نتائج الانتخابات الإسرائيلية وكلفتها الداخلية الباهظة

دولة "يهودية وديمقراطية".. فقط نتنياهو يضمن ذلك (الجزيرة)

إن نتائج الانتخابات الإسرائيلية التي أفضت إلى إقصاء الأحزاب المشاركة في الحكومة الحالية عن السلطة وضمنت عودة زعيم المعارضة بنيامين نتنياهو لرئاسة الوزراء تعدّ إنجازا شخصيا كبيرا له.

فلم يتحمل نتنياهو فقط عبء إدارة الحملة الانتخابية لحزب الليكود الذي يقوده ولعب دورا رئيسا في الحملات الدعائية التي هدفت لنزع الشرعية عن حكومة يائير لبيد، بل نجح أيضا في توحيد القوى اليمينية والدينية المؤيدة له. فنتنياهو هو الذي أسهم في منع تفكك حزب "يهدوت هتوراة" الديني الحريدي وحال دون انفصال مركبيه الرئيسيين: حزب "ديجل هتوراة" وحركة "إيغودات يسرائيل"، كما تمكن من إقناع كل من "الكاهانية" بزعامة إيتمار بن غفير و"الصهيونية الدينية" بقيادة بتسلال سموتريتشب بخوض الانتخابات في قائمة موحدة لضمان عدم تشتت أصوات المعسكر المؤيد له.

ما يدل على أن الانتخابات الأخيرة كانت منافسة داخل معسكر اليمين، بشقيه الديني والعلماني، أنها أسفرت عمليا عن اختفاء اليسار الصهيوني عن الساحة؛ حيث لم يعد يمثل في الكنيست إلا بحزب العمل الذي حاز فقط 5 مقاعد، وهو الحزب الذي قاد إسرائيل في العقود الثلاثة الأولى من عمرها.

ولم يكن الإنجاز الذي حققه نتنياهو سهلا، فالانتخابات الأخيرة شهدت في الواقع تنافسا بين القوى اليمينية والدينية المتطرفة المؤيدة له والحركات والأحزاب المشاركة في الحكومة الحالية التي جلّها يتبنّى مواقف يمينية.

لقد عكست نتائج الانتخابات التوجهات العامة للقوى الاجتماعية الرئيسة في المجتمع الإسرائيلي. فالأحزاب المؤيدة لنتنياهو حظيت بدعم اليهود من أصول شرقية، الذين يقطنون بشكل أساس في مدن التطوير، التي تقع في أطراف إسرائيل والأحياء الشعبية داخل المدن الكبرى، وأتباع التيار الديني الحريدي والمستوطنين الذين يقطنون الضفة الغربية والقدس والجولان.

ودلت التجربة على أن الشرقيين والحريديم والمستوطنين يبدون دوما حماسة واضحة في دعم الأحزاب التي تتبنّى مواقف أكثر تطرفا إزاء الصراع مع الشعب الفلسطيني، وتتمسك برؤى متشددة تجاه العلاقة بين الدين والدولة.

وفي المقابل، فإن المنتمين إلى الطبقة الوسطى وقاطني القرى التعاونية (الكيبوتسات) والذين هاجروا حديثا، تحديدا من الدول التي كانت تشكل الاتحاد السوفياتي، يميلون إلى دعم قوى اليمين العلماني.

إن أكثر ما يدل على أن الانتخابات الأخيرة كانت في الواقع منافسة داخل معسكر اليمين الإسرائيلي، بشقيه الديني والعلماني، حقيقة أنها أسفرت عمليا عن اختفاء "اليسار" الصهيوني عن الساحة؛ حيث لم يعد يمثل في الكنيست إلا بحزب العمل الذي حاز فقط 5 مقاعد، وهو الحزب الذي قاد إسرائيل في العقود الثلاثة الأولى من عمرها.

ولا يمكن إغفال حقيقة أن نتائج هذه الانتخابات كانت أيضا تجسيدا للتحولات التي طرأت على الواقع الديمغرافي في إسرائيل. فالتيار الحريدي الذي يشهد أعلى نسبة تكاثر طبيعي، حيث يبلغ متوسط عدد ولادات المرأة الحريدية 8 ولادات، بات يمثل خزانا انتخابيا لقوى اليمين الديني المتطرف. وبسبب هذا الواقع، فإن جولات الانتخابات القادمة ستسفر فقط عن تعاظم قوة القوى الدينية واليمينية المتطرفة وحضورها.

لكن إنجاز نتنياهو الشخصي الكبير لا يغطي على المخاطر الكبيرة التي باتت تواجهها إسرائيل بسبب نتائج الانتخابات الأخيرة. فإلى جانب تعاظم تمثيل "الصقور" في قائمة الليكود النيابية، فإن مشاركة تحالف الكاهانية والصهيونية الدينية في حكومة نتنياهو القادمة ستملي عليها تبنّي سياسات أكثر تطرفا تجاه الصراع مع الشعب الفلسطيني تفضي إلى تأجيج جذوة المقاومة في الضفة الغربية وتزيد من مخاطر تهاوي الأوضاع الأمنية داخل إسرائيل وفي الأراضي الفلسطينية إلى حد قد يقود إلى تفجر انتفاضة ثالثة في الضفة الغربية واندلاع مواجهات عسكرية مع المقاومة في قطاع غزة.

إلى جانب ذلك، فإن مكانة إسرائيل الدولية وعلاقاتها الإقليمية ستكون مرشحة للتضرر بسبب مواقف الحكومة القادمة التي يمليها تحالف الكاهانية والصهيونية الدينية وصقور الليكود.

لكن مما لا شك فيه أن أخطر تداعيات نتائج الانتخابات الإسرائيلية ستكون على الصعيد الداخلي.

تُظهر الكاهانية والأحزاب الحريدية حماسة لتقليص حضور المرأة في الفضاء العام، لا سيما معارضة اندماج النساء في الوحدات القتالية في الجيش، بحجة أن ذلك يمس بدافعية الشباب المتدين للانخراط في هذه الوحدات.

وستعمق نتائج الانتخابات الاستقطاب الداخلي والصدع المتعاظم في المجتمع الإسرائيلي، حيث إن الأحزاب المرشحة للمشاركة في حكومة نتنياهو القادمة أعلنت أنها ستعمل على إحداث تحول كبير على طابع العلاقة بين الدين والدولة بشكل يمس بقدرة العلمانيين على مواصلة أنماط حياتهم الشخصية عبر إحداث ثورة قضائية تعلي من شأن أحكام الشريعة اليهودية على حساب القوانين الوضعية، كما أعلن ذلك جليا زعيم الصهيونية الدينية بتسلال سموتريتش الذي من المتوقع أن يشغل منصبا وزاريا رفيعا في الحكومة القادمة. ومن أجل توفير بيئة تسمح لهم بتحقيق هذا الهدف، فإن عددا من ممثلي الأحزاب المؤيدة لنتنياهو أعلنوا أنهم سيعملون على تمرير قانون يسحب من المحكمة العليا -التي تلعب دور المحكمة الدستورية- صلاحية مراقبة القوانين التي يصدرها الكنيست والنظر في دستوريتها.

فضلا عن أن سموتريتش وعددا من زملائه أوضحوا عزمهم مواجهة ظاهرة المثلية الجنسية، والتشدد في فرض حرمة السبت، وإخضاع كثير من الخدمات التي تقدمها الوزارات والمؤسسات الرسمية لتعليمات الشريعة اليهودية.

إلى جانب أن الكاهانية والأحزاب الحريدية تظهر حماسة لتقليص حضور المرأة في الفضاء العام، لا سيما معارضة اندماج النساء في الوحدات القتالية في الجيش بحجة أن ذلك يمس بدافعية الشباب المتدين للانخراط في هذه الوحدات.

ويمكن أن يسفر تعاظم الصدع الداخلي عن حرب أهلية سبق أن حذر منها أخيرا كل من رئيس الوزراء السابق إيهود باراك، ويوفال ديسكين الرئيس السابق للمخابرات الداخلية، والرئيس السابق لجهاز الموساد تامير باردو.

وفي الوقت ذاته، فإن تراجع مستوى التصويت في مدن وبلدات فلسطينيي الداخل وعزوف الشباب هناك عن المشاركة السياسية يعني أن قطاعات واسعة من هذا الجمهور الفلسطيني لم تعد مقتنعة بمواجهة سياسات التمييز العنصري عبر القنوات التي يحددها النظام السياسي الإسرائيلي. ومما سيزيد الأمور تعقيدا أن السياسات التي ستتبنّاها الحكومة القادمة ضد فلسطينيي الداخل تحت تأثير بن غفير، لمواجهة مظاهر تعبير هذا القطاع من الشعب الفلسطيني عن انتمائه الوطني، ستزيد من فرص انفجار مواجهة شاملة مع السلطات الإسرائيلية، كما حدث خلال هبة القدس في مايو/أيار 2021.

ومما سيفاقم الأمور سوءا أمام نتنياهو حقيقة أن قدرة أي حكومة تضم الحريديم والكاهانية على تأمين شرعية داخلية لاتخاذ قرارات بشن عمليات عسكرية أو حروب ستكون متدنية؛ فأتباع التيار الحريدي ومعظم مؤيدي الكاهانية لا يؤدون الخدمة العسكرية، وذلك يجعل قطاعات واسعة من الجمهور الإسرائيلي ترى أن هذه الحكومة تفتقد الأهلية الأخلاقية لإصدار قرارات بشن عمليات عسكرية أو حروب ما دام أتباع الأحزاب المهمة المشاركة فيها لا يؤدون الواجب العسكري.

وستتحمل إسرائيل كلفة اقتصادية باهظة جراء تشكيل الائتلاف الذي يضم الحريديم وتحالف الصهيونية الدينية والكاهانية؛ فقد توعدت الأحزاب الحريدية بأن تضمن أي اتفاق ائتلافي مع الليكود التزاما بزيادة المخصصات المالية لمؤسساتها الدينية والتعليمية والاجتماعية، فضلا عن توسيع مخصصات الضمان الاجتماعي للعائلات الحريدية.

في الوقت ذاته، فإن قادة الأحزاب الحريدية تمكنوا عشية الانتخابات من الحصول على تعهد من نتنياهو بإسقاط كل القوانين التي تربط بين المزايا الاقتصادية التي يحصل عليها التيار الحريدي وبين الخدمة العسكرية؛ حيث إن الأغلبية الساحقة من أتباع التيار الحريدي لا يؤدون هذه الخدمة. ليس هذا فحسب، بل إن نتنياهو التزم أمام الحريديم بإلغاء قرار حكومة تصريف الأعمال الحالية الذي اشترط زيادة المخصصات المالية للمدارس التابعة للتيار الحريدي بتدريسها المواد الأساسية، وهي: الإنجليزية، والرياضيات، والعلوم، حيث اتخذ هذا القرار من أجل تمكين الشباب الحريدي من الاندماج في سوق العمل، مع العلم أن المرجعيات الحريدية ترفض بشدة تدريس هذه المواد في المدارس التابعة لهذا التيار.

وسيدفع ممثلو الكاهانية والصهيونية الدينية إلى طفرة هائلة في المشروع الاستيطاني في الضفة الغربية والقدس والجولان، وذلك يعني توجيه مخصصات مالية كبيرة لتحقيق هذا الهدف.

وسيترتب على الجهود الأمنية والعمليات العسكرية التي ستنفذها الحكومة القادمة لمواجهة ردة فعل الشعب الفلسطيني على سياساتها فاتورة اقتصادية كبيرة ستجبر هذه الحكومة على تجاوز إطار الميزانية التي أقرّتها الحكومة الحالية، حيث سيتفاقم العجز في الموازنة. مع العلم أن إسرائيل تعاني أيضا من تبعات أزمة الاقتصاد العالمية، وتحديدا على صعيد التضخم وغلاء المعيشة.

يتضح مما تقدم أن إسرائيل قد تدفع ثمنا باهظا بسبب نتائج انتخاباتها الأخيرة.