبة تصل إلى 14% من إجمالي الواردات الهندية، وقد شكلت هذه النسبة 45% من إجمالي صادرات الأسلحة الإسرائيلية تقريبا.
وفي الفترة من عام 2019 إلى 2023، ظلت الهند أكبر مستورد للأسلحة من إسرائيل بنسبة 37% من إجمالي الصادرات الإسرائيلية.
وتركز الواردات الهندية على الأسلحة الإسرائيلية ذات التكنولوجيا المتطورة، كمسيرات "هيرون" و"سيرشر" وأنظمة الرادار ومنظومات الدفاع الجوي "سبايدر" و"باراك إل آر" وصواريخ "ديربي" و"باراك 8″ وقنابل موجهة بالليزر وصواريخ مضادة للسفن من طراز "باراك".
الأمن
شهدت العلاقات الأمنية بين الهند وإسرائيل تطورا نوعيا، فبينهما مجموعة عمل مشتركة لمكافحة "الإرهاب"، كما أسستا "اللجنة التوجيهية الهندية الإسرائيلية المشتركة حول الأمن الداخلي"، وتنظمان برامج تدريب للضباط الهنود في أكاديمية الشرطة الوطنية الإسرائيلية.
الاقتصاد
وصلت قيمة التجارة بين الهند وإسرائيل -دون الصفقات العسكرية- سنة 2023 إلى 10.7 مليار دولار، وهو ما يجعل الهند هي الشريك التجاري الثاني لإسرائيل في آسيا، والشريك السابع في العالم.
كما تتدفق العمالة الهندية على إسرائيل بشكل مضطرد، وذلك بعد اتفاق وقع بين الطرفين في مايو/أيار 2023، اتفقا بموجبه على جلب 42 ألف عامل هندي للعمل في إسرائيل لتعويض النقص في العمالة، بعد تضييق إسرائيل على العمال الفلسطينيين.
الزيارات الدبلوماسية
تبادل الطرفان عددا من اللقاءات والزيارات الدبلوماسية، إذ التقى نتنياهو ومودي لأول مرة على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر/أيلول 2014، وبحثا البرنامج النووي الإيراني وسبل توسيع التعاون بينهما.
وكانت أبرز الزيارات المتبادلة بين الجانبين، يوم 4 يوليو/تموز 2017، عندما توجه مودي إلى إسرائيل، ليكون بذلك أول رئيس وزراء هندي يزور تل أبيب.
وصف نتنياهو زيارة مودي بالتاريخية، وقال إنها "تعمق العلاقات الهندية الإسرائيلية في عدد واسع من المجالات"، وهي الخطوة التي قابلها نتنياهو يوم 14 يناير/كانون الثاني 2018، بزيارة إلى نيودلهي.
في أكتوبر/تشرين الأول 2015، زار الرئيس الهندي براناب كومار موخيرجي بزيارة إلى إسرائيل، وبعدها بعام، وتحديدا يوم 14 نوفمبر/تشرين الثاني 2016 زار رئيس إسرائيل آنذاك رؤوفين ريفلين الهند.
يوم 17 أكتوبر/تشرين الأول 2021، زار وزير الخارجية الهندي سوبرامانيام جايشانكر إسرائيل بدعوة من رئيس الوزراء ووزير الخارجية الإسرائيلي آنذاك يائير لبيد، وكانت الزيارة الأولى له إلى تل أبيب بصفته وزير خارجية الهند.
في يوم 9 مايو/أيار 2023 زار وزير الخارجية الإسرائيلي آنذاك إيلي كوهين، الهند رفقة وفد سياسي وتجاري رفيع المستوى، والتقى أثناء الزيارة رئيس الوزراء ووزير الخارجية الهنديين، كما ترأس منتدى الأعمال الهندي الإسرائيلي.
في 11 يناير/كانون الثاني 2023 تحدث مودي مع نتنياهو لتهنئته بانتخابه رئيسا للوزراء في إسرائيل للمرة السادسة، كما تحدثا معا أكثر من مرة لمناقشة القضايا الثنائية، ويوم 24 أغسطس/آب 2023 اتصل نتنياهو بمودي لتهنئته على الهبوط الناجح لمركبة "شاندرايان-3" على سطح القمر.
التصويت في المحافل الدولية
تحولت الأمم المتحدة إلى الحلبة الأكثر إثارة لاختبار قوة العلاقات الهندية الإسرائيلية، فلم تعد نيودلهي تتبنى مشروعات قرارات الأمم المتحدة الخاصة بالقضية الفلسطينية، فضلا عن امتناعها عن إدانة التصرفات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين.
في صيف 2014، أثناء عدوان "الجرف الصامد"، الذي شنته إسرائيل على قطاع غزة واستمرت 51 يوما، عملت حكومة مودي جاهدة لمنع التنديد بإسرائيل في البرلمان الهندي.
وشكل تصويت الهند ضد قبول عضوية المؤسسة الفلسطينية لحقوق الإنسان "شاهد" عضوا مراقبا في المجلس الاقتصادي والاجتماعي للأمم المتحدة في يونيو/حزيران 2019 مؤشرا على التحول الهندي تجاه إسرائيل.
التبادل الثقافي
عززت الهند وإسرائيل برامج التبادل الثقافي، إذ ينظم المركز الثقافي الهندي في تل أبيب فعاليات عدة لتعزيز العلاقات الثقافية.
كما يعد المؤتمر الوطني لليهود من أصل هندي من أهم المؤتمرات التي تعقد في إسرائيل بشكل شبه سنوي، ويجمع هذا الحدث حوالي خمسة آلاف يهودي من أصل هندي في إسرائيل.
تعزيز الهجرة إلى إسرائيل
بلغت الجالية الهندية في إسرائيل إلى حدود 2025 حوالي 85 ألف يهودي من أصل هندي، يحملون جوازات سفر إسرائيلية، في حين تقدر الإحصائيات وجود ما بين 18 ألف إلى 20 ألف مواطن هندي في إسرائيل، معظمهم من مقدمي الرعاية لكبار السن وتجار الماس والمتخصصين في تكنولوجيا المعلومات، وبعضهم طلبة في الجامعات الإسرائيلية.
وبدأت موجات الهجرة الرئيسية من الهند إلى إسرائيل في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، وفي السنوات الأخيرة، هاجر بعض اليهود الهنود من ولايات شمال شرق الهند إلى إسرائيل.
موقف الهند من طوفان الأقصى
بعد عملية طوفان الأقصى الذي نفذتها المقاومة الفلسطينية يوم 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023 ضد مستوطنات غلاف غزة، شهد موقف الهند انحيازا تاما إلى الطرف الإسرائيلي، وهو ما يتضح من خلال:
تأييد الحرب على غزة
بعد ساعات من عملية طوفان الأقصى، سارعت الهند إلى تأييد الحرب الإسرائيلية على القطاع، ووصفتها بأنها "دفاع عن النفس"، ونشر مودي على موقع إكس تغريدة يقول فيها "لقد صدمت بشدة من الهجمات الإرهابية في إسرائيل، ندعو للضحايا الأبرياء وعائلاتهم ونصلي لأجلهم، نتضامن مع إسرائيل في هذه الساعة الصعبة".
وأكد مودي الدعم نفسه في مكالمة هاتفية مع نتنياهو يوم 10 أكتوبر/تشرين الأول 2023، ونشر بعدها تغريدة تقول إن "شعب الهند يقف بحزم إلى جانب إسرائيل في هذه الساعة الصعبة"، و"تدين بشدة الإرهاب بجميع أشكاله ومظاهره".
عزز ذلك الموقف تبرير وزير الخارجية الهندي العدوان الإسرائيلي على غزة في خطاب ألقاه أمام مؤسسة "كارنيغي" الأميركية في أكتوبر/تشرين الأول 2024، وقال إن ما قامت به إسرائيل "أمر مشروع في إطار حقها في الدفاع عن النفس".
في 1 ديسمبر/كانون الأول 2023، وعلى هامش مؤتمر في دبي، التقى مودي بالرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ، وتبادلا وجهات النظر بشأن الصراع في المنطقة والقضايا العالمية والثنائية.
كما تحدث نتنياهو ومودي مرات عدة، أبرزها في 19 ديسمبر/كانون الأول 2023، تحدثا خلاله عن الوضع في منطقة الشرق الأوسط وسلامة الملاحة البحرية.
تبني الرواية الإسرائيلية كاملة
عمدت شبكات التواصل الاجتماعي والإذاعات والتلفزة الهندية، التي تتبنى توجهات الحزب الحاكم، إلى تقديم صورة غير متوازنة عن الحرب على غزة، وتبنت مواقف إسرائيل بشكل كامل، بما في ذلك المعلومات المضللة، على نطاق واسع على وسائل التواصل الاجتماعي من قبل المواطنين الهنود، والأهم من ذلك من قبل القوميين الهندوس اليمينيين، وأخذت تعيد نشر عبارات التهديد التي وردت على لسان نتنياهو وأعضاء حكومته.
رافق ذلك تضييق السلطات الهندية على الأحزاب الهندية، خصوصا الإسلامية التي تمارس نشاطات مؤيدة للفلسطينيين، والرافضة للعدوان الإسرائيلي.
الدعم العسكري
كشفت تقارير عدة عن تزويد الهند إسرائيل بقطع صواريخ استخدمت في ضرب غزة، وعُثر في أحيان كثيرة على شظايا صواريخ استخدمتها إسرائيل في قصف غزة، مدون عليها عبارة "صنع في الهند". كما أن بعض المسيرات التي استخدمتها إسرائيل في غزة كانت من صناعة شركة "أداني" الهندية.
يوم 9 سبتمبر/أيلول 2024 رفضت المحكمة العليا الهندية النظر في دعوى رفعتها لجان هندية لحقوق الإنسان وأكاديميون هنود ضد شركات هندية تزود إسرائيل بالسلاح، باعتبار ذلك مشاركة في الإبادة الجماعية بغزة، ورأت المحكمة أن هذا الأمر "شأن حكومي".
ووفقا لتقرير نشرته صحيفة "إنديا توداي" الهندية، شارك ما لا يقل عن 400 هندي في القتال إلى جانب الجيش الإسرائيلي في الأسابيع الأولى من الحرب على غزة في 2023.
يوم 5 ديسمبر/ كانون الأول 2024، برر وزير الخارجية الهندي سوبرامانيام جايشانكار الدعم العسكري الذي قدمته بلاده لإسرائيل في حربها على غزة، بالقول "إن الهند تسترشد بمصالحها الوطنية قبل إعادة النظر في نقل الأسلحة أو مبيعات الأسلحة إلى إسرائيل".
التصويت في الأمم المتحدة
أخذ الانحياز الهندي لإسرائيل ينتقل إلى حلبة الأمم المتحدة، ففي 27 أكتوبر/تشرين الأول 2023 امتنعت نيودلهي عن التصويت لصالح مشروع قرار بوقف إطلاق النار في غزة لأسباب إنسانية، مدعية أن "القرار لا يتضمن إدانة صريحة للهجوم على إسرائيل".
وفي يوم 9 نوفمبر/ تشرين الثاني 2023، امتنعت الهند عن التصويت لصالح التحقيق في انتهاكات إسرائيل لحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
تلا ذلك امتناع الهند يوم 5 أبريل/ نيسان 2024 عن التصويت على قرار قدمته باكستان لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة لفرض حظر على تصدير السلاح إلى إسرائيل ومحاسبتها على خلفية استمرار حربها بغزة.
موقف الهند من حل الدولتين
هذه المواقف وغيرها لم تثن الهند عن موقفها الداعي إلى حل الدولتين، ففي يوم 10 مايو/ أيار 2024، اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارا يدعم طلب عضوية السلطة الفلسطينية بالأمم المتحدة ويمنحها امتيازات إضافية، وذلك بعد أن صوتت 143 دولة، بما فيها الهند، لصالح القرار.
سبقت ذلك تصريحات لمندوبة الهند لدى الأمم المتحدة السفيرة روشيرا كامبوج قالت فيها إن القيادة الهندية "أكدت مرارا وتكرارا أن حل الدولتين، الذي يمكن تحقيقه من خلال مفاوضات مباشرة وهادفة بين إسرائيل وفلسطين، هو الذي من شأنه أن يحقق سلاما دائما".
موقف إسرائيل من الصراع بين الهند وباكستان
في الصراع الإستراتيجي المتنامي بين الهند وباكستان، يظهر الموقف الإسرائيلي الداعم للهند بشكل لا لبس فيه. فمع خسارة حزب المؤتمر الوطني للانتخابات عام 1977، وقدوم حكومة جديدة بقيادة حزب بهارتيا جاناتا رأت الحكومة الجديدة أن الاصطفاف مع إسرائيل يمكن أن يخدم بشكل أفضل سياساتها المناهضة لباكستان؛ فأقام الجانبان علاقات عسكرية سرية واسعة النطاق على قاعدة العداء المشترك لباكستان.
وقد تحدثت وقتها مصادر عدة عن وجود خطة بين الطرفين لشن ضربة استباقية ضد المنشآت النووية الباكستانية، وخاصة منشأة تخصيب اليورانيوم ومركز الأبحاث في كاهوتا، مستوحاة من الهجوم الإسرائيلي على المفاعل النووي العراقي عام 1981.
بحلول نهاية التسعينيات من القرن العشرين، ظهرت آثار هذه العلاقة جليا، وذلك في حرب "كارجيل" التي اندلعت بين الهند وباكستان عام 1999، فوقتها قدمت إسرائيل إلى الهند معدات عسكرية حيوية، كقذائف الهاون والذخيرة والصواريخ الموجهة، متحدية الحظر الأميركي المؤقت للتعاون العسكري مع الهند بسبب تجاربها النووية.
يوم 25 أبريل/نيسان 2025 تواصل نتنياهو مع مودي، وأعرب عن تعازيه في ضحايا الهجوم الذي وقع يوم 22 أبريل/نيسان 2025، حين نفذ خمسة مسلحين هجوما على سياح في الجزء الهندي من إقليم جامو وكشمير، ما أسفر عن مقتل 26 سائحا.
وكتب نتنياهو على صفحته في منصة إكس "تحدثت اليوم مع رئيس وزراء الهند ناريندرا مودي، وأعربت عن تعازي وتعازي الشعب الإسرائيلي للهند بعد هجوم بهالكام، وشكرني رئيس الوزراء مودي على مشاركتي في حزن الهند، وأكد أن بلدينا يقفان جنبا إلى جنب في المعركة الحرجة ضد الإرهاب القاتل".
سبقت ذلك تصريحات للسفير الإسرائيلي في الهند رؤوفين عازر شبه فيها ما حدث في الجزء الهندي من ولاية جامو، بهجوم مقاتلي المقاومة الفلسطينية على مستوطنات غلاف غزة يوم 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023.
في 1 مايو/أيار 2025 نشرت صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية مقابلة مع أوشريت بيرودكر الباحثة في معهد القدس للإستراتيجية والأمن قالت فيها إنه في الوقت الذي اتخذت فيه دول عربية مسافة من حركة المقاومة الإسلامية (حماس) بعد طوفان الأقصى، فإن "الجزء الجنوب آسيوي" (في إشارة إلى باكستان) "تفاخر بالقدرات العسكرية التي أظهرتها الحركة".
وادعت بيرودكر أن "باكستان اختارت احتضان حماس في ساعتها الصعبة"؛ وأظهرت دعمها عندما استقبلت عددا من قادتها، وأسرى محررين "وفرت لهم الملاذ الآمن، فضلا عن الدعم اللوجستي".
كما زعمت أنه "في فبراير/شباط 2025، شارك ممثلو حماس، في مؤتمر مناهض للهند عقد في الجزء الذي تسيطر عليه باكستان في إقليم كشمير.
يوم 7 مايو/أيار 2023، سارعت إسرائيل إلى تأكيد دعمها الهند عقب إعلان نيودلهي توجيه ضربات صاروخية على 9 مواقع في باكستان.
وقال السفير الإسرائيلي في نيودلهي رؤوفين عازار إن بلاده "تدعم حق الهند في الدفاع عن نفسها" مؤكدا "دعم إسرائيل للضربات الهندية".
وكتب على منصة إكس "إسرائيل تدعم حق الهند في الدفاع عن النفس، ويجب أن يعلم الإرهابيون أنه لا مكان للاختباء من جرائمهم الشنيعة ضد الأبرياء".