نحو إعادة تشكيل الخطاب السياسي في العالم العربي

الخطاب السياسي للإسلاميين بعد ثورات الربيع العربي
الخطاب السياسي بعد ثورات الربيع العربي (الجزيرة)

في أثناء الإعداد لهذا المقال، أحببت أن أتابع ما كتب بالعربية عن إعادة تعريف السياسة؛ فبحثت في العم غوغل. خرجت لي بعض المقالات القليلة، لكن المفارقة الأبرز هو استخدام أحد المواقع لمفهوم "إعادة تعريف السياسة" في المجال التقني الذي يدور أساسا حول سياسة مركز الأمان.

استخدمت سياسات الأمان عددا من المصطلحات والمفاهيم التي اقترنت بلفظ السياسة، مثل: إدارة، إنشاء، تطبيق، تعديل، مقارنة، حذف، نسخ، تصدير، استيراد، تحويل. هذا كله ينطبق على التطبيقات والبرامج في مجال تكنولوجيا المعلومات، ولكنه دال على جوهر السياسة في الزمن المعاصر التي باتت فيه ذات طبيعة عملية تقنية وفنية، يتقدم فيها التكنوقراط والفنيون على السياسيين، وتلعب فيها المؤسسات غير المنتخبة -مثل البنوك المركزية- دورا أساسيا في رسم ملامحها وتحديد توجهاتها، ولكنها ترتبط بتسهيل الاستخدام الذي أطلقت عليه من سنوات "خطاب المعاش" -الذي يقدم إجابات وحلولا لمشاكل الناس المباشرة وأسئلتهم الصغرى- في مقابل خطابات الهوية والأيديولوجيا التي تتعرض لقضايا الوجود الإنساني وأسئلته الكبرى. البنى الهرمية ترتبط بالصلاحيات التي يمنحها النظام لكل مستخدم في المستويات المتعددة.

في هذا العالم تسود الإجراءات التي هي جوهر النظام، وتبنى القواعد لضمان الأمان فيه، وتتحول العمليات كلها إلى مؤشرات يمكن قياسها. معيار نجاح النظام هو البناء والوصول إلى هذه المؤشرات المقيسة؛ وهنا تتحول السياسة من طابعها المؤسسي -أي تلك التي تديرها وترعاها المؤسسات ذات الطابع السياسي- إلى عمليات كثيرة تحكمها المصلحة التي صار جوهرها هو الربح الذي يتحقق بتطبيق النظام، والذي يشترك في إنجاحه جمع من أصحاب المصلحة، لا المواطنون أو الطبقات أو الحركات الاجتماعية التي لم يعد كما كان يتوزع عليها الجمهور.

الخطابات الدينية فانتفت منها عبارات القول السديد والقول الصحيح، ليتقدم القول المناسب الذي يتضمن التغير والتبدل والاختلاف على حسب أحوال الناس، لكن الأهم أن ما يحكمها هو النفع والعملية وفق منطق الاستهلاك.

وهكذا فإنا في العالم العربي -كما في العالم من حولنا- نشهد إعادة تعريف للسياسة من مداخل جديدة، أعادت تحديد خصائصها وفواعلها وخطابها ونوعية الأولويات فيها، عوامل ثلاثة ترسم ملامحها.

تتقاطع مساحات السياسة بين عوامل ثلاثة:

  • طبيعة الدولة في أدوارها ووظائفها المعاصرة.
  • اقتصاد السوق أو الرأسمالية في مرحلتها التي تطورت إليها ذات الطبعة النيوليبرالية.
  • البعد الديني/ الثقافي.

التفاعل بين هذه المحددات الثلاثة ترسم أوضاعا جيوستراتيجية مستجدة ومتغيرة دائما. يتعامل البعض مع هذه العوامل باعتبارها مجالات منفصلة، وقليل من يدرك أن التطور فيها جميعا جوهره واحد، وهو المراوحة بين الوحدة وبين التجزئة أو التفسيخ.

في الوحدة نتكلم عن السيادة المطلقة للدول والسوق الواحد الذي تصنعه الدولة القومية والخطاب الديني الصحيح الذي يتضمن فهما وتفسيرا وحيدا للنصوص الدينية. وفق منطق التجزيء والتفسيخ فنحن مع سيادة ناعمة أو تلاشٍ للسيادة بالكلية بحكم العولمة وسلاسل التوريد ودور أكبر للمؤسسات المالية الدولية، وأسواق متعددة لا سوق واحدة، منها ما هو مندمج بالكلية في الرأسمالية والأسواق الدولية، ومنها ما لا يزال تقليديا يقدم خدماته لجمهور محلي ضيق.

أما الخطابات الدينية فانتفت منها عبارات القول السديد والقول الصحيح، ليتقدم القول المناسب الذي يتضمن التغير والتبدل والاختلاف على حسب أحوال الناس، لكن الأهم أن ما يحكمها هو النفع والعملية وفق منطق الاستهلاك. في التدين -كما في الدولة والاقتصاد- يسود منطق الاستهلاك، وعندما تتحدث عن الاستهلاك فأنت لا تتحدث عن مواطن في علاقته بالدولة، ولكن عن مستهلك أو زبون في علاقته بجهة الاستهلاك، ويتم وفقا له تسليع الرموز الدينية، حين يجري استهلاكها كبقية السلع المادية.

يتضافر مع هذا -بما يعمق التجزئة- أن العالم ومنذ سقوط الاتحاد السوفياتي في العقد الأخير من القرن العشرين، لم يعد يتعامل وفق منطق الأيديولوجيات الشاملة، ولكن قواه وموارده الآن تتوزع على ملفات أو قضايا واضحة ومحددة: حقوق الإنسان، البيئة والتغير المناخي، النوع الاجتماعي، مناهضة الفساد، والعنصرية… إلخ، وهي قضايا وإن تحولت إلى منظور متكامل إلا أن لكل منها منطقه الذاتي الذي يختلف عن القضايا الأخرى، والأهم أنها أنشأت ما بات يطلق عليه في أدبيات المجتمع المدني "أصحاب المصلحة"، أي الأطراف المهتمة والمتأثرة بالقضية مباشرة أو بطريق غير مباشر.

يتسم أصحاب المصلحة بالتغير وعدم الثبات وفق كل قضية، ولا ينفي ذلك التقاطع بينهم في أحيان، فأصحاب المصلحة في قضايا حقوق الإنسان يختلفون وقد يتقاطعون مع أصحاب المصلحة في قضايا البيئة، بل إن كل قضية فرعية تحت التصنيف العام تختلف أيضا، فمن يهتم بحرية التعبير قد يختلف ويتقاطع مع من يهتم بحرية الانتخابات، برغم أنهم جميعا يخدمون حقوق الإنسان، وخبرات هؤلاء ومهاراتهم بالتأكيد قد تختلف.

في هذه الملفات تذوب الحدود الفاصلة بين الداخل والخارج؛ فالتمييز لم يعد بين إطار وطني وغير وطني ولكن بين المهتمين بنفس القضية والمتأثرين بها في العالم كله، وفاعليتهم في خدمة القضية تتأتى من قدرتهم على بناء الشبكات العابرة للحدود الوطنية والأيديولوجية، وما يجمعهم من القيم والتقاليد والقواعد التي تحكم هذا المجال. فالحركة المصرية لحقوق الإنسان -مثلا- تضم ناشطين من خلفيات أيديولوجية متعددة، لكن القاسم المشترك بينهم هو ما يسود في هذه القضية من مرجعيات تحكمها.

ما نحب أن نؤكد عليه أن السياسة لم تعد تصنع في المؤسسات السياسية التقليدية فقط من أحزاب أو برلمانات أو حكومات، ولم يعد ينفرد فيها الرئيس أو الأمير والملك وزمرته الضيقة بالتقرير؛ بل تشترك فيها قوى وأطراف عديدة في الداخل والخارج. والملاحظ أن أصحاب المصلحة يقومون بالعديد من الأدوار التي اختصت بها المؤسسات السياسية التقليدية، من صياغة للقوانين والتشريعات واقتراح للسياسات والضغط لمنع إجراءات.

السياسة المستندة إلى أصحاب المصلحة تؤدي إلى نتيجتين هامتين، هما من خصائص السياسة في المستقبل:

الأولى: مزيد من المجموعات المشاركة في صنعها؛ وكأخوة يوسف فإنهم يدخلونها من أبواب متفرقة لا من باب واحد.

الثانية: أننا نلحظ بروز استقطابات جديدة بخلاف الاستقطاب الإسلامي العلماني الذي ساد على مدى العقود الأربعة الماضية. صحيح أن هناك من يريد أن ينفخ في الأخير لبقاء واستمرار وظيفته ومكانته وللتغطية على الاستقطابات الأخرى، ولكننا نجد أن الاستقطابات تنشأ وفق منطق كل قضية وليس وفق الاعتبارات الأيديولوجية كما كان سائدا من قبل، وهي ظاهرة يمكن أن نطلق عليها تشظي وسيولة الاستقطابات. وهنا نقطة جديرة بالنقاش، وهي ما يشير إليه البعض من أن القوى التي شاركت في الانتفاضات العربية لم تستطع أن تقدم بديلا متكاملا لصيغ الحكم القائمة، وعدها البعض نقطة ضعف أساسية عانى منها هذا الحراك، وفي هذا إغفال لأمرين هامين:

  1. انتفاء فكرة البديل الشامل الكامل.نحن بصدد ممارسة تراكمية تنتج نقلة نوعية ليس في اتجاه خطي ولكنه قد يسير في تعرجات متعددة، وقد يتقدم خطوة ويتراجع خطوات، كما في التجربة التونسية الآن. إن ما يجب أن نتابعه هو شيوع القيم التي يتحرك بها هذا النموذج والممارسات التي يتأسس عليها، وما يجري بينها من تناغم أو تناسق. ما نشهده هو مبادرات كثيرة تعبر عن طريقة تفكير مختلفة، وتخط لنفسها قيما بديلة السرديات الشائعة والمهيمنة.
    في خبرة الانتفاضات في المنطقة جرى دمج قضايا النساء ومطالبهن في المطالب العامة للحراك وليس بمعزل عنها؛ وتقدم لنا الخبرة الإيرانية ملمحا جديدا للعلاقة بين قضايا ومطالب التغيير: فمن خلال الانتهاكات التي تتعرض لها النساء يمكن استدعاء قضايا التغيير الأخرى، مثل التفاوتات في الفرص والدخول والحريات الفردية ووحشية الشرطة والأزمة الاقتصادية وبطالة الشباب والشابات… إلخ.ما يجب أن نلتفت إليه هو أن الدولة -أيضا- لم تعد تملك منطقا شاملا الآن، بل تتصرف وفق ما تقتضيه كل قضية وملف، وما يحركها أو يجمع شتاتها هو النمو الذي تحول إلى عدد من المؤشرات الكمية بغض النظر عن مدى تأثيره في تحسين نوعية الحياة.

    برغم ما تؤكده استطلاعات الرأي من زيادة نسب التدين عند الشباب العرب؛ فإن هذا الرجوع له سمات محددة تظهر في السياسة كما في الاقتصاد/ الاستهلاك، فهو: فردي، ويكتسب معنى روحانيا لا تغييريا في الغالب لمواجهة واقع ضاغط

  2. في الاستهلاك.
    يجري تجزيء المشروع الجماعي إلى عديد من المشاريع الفردية التي استوعبت كل طاقة الهيكل القديم، علاوة على ذلك، خرج هيكل جديد من الهيكل القديم. كل مؤسسة من مؤسسات الدولة -كما قدمت- لم تعد كما كانت يشدها إلى بعضها البعض منطق واحد شامل ويؤدي إلى تماسكها الداخلي؛ بل جرى تجزئتها أيضا لتتصرف باعتبارها مجموعات تتعارض مصالحها وقد تتقاطع.

وفق هذا المنطق التجزيئي تكون المبادرات في السياسة: لا مركزية، ومحلية، ومطالبها مباشرة (الحد الأدنى من الأجور)، وتدور حول خطاب المعاش والأسئلة الصغرى لا الكبرى… إلخ، لذا فإن الأيديولوجيا تختفي منها لتظهر القيم الهادية والحاكمة.

نقطة أخيرة؛ وهي بروز دور الفواعل الأخرى من غير الدول على المستوى المحلي والدولي والإقليمي، فوظيفة الأمن -على سبيل المثال- لم تعد توفره الحكومات بمفردها حتى في ظل الدول التي لم تنهر سلطتها، بل يجري ذلك بالشراكة مع أطراف أخرى على المستوى المحلي أو في مناطق معينة أو مستقلا عنها مثل شركات الأمن الخاص والمليشيات.

خلاصة هذه النقطة: من الخطأ أن نفكر في السياسة ونبحث عنها عند أطراف أو قوى أو في مجالات تضاؤل دورها، والأهم أن نسائلها وفق طريقة تفكير أقل ما توصف بأنها قديمة.

تآكل الهويات الوطنية والدينية

مزيد من اندماج الاقتصاد في الرأسمالية الدولية؛ مع غياب التصنيع والابتكار وغلبة الخدمات يجعل الحديث عن الهويات الوطنية أو الدينية يتراجع لصالح ثقافة السوق. وبرغم ما تؤكده استطلاعات الرأي من زيادة نسب التدين عند الشباب العرب؛ فإن هذا الرجوع له سمات محددة تظهر في السياسة كما في الاقتصاد/ الاستهلاك، فهو: فردي، ويكتسب معنى روحانيا لا تغييريا في الغالب لمواجهة واقع ضاغط، وليس له مركز/ مرجعية من المؤسسات الدينية التي لم تعد تتمتع بالثقة عند هؤلاء الشباب والشابات، ولا يوجد مجتهدون عظام أو دعاة محوريون يتابعونهم؛ فإحدى الكلمات المفتاحية فيه هي: الاستهلاك الشره للرموز والخطابات الدينية؛ وكذا الدعاة بما يشبه "الموضات" التي ما تكاد تشيع حتى تضمحل وتتلاشى.

ملاحظة أخرى وهي: أننا بتنا نشهد قيام الأنظمة المختلفة في المنطقة بإحياء هويات وطنية تضع الدولة فوق الجميع باعتبارها كيانا مصمتا لا ينعكس عليه تدافع مصالح الفئات الاجتماعية والاقتصادية المتباينة، وفي نفس الوقت نشهد زيادة في الجهات الفاعلة غير الحكومية القائمة على سياسات الهوية؛ حين سيطرت مجموعات على العراق وسوريا ولبنان واليمن، تولي درجات متفاوتة من الأهمية للإسلام السني والشيعي، بينما لا يزال القوميون الأكراد يهيمنون على المناطق الكردية في سوريا والعراق وتركيا.

إلا أننا نشهد -في مواجهة ذلك كله- ثلاث ظواهر متكاملة تلقي بظلالها على هذا الخطاب الوطني والهوياتي لتفرغه من مضمونه وتحوله إلى رطانات غرضها التحكم والسيطرة على المجتمع، كما تستخدم لإعادة تعريف العدو الذي يصبح في هذه الحالة "الإرهاب" الذي بات مفهوما غامضا يمكن أن تدخل فيه السلطة من تشاء، ومع عمليات إعادة تعريف العدو يمكن أن نخرج الكيان الصهيوني منه لنشهد التطبيع فيما أطلق عليه الاتفاقات الإبراهيمية:

1- مزيد من الاندماج في العولمة الاقتصادية والثقافية -أي مزيد من الانفتاح على العالم- بما يؤدي إلى التواصل مع العالم، وليس العزلة عنه، وخاصة مع مركزه الرأسمالي، الغرب.

2- ما يحكم البلدان المختلفة الآن هو النمو لا التنمية، والربح لا الخدمة، والريع لا التصنيع، والاستهلاك لا الإنتاج. إن تحليلا دقيقا لإستراتيجية 2030 أو 2050 التي تبنتها كثير من دول المنطقة، يلحظ أن ما يحكمها منطق النمو، وتتحدث عن مفاهيم غامضة مثل التنمية المستدامة وغيرها من المفاهيم المرتبطة بها مثل مكافحة الفقر والمساواة بين الذكر والأنثى، ولكنها تتحول في النهاية إلى مقاييس ومؤشرات لا رابط بينها، وفي أحيان يجري التلاعب بها لإظهار مدى التقدم الذي تحقق فيها، وإن ظل واقع الناس يزداد تدهورا.

3- لم تعد المؤسسات السياسية بما فيها الدولة نفسها تدور حول التمثيل الذي يتضمن وكالة شخص أو مؤسسة عن مجموع أو عدد من المواطنين، لأننا لم نعد بإزاء أشخاص تتوزع على طبقات وهياكل اجتماعية واضحة؛ وإنما بصدد أفراد مستهلكين ضمن سوق واسع.

الخلاصة: أننا لا نزال نستخدم مفاهيم لم تعد موجودة في الواقع، وإن وجدت فقد تبدلت معانيها واختلفت وظائفها، مثل: الدولة، المجتمع، الأحزاب، المواطن، الوطنية، الهوية… إلخ. هذه المفاهيم تشهد تحولات تكاد تعصف بها بما ينتفي معها المقومات الأساسية أو المنطق الكلي الذي يحدد ملامحها وكان يحكمها.

ويزيد المشهد تعقيدا التحولات التي تشهدها المرحلة الانتقالية التي تمر بها المنطقة، والتدافع الجاري بين القديم وبين الجديد، بالإضافة إلى الضجيج الذي يملأ الخطاب العام من حولنا فيزيدنا ارتباكا؛ فحديث عن الوطنية مع انفتاح على الرأسمالية الدولية، وصراع على من يمثل الإسلام المعتدل في وقت تعددت فيه الخطابات وتجاورت، وحديث عن المصلحة الوطنية باعتبار أن مقوماتها واضحة رغم منطق الربح الذي يحكمها… إلخ.

غنى المصريون مع عدوية للزحمة التي وصفوها بأنها بلا رحمة، وأخشى ما أخشاه أننا في هذه المرحلة فإن خطاباتنا تمتلئ بالزحمة التي لا ترحم تفكيرنا.