عودة حماس إلى الأسد بين السياسة والسياسة الشرعية (6)

صورة القيادي في حركة حماس خليل الحية (مواقع التواصل)

أخيرا تحول استئناف حركة حماس علاقتَها بنظام بشار الأسد إلى واقع بعد أن كان قرارا من طرف واحد. فلم يكد الجدل حول قرارها ينتهي حتى اشتعل مجددا إثر لقاء وفدها الأسد، وقد اتخذ الجدل مداخل متعددة، منها السياسيّ والأخلاقي والفقهيّ. وقد تناولت في مقالاتي السابقة جوانب مختلفة من الموضوع، شملت: العلاقة بين الديني والسياسي، ونقد تبريرات الحركيين، ومعايير تقويم الفعل السياسي، والركون إلى الظالمين وضرورات السياسة، وشرعية البيانات، وفي هذا المقال أناقش المنظور السياسي.

استجابت حماس لاشتراطات نظام الأسد في اختيار من يمثلها، وهو ما قد يفسر مبالغة خليل الحية -رئيس وفد حماس- في إظهار الفرح والتقرب من الأسد، سواء أثناء اللقاء أم في تصريحه الصحفي الذي اعتبر فيه أن اللقاء "تاريخي ودافئ"

لم تكن حماس وحدها في اللقاء المشار إليه؛ فقد حضرت إلى جانب ممثلي الفصائل الفلسطينية الأخرى، الأمر الذي أراد بعض "التبريريين" أن يستخدمه لدفع التهمة عنها والتخفيف من حدة الهجوم عليها وحدها، في حين أنه لم يتنبه إلى الدلالة السياسية لهذا الحدث، وهو أن حضور حماس كان هامشيا ضمن الوفد؛ رغم حرصها وسعيها إليه، فقد رأس الوفد الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي، وجلس إلى جانبي الأسد ممثلا حركتي الجهاد وفتح، بينما جلس ممثل حماس بعيدا.

كما أن حماس قد استجابت -من خلال تشكيل الوفد- لاشتراطات نظام الأسد في اختيار من يمثلها، الأمر الذي قد يفسر مبالغة خليل الحية -رئيس وفد حماس- في إظهار الفرح والتقرب من الأسد، سواء أثناء اللقاء أم في تصريحه الصحفي الذي اعتبر فيه أن اللقاء "تاريخي ودافئ"، وأنه "يوم مجيد"، وأظهر التطهر من ماضي القطيعة مع نظام الأسد؛ حين قال: "نحن نطوي أي فعل فردي خاطئ حصل في الماضي ضد سوريا".

ورغم أن الحية أقرّ بالفضل "للشعب السوري" الذي تشرذم بين نزوح ولجوء وقتل وسجن، فإنه قال: "هناك غاضبون وحزينون من هذا اللقاء. فليحزنوا وليغضبوا ونحن المنتصرون". ولكن الغاضبين هنا هم شرائح واسعة من الحاضنة الشعبية لحماس من السوريين والفلسطينيين وغيرهم، وهو ما جعل قاعدتها منقسمة اليوم كما لم تكن من قبل، وهي مفسدة كبرى ستؤثر على دعم القضية الفلسطينية نفسها، شعبيّا على الأقل.

غادرت حماس دمشق -بقيادة خالد مشعل- في 2012، وعادت الآن -تحت قيادة هنية- بشكل خجول وبطريقة بدت مهينة لها أمام نظام الأسد وقاعدتها الشعبية معًا، خصوصًا أن الحية صرّح في اللقاء نفسه أن قطر وتركيا باركتا الخطوة، ثم أُجبر -بعد ساعات- على نفي ذلك ببيان رسمي مكتوب، أكد فيه على أن قرار الحركة مستقل؛ لينفي عن الحركة تهمة عدم استقلالها في اتخاذ قرارها. وقد رأى بعض القريبين من حماس أن القرار إيراني أصالةً، ورعاه حزب الله منذ أشهر، ولا سيما أن حسن نصر الله كان قد صرح بأنه يحاول تقريب الهوة بين الطرفين، وأن الأمر سيستغرق وقتًا. وقد يبدو -من خلال بعض المصادر ومن تتبع تسلسل الأحداث منذ 2017- أن هذا التقارب قد تم بترتيب من قيادات في الحركة، أبرزها صالح العاروري وأسامة حمدان المقيمان في الضاحية الجنوبية للبنان، ويحيى السنوار المقيم في غزة، وقد انعكس هذا القرار الإيراني وتلك الرعاية من حزب الله في احتفاء قناتي الميادين والمنار التابعتين لإيران باللقاء، حيث تم التركيز على حماس تحديدًا من بين باقي الفصائل.

تواجه حركة حماس هنا سؤالين مركزيين جرى الخلط بينهما أو الالتفاف عليهما بكثير من السجال والمماحكات في الفترة الماضية، وخصوصا من المدافعين عن حماس والساعين لتبرير موقفها، وهما:

  • لماذا قررت حركة حماس بعد عقد من الزمان إعادة علاقتها بالنظام السوري؟
  • هل يجوز فعلها من الناحية الفقهية، وهل ينسجم مع مبادئها الأخلاقية التي أعلنت عنها، سواء في تصريحات قادتها أم في ميثاقها الصادر سنة 2017؟

السؤال الأول هنا سياسي؛ لأنه يتناول فهم الموقف وعلل التبدل من القطيعة التي دامت عقدا من الزمن إلى الوصل مجددًا. أما السؤال الثاني فهو سؤال مركب يتناول الجانبين الفقهي والأخلاقي؛ لأنه يتناول التقويم المعياري للفعل السياسي بالنظر إلى المرجعية الدينية والأخلاقية لحركة حماس "الإسلامية"، كما يتناول مدى اتساق مبادئها المنصوص عليها في وثيقتها المعلنة مع ممارستها.

وقد يتم الخلط بين السؤالين السابقين أو تجاوزهما أحيانا؛ بدافع التبرير لحماس أو الهجوم عليها. فمن يبرر لا ينشغل بمحاولة فهم ما يجري أصلاً، ومن ينشغل بالفهم والتفسير فقط غير معني بالتقويم. وهناك من يناور -متذبذبا- عبر التنقل بين الأمرين بطريقة مجتزأة؛ لأنه مشغول بالدفاع المبطن ويريد -في الوقت نفسه- أن يظهر بمظهر المراقب الحيادي.

لا شك أننا -إذن- أمام فعل سياسي بامتياز، وهذا الفعل يتطلب الفهم والتحليل أولاً، ثم التقويم ثانيا، ويمكن الاكتفاء بالأول للمشتغلين بالتحليل السياسي، ولكن لا يمكن القيام بالثاني من دون إنجاز الأول، وقد خاض عدد ممن المدافعين عن حماس في الثاني دون إلمام بالأول. ولكن السياسة لها مقتضيات عدة يجعلها تتقاطع مع الأخلاق في منظوري على الأقل، وتتمثل هذه المقتضيات في الآتي:

  • فهم الفعل السياسي وتفسير دوافعه وحيثياته، وعمادها جمع المعلومات والربط بين الأحداث (وهو ما يسميه الفقهاء عادة تصور الواقع تصورا صحيحًا).
  • تقدير الموقف، ويتأسس على الفهم والتفسير ليربط بين التاريخ القريب وتحديد السيناريوهات المحتملة (استشراف المستقبل القريب).
  • التقويم النقدي الذي هو نتاج المسؤولية عن الفعل السياسي من جهة، وعمومية هذا الفعل الذي يمس أطرافًا عديدة من جهة أخرى، ومن ثم فهي شريكة في تقويمه أيضًا، الأمر الذي يعطي الحق المتساوي لكل الأطراف المشتركة أو المتضررة من الفعل بالمساهمة في تقويمه. وبناء على هذا، تُظهر موجة التحقير لأي نقد وُجه لحركة حماس مؤخرًا نوع الثقافة السياسية التي يُشيعها بعض الإسلاميين الحزبيين؛ فهي نتاج تصور سياسي يقوم على مفهوم "الرعية"، في مقابل تصور سياسي نقيض له يقوم على التفكير النقدي والثقافة الديمقراطية التي سعت إليها الثورات العربية.

سأركز -فيما تبقى من هذا المقال- على النقطة الأولى فقط؛ لأنني عالجت في مقالاتي السابقة زوايا أخرى من الموضوع؛ لأنني رأيت أن جوهر الإشكال عند المبررين أو المدافعين هو في القفز على الفهم والتفسير على الشرط السابق.

مع بداية الثورة السورية، أعلنت حماس في بيانها الصادر في أبريل/نيسان 2011 أن "ما يجري في الشأن الداخلي يخص الإخوة في سوريا، إلا أننا في حركة حماس، وانطلاقاً من مبادئنا التي تحترم إرادة الشعوب العربية والإسلامية وتطلعاتها، فإننا نأمل بتجاوز الظرف الراهن؛ بما يحقق تطلعات الشعب السوري وأمانيه، وبما يحفظ استقرار سوريا وتماسكها الداخلي، ويعزز دورها في صف المواجهة والممانعة". ثم في شباط/فبراير 2012، صرّح موسى أبو مرزوق -نائب رئيس المكتب السياسي للحركة حينها- أن الحركة غادرت سوريا؛ احتجاجًا على "الحملة الوحشية التي يشنها نظام الرئيس بشار الأسد ضد معارضيه"، بينما صرح خالد مشعل رئيس المكتب في العام نفسه أن الحركة "ترحب بثورة الشعب السوري الذي يسعى نحو الحرية، وأن تتوقف هذه الدماء الزكية من هذا الشعب العظيم". تُحيل هذه التصريحات إلى موقف مبدئي من الحركة تجاه مطالب الشعب السوري من جهة، وضد سفك الدماء من جهة أخرى، الأمر الذي صاغه إسماعيل هنية -فيما بعد في 2013- بقوله وهو في غزة: "لا يمكن أن نكون إلى جانب نظام يقتل شعبه. ومن وقف معنا في الحق لا نقف معه في الباطل".

ولكن هذا الموقف المبدئي كان وراءه دوافع إضافية؛ إذ إن نظام الأسد مارس ضغوطا على حركات المقاومة في دمشق لأجل الوقوف معه ضد المظاهرات؛ فلم يرض منها مجرّد الصمت عما يجري بحجة أن هذا شأن داخلي سوري، ولا سيما أن إحدى حججه المركزية التي استعملها لوأد الثورة هي المؤامرة الكونية ضده؛ لأنه داعم للمقاومة ضد إسرائيل. وقد تحدّث عن تلك الضغوط من النظام على المقاومة أحد قيادات حماس في بعض اللقاءات الخاصة، وأخبرني بذلك أيضًا الدكتور رمضان عبد الله شلح -رحمه الله- في أغسطس/آب 2011. بل إن الأسد كان قد أحال -في 2013- بداية تدهور العلاقة وفقدان الثقة بين نظامه وحماس، إلى أنها "بخلت علينا برد على القرضاوي" الذي أوجع دعمه للثورة النظام السوري، وهو الذي سخر كل مشايخه لتطويق المظاهرات وتحريمها.

حماس بقرارها الأخير لم تفلح في إقامة التوازن بين متطلبات القضية الفلسطينية، ومصلحة الأمة، بل تسببت بهذا القرار في الانقسام داخل قاعدتها نفسها

وقد استمرت حماس -رسميًّا- على هذا الموقف المؤيد للثورة السورية حتى عام 2019 على الأقل؛ إذ صرّح نايف الرجوب -القيادي في الحركة في الضفة الغربية- أن "العلاقات مع النظام السوري لن تعود، والنظام السوري الحالي لم يعد له أي وزن أو قيمة. ومن الخطأ التعويل عليه أو التقرب منه". ولكن هذا الخطأ سيتحول إلى صواب (إن لم يكن أصوب في نظر المبرّرين)، وذلك المبدأ سيتحول -بالتدريج- إلى برغماتية محضة ما بين 2017 و2022، مع ظهور أصوات في الحركة تطالب بترميم علاقة الحركة بمحور إيران سوريا، ومع تغير القيادة. ويمكن توضيح ذلك من خلال أمرين:

  • الأول: التغييرات التي طرأت على قيادة الحركة، ففي فبراير/شباط 2017 وصل يحيى السنوار إلى رئاسة المكتب السياسي للحركة في قطاع غزة (وعُين خليل الحية نائبا له)، كما تم انتخاب إسماعيل هنية في مايو/أيار 2017 رئيسًا للمكتب السياسي خلفًا لمشعل، وفي أكتوبر/تشرين الأول 2017 تم انتخاب العاروري نائبا لرئيس المكتب السياسي.
  • الثاني: تغير سياسة الحركة منذ 2017؛ فقد بدا ثمة هيمنة واضحة لقطاع غزة، سواء في القيادة الجديدة للحركة أم على مستوى سياسة الحركة وتحركاتها التي تقترب جدًّا من محور "إيران سوريا حزب الله" على المستوى السياسي (لا مجرد الدعم المالي والعسكري وهو الأمر الذي أثار تساؤلات عن شروط الدعم وإكراهاته). ففي 2017 كال السنوار المديح لإيران لدعمها الحركة، وتبع ذلك زيارة وفد من الحركة إلى طهران في العام نفسه. وفي 2018، تباهى السنوار بالتنسيق مع إيران وحزب الله بشكل يومي؛ رغم أن ذلك حُمل على الدعاية السياسية ليس إلا. وفي 2020، وصف هنية قاسم سليماني القائد السابق لفيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني، والذي كان يخوض عمليات القتل والتهجير في سوريا والعراق، بأنه "شهيد القدس". وفي مايو/أيار 2021، حيا أسامة حمدان بشار الأسد وأشاد بموقفه الداعم للمقاومة الفلسطينية. وفي 2021، كرم معاذ أبو شمالة ممثل حماس في اليمن، محمد علي الحوثي أحد قيادات جماعة الحوثي في اليمن. وقد استمرت هذه السياسة على هذه الوتيرة وصولا إلى التطورات التي برزت إلى العلن خلال الأشهر القليلة الماضية، والتي تُوّجت باللقاء الذي تم قبل أيام.

مقولات المصلحة السائلة، والضرورة التعبدية غير المعللة، وأهل الثقة، وأنه لا يفتي قاعد لمجاهد، وإلزام الناقدين بإلزامات لا تلزمهم ولم يقولوا بها أصلا، ومظلومية الحصار وتكالب الدول، وإطلاق أحكام مرسلة كعدم وجود بديل سوى الهلاك، وتسمية كل ذلك "سياسة شرعية"، هو تعطيل للفكر السياسي أصلا لدواع حزبية أو تبريرية

ولكن هذا التحول في سياسة الحركة، الذي بدأ بالتزامن مع إقرار ميثاق حماس الجديد في مايو/أيار 2017، كشف عن توترات بين بعض بنود ميثاق الحركة ومبادئها من جهة، وبين سياسة الحركة الجديدة التي أعقبت إقرار الميثاق الذي تم إعداده في ظل القيادة السابقة من جهة أخرى. فمن اللافت أن البنود رقم (9، 37، 38، 40، 41) تضمنت أمورًا تتعارض -تمامًا- مع المآل الذي آلت إليه السياسة العملية للحركة وصولاً إلى لقاء الأسد، وهي كالآتي:

  • الأول: تنص الوثيقة على أن حماس تؤمن بأن "رسالة الإسلام جاءت بقيم الحق والعدل والحرية والكرامة، وتحريم الظلم بأشكاله كافة، وتجريم الظالم؛ مهما كان دينه أو عرقه أو جنسه أو جنسيته"، وأن الإسلام هو "الدين الذي يربي أتباعه على رد العدوان والانتصار للمظلومين، ويحثّهم على البذل والعطاء والتضحية؛ دفاعاً عن كرامتهم وأرضهم وشعوبهم ومقدساتهم". ولا شك أن "تجريم الظالم" كائنا من كان، و"الانتصار للمظلومين" يتعارض تماما مع عودتها إلى دمشق وكيلها المديح المستمر لإيران وتكريمها للحوثيين، وإذا كانت بوابة غزة الوحيدة هي على مصر قد أباحت لها تطبيع العلاقة مع السيسي لأغراض أمنية وضرورات معيشية، فإن الصورة لا تبدو كذلك بالنسبة لعلاقاتها الأخرى أو لكيفية إدارتها لعلاقاتها على الأقل.
  • الثاني: تنص الوثيقة على أن حماس تؤمن "في علاقاتها مع دول العالم وشعوبه، بقيم التعاون، والعدالة، والحرية، واحترام إرادة الشعوب"، وأن دعم قضيتها "تفرضها مقتضيات الحق والعدل والقيم الإنسانية المشتركة"، ويلزمها على هذا أن تساوي بين قضيتها وقضايا الشعوب الأخرى التي تشترك معها في المبادئ نفسها، ولكن عدم مبالاة حماس بغضب من غضب، وإدارتها للعلاقة مع النظام السوري وإيران تعكس تمييزًا بين القضايا وتفريقًا بين الشعوب.
  • الثالث: تنص الوثيقة على أن حماس "ترفض التدخل في الشؤون الداخلية للدول"، وأنها تسعى إلى "بناء علاقات متوازنة يكون معيارُها الجمعَ بين متطلبات القضية الفلسطينية ومصلحة الشعب الفلسطيني، وبين مصلحة الأمَّة ونهضتها وأمنها". وهنا يتم الخلط عادة بين "الشؤون الداخلية" التي هي مسائل تدبيرية وسياسية، وبين القضايا الأخلاقية الضرورية التي تتناول سفك الدماء وهتك الأعراض والتهجير والإخراج من الديار، كما حصل في سوريا، والغريب أن بعض المشتغلين بمقاصد الشريعة ممن يبررون لحماس، لم يتنبه إلى هذا الفرق! كما أن حماس بقرارها الأخير لم تفلح في إقامة التوازن بين متطلبات القضية الفلسطينية، ومصلحة الأمة، بل تسببت بهذا القرار في الانقسام داخل قاعدتها نفسها.
  • الرابع: تنص الوثيقة على أن حماس "تدين دعمَ أيّ جهة أو طرف للكيان الصهيوني، أو التغطية على جرائمه وعدوانه على الفلسطينيين، وتدعو إلى ملاحقة مجرمي الحرب الصهاينة"، ولكنها في المقابل تسهم بشكل مباشر أو غير مباشر في التغطية على جرائم إيران والنظام السوري في بعض دول المنطقة، من خلال منح سليماني درجة شهيد القدس والتطبيع مع نظام الأسد الذي ترفض دول عديدة إعادته إلى جامعة الدول العربية وإعادة تدويره.

ندرك جيدا أن العلاقات -في ميزان السياسة- لا تعني التطابق في وجهات النظر؛ وإنما تقوم على علاقات مصلحية متبادلة، ولكن أداء قيادة حماس وتصريحاتها تميل باتجاه أمرين:

  • الأول: استثمار داعميها فيها، واستمالتهم لها للتغطية على سياستهم عبر كيل المديح لها، وإضفاء الشرعية عليهم المرة تلو الأخرى. وهذا لا تنطبق عليه معايير العمل السياسي الذي يكون -عادة- بين الدول. أما العلاقة بين دولة وحركة دون الدولة ومنقسمة داخليًّا؛ نتيجة البيروقراطية التي أوجدها الدعم الإيراني، فلا بد أن يغيب عنها التكافؤ والاستقلالية التي تمكّن من الوفاء بالمبادئ.
  • الثاني: أن العلاقات السياسية التي هي بالضرورة مصلحية (بالمعنى السياسي لا بالمعنى الشرعي)، تفرض تقديرات خاطئة؛ نتيجة عوامل مختلفة، منها أن لدى بعض القيادات تحيزاتهم الشخصية والمناطقية، كما لهم رؤاهم التي تستحق الوقفة النقدية من المحبين والمخلصين لتقويم المسار الذي بدأ يتغير منذ 2017. أما التغطية على هذه المعطيات بالخطابيات التي يميل إليها بعض المتحمسين ممن وقعوا أسرى ثنائية الهجوم على حماس والدفاع عنها، فهذا بعيد عن الفهم والتفسير فضلاً عن التقويم كما سبق.
    وقد دفعت حماسة الدفاع بعضهم إلى ادعاء أن اجتهادات حماس "دائرة بين الصواب والأصوب، وبين الحسن والأحسن"؛ رغم أن الاجتهاد الفقهي نفسه يدور بين الصواب والخطأ، فما بالك بالاجتهاد السياسي؟. وهذا مسلك يتورط في العصمة "لأهل الثقة"؛ إذ يكاد يقدس العمل السياسي، فأهل الثقة -عنده- غير مطالبين حتى ببيان حججهم ومسوغات اجتهادهم في مسائل الشأن العام. وفي المقابل شطح بعض الناقدين لحماس فأدخل المسألة في باب الإيمان والكفر أو التخوين!

يضاف إلى الاعتبارات الثلاثة السابقة للفعل السياسي (التفسير، وتقدير الموقف، والتقويم النقدي)، أن الفعل السياسي يتسم بمرونة في الخيارات لا مرونة في "التبريرات"، أي أن ثمة -دومًا- هامشًا للمناورة، ودبلوماسية مرنة في التعبير عن المصالح السياسية بعيدًا عن التذلل والخضوع بالقول لمطالب أو ضغوط الداعمين. كما أن الفعل السياسي ينطوي -دومًا- على تناقضات بين المبادئ والمصالح، ومن ثم يُفترض بالعمل السياسي الإسلامي أن ينشغل -دومًا- بتحديد المعايير التي يحتكم إليها في حل هذه التناقضات؛ بدل المكابرة في نفي وجودها أو التبرير الكسول بمقولات سائلة وغائمة كالضرورة والمصلحة؛ من دون الخوض في تفاصيل من يقدرها، ومنهجية تقديرها، ودرجة ثبوتها، بل تقديم مسوغات القرار للقاعدة الشعبية بدل أن يكون ثمة فصام بين من يتخذ القرار ومن يخترع له المبررات!

وفي الختام، فإن مقولات المصلحة السائلة، والضرورة التعبدية غير المعللة، وأهل الثقة، وأنه لا يفتي قاعد لمجاهد، وإلزام الناقدين بإلزامات لا تلزمهم ولم يقولوا بها أصلاً، ومظلومية الحصار وتكالب الدول، وإطلاق أحكام مرسلة كعدم وجود بديل سوى الهلاك، وتسمية كل ذلك "سياسة شرعية"، هو تعطيل للفكر السياسي أصلاً لدواع حزبية أو تبريرية، حيث تغيب الحجج والمعايير التي يتم الاحتكام إليها، فضلاً عن مناقشة الأسئلة المطروحة بجدية ومنهجية.