هل فقدت أميركا قوتها الناعمة؟

جو بايدن (الفرنسية)
جو بايدن (الفرنسية)

يحتل جوزيف ناي مكانة مهمة في السياسة الأميركية، وفي التخطيط الإستراتيجي لسياساتها الخارجية وبناء علاقاتها الدولية، ولقد شغل كثيرا من الوظائف، ومن أهمها عمادة "كلية جون كينيدي للحكم" في جامعة هارفارد، ومساعد وزير الدفاع في حكومة بيل كلينتون، وهو صاحب نظرية "القوة الناعمة" التي أصبحت ذات مكانة مهمة في عملية صنع السياسة الخارجية، ولذلك تهتم وسائل الإعلام الأميركية بآرائه.

وكان من أهم الآراء التي عبر عنها جوزيف ناي -والتي شكلت مفاجأة قاسية للجمهور الأميركي- أن القوة الناعمة الأميركية تدهورت في عهد ترامب، وأن قدرة أميركا على تحقيق أهدافها بدون استخدام وسائل القوة الصلبة تناقصت.. لماذا؟!

غرور القوة الأميركية

لقد ساد الاعتقاد لدى ترامب وحكومته أن الولايات المتحدة قوية إلى الحد الذي يجعلها تحقق ما تريد بدون رضاء العالم، أو موافقة أي دولة أخرى، وأنها القوة العظمى التي لا تحتاج إلى حلفاء دائمين.

لقد أوضحت استطلاعات الرأي تزايد العداء لأميركا خلال السنوات الأخيرة، وارتبط ذلك بتناقص شرعية السياسات الأميركية وقدرتها على جذب الآخرين بقيمها.

هذا الاتجاه الذي ظهر في الأمم المتحدة يحمل دلالات أخطر، وهي أن الرأي العام العالمي يتحول ضد الولايات المتحدة، وأن الفجوة تتسع بينها وبين بقية دول العالم، وذلك بسبب السياسات الأميركية القائمة على استخدامها لقوتها الصلبة في قهر الشعوب، وأن العداء لأميركا يتم ترجمته إلى أصوات معارضة للسياسات الأميركية في المنظمات الدولية.

لذلك، بدأ علماء وباحثون أميركيون آخرون يحذرون من خطورة ظاهرة العداء لأميركا، ويبحثون أسباب تزايدها. وكان من أهم النتائج التي توصلوا لها أن استخدام أميركا لقوتها الصلبة في قهر الدول والسيطرة عليها من أهم أسباب تزايد العداء لأميركا.

تناقص الشرعية والثقة

ومن أبرز هؤلاء الباحثين مونتي ناريان داتا الذي أوضح في رسالته للدكتوراه العلاقة بين تناقص شرعية السياسات الأميركية والثقة فيها وزيادة العداء لأميركا، وهذه العلاقة سيكون لها تأثير سلبي على مستقبل أميركا، وأن أميركا تحتاج إلى مناقشة حرة بين السياسيين والمثقفين للتوصل إلى حلول لهذه المشكلة، ومواجهة التحديات التي تفرضها. وهذه المناقشة يجب أن يسبقها إجراء استطلاعات للرأي العام حول السياسة الخارجية الأميركية.

وأشارت دراسة أخرى إلى خطورة تزايد حدة العداء لأميركا في أوروبا، واستخدام المرشحين في أوروبا خطاب العداء لأميركا في حملاتهم الانتخابية خاصة في ألمانيا.

وهذا يوضح أن السياسيين في الكثير من الدول يمكن أن يستخدموا العواطف المعادية لأميركا لزيادة شعبيتهم والوصول إلى الحكم، وبدأ هذا الاتجاه يؤثر على الانتماء لحلف شمال الأطلسي "الناتو"، واعتبار أن الاتحاد الأوروبي يشكل بديلا لذلك الحلف.

ويشير ذلك إلى أن تدهور القوة الناعمة قد يقود في النهاية إلى ضعف القوة الصلبة، والتأثير على قدرة الولايات المتحدة على بناء التحالفات.

هناك أدلة أخرى على أن الخطاب المعادي لأميركا يمكن أن يكون الطريق لكسب قلوب الشعوب، والتأثير على اتجاهاتها في الانتخابات، وكان ذلك واضحا في باكستان.

مستقبل الأمم المتحدة

يشير جوزيف ناي وريتشارد أرميتاج إلى أن تأثير ظاهرة العداء لأميركا يمكن أن يمتد إلى الأمم المتحدة التي أصبحت الشعوب تنظر إليها على أنها أداة تستخدمها الولايات المتحدة لتحقيق أهدافها وفرض سياساتها؛ ولذلك بدأت بعض الدول تعبر في الجمعية العمومية للأمم المتحدة عن رفضها لاستخدام القوة الأميركية.

هذا الاتجاه الذي ظهر في الأمم المتحدة يحمل دلالات أخطر، وهي أن الرأي العام العالمي يتحول ضد الولايات المتحدة، وأن الفجوة تتسع بينها وبين بقية دول العالم، وذلك بسبب السياسات الأميركية القائمة على استخدامها لقوتها الصلبة في قهر الشعوب، وأن العداء لأميركا يتم ترجمته إلى أصوات معارضة للسياسات الأميركية في المنظمات الدولية.

إن أهم أسباب تزايد حدة العداء للولايات المتحدة هو تبنيها فكرة أنها القوة العظمى الوحيدة في هذا العالم، لذلك بدأت معارضة الدول لهذه الفكرة تتزايد، وأن العالم يحتاج إلى توازن ناعم مع القوة الأميركية في المنظمات الدولية.

وحتى الدول المتحالفة مع أميركا بدأت تشعر بحاجتها إلى التوصل لترتيبات دبلوماسية مع دول أخرى لمواجهة الهيمنة الأميركية.

نظام عالمي جديد

اعتبرت جريدة "نيويورك تايمز" أن تعاون الدول الدبلوماسي لمواجهة السيطرة الأميركية، وبحث هذه الدول عن بديل لسياسات الولايات المتحدة يعني أن نظاما عالميا جديدا قد وصل.

إن الأمم المتحدة لها أهمية كبيرة بالنسبة للولايات المتحدة؛ لذلك يجب عليها أن تراجع حساباتها حتى لا تهدد مستقبل هذه المنظمة بإصرارها على السيطرة عليها في الوقت الذي تتزايد فيه حاجة الدول إلى تحقيق توازن داخل المنظمة.

إن أميركا تستفيد من الأمم المتحدة في إضفاء الشرعية على سياساتها وأعمالها، لذلك فإن إضعاف المنظمة يقلل من شرعية السياسة الأميركية، ويضيف كثيرا من الأعباء الاقتصادية عليها.

لا تهمنا القوة الناعمة

في عهد ترامب، بدأت أركان إدارته تردد أن القوة الناعمة غير مهمة، ما دام أن أميركا تستطيع تحقيق أهدافها باستخدام قوتها الصلبة.

كما عبر ترامب عن عدم اهتمامه بالدبلوماسية العامة، لذلك شهد عهد ترامب تراجعا ملحوظا في اهتمام الولايات المتحدة بتطوير علاقاتها مع الشعوب، اعتمادا على أن علاقاتها مع نظم حكم التابعة لها تحقق لها النتائج التي تريدها.

وقد أسهمت تغريدات ترامب في تناقص مصداقية أميركا وتدهور قوتها الناعمة، فكثير من هذه التغريدات تعبر عن غرور القوة، والمعايير المزدوجة، ومبنية على رؤية ضيقة للمصالح القومية الأميركية.

أدى ذلك إلى تناقص جاذبية السياسة الأميركية، وعدم الثقة في القيم التي تعبر عنها؛ فلقد كان من الواضح أن الولايات المتحدة لا يهمها سوى تحقيق مصالحها عن طريق التحالف مع نظم ديكتاتورية تنتهك حقوق الإنسان.

لذلك فقدت الولايات المتحدة مكانتها بوصفها قوة ناعمة عظمى، نتيجة وضوح النفاق في سياساتها، ومشاركتها في إجهاض التجارب الديمقراطية للدول، ومنع الشعوب من تقرير مصائرها والتعبير عن إرادتها.

وحالة مصر توضح ذلك، حيث أجهضت أميركا التجربة الديمقراطية، ولم تهتم بمشاعر المصريين الذين تزايدت كراهيتهم لأميركا.

يضاف إلى ذلك أن قيام ترامب بالإعلان عن صفقة القرن -التي تعبر عن حالة غطرسة أميركية إسرائيلية- أدى إلى تزايد المشاعر المعادية للولايات المتحدة في الدول العربية، ولكن لم تستطع الشعوب التعبير عن تلك المشاعر نتيجة تقييد السلطات لحرية الإعلام، واستخدام القوة الغاشمة في قهر الشعوب. وهذه المشاعر تشكل رأيا عاما كامنا يمكن أن يعبر عن نفسه خلال الأعوام القادمة، وربما يكون التعبير مفاجئا وعنيفا.

لقد أوضح سلوك ترامب أن أميركا تقيم علاقاتها الدولية على أساس مصالحها ورغبتها في السيطرة على الدول، وليس على أساس المبادئ والقيم.

ولقد استطاعت أميركا أن تحقق كثيرا من المنافع المادية، وتفرض التبعية على الدول، لكن جاذبية أميركا بوصفها نموذجا للحكم تناقصت، وتدهورت قوتها الناعمة الناتجة عن القدرة على التأثير والإقناع.

الانقسام وتشويه الصورة

ولقد أسهم ترامب -بعد الانتخابات الرئاسية- في تشويه صورة أميركا وسمعتها بوصفها دولة ديمقراطية، حيث دفع الشعب الأميركي للانقسام، وشجع المؤيدين له على الاعتداء على الكونغرس، وهو مشهد أدى إلى تناقص انبهار الشعوب بالنموذج الديمقراطي الأميركي.

لقد قام ترامب -كما يري جوزيف ناي- بكثير من الأعمال التي أدت إلى تدهور القوة الأميركية الناعمة؛ إذ أوضح استطلاع أجراه معهد غالوب أن 30% فقط من عينة تم استطلاع آرائها في 134 دولة تؤيد السياسات الأميركية، ولديها اتجاهات إيجابية نحو أميركا، وهذا يعني أن نسبة الذين لديهم اتجاهات إيجابية نحو أميركا تناقصت بنحو 20% منذ عهد أوباما.

هذا يعني أن أميركا فقدت 20% من مؤيديها على المستوى العالمي خلال عهد ترامب.

نتائج "أميركا أولا"

ولقد كان من أهم أسباب تدهور القوة الناعمة الأميركية سياسة "أميركا أولا" التي تبناها ترامب، والتي تقوم على قهر الشعوب و"حلب" الدول -حسب تعبيره- بدلا من التركيز على القيم الديمقراطية، وجذب الدول لتبنيها.

ولقد كان من الواضح أن أميركا تخلت عن الديمقراطية وحقوق الإنسان وحرية الإعلام، وبذلك قلل ترامب جاذبية الثقافة والسياسة الأميركية. فهل يمكن أن يصدق أحد أفلام هوليود التي تصور أميركا دولة الديمقراطية والرفاهية وحقوق الإنسان، بينما يشاهد غطرسة ترامب وتعاليه وتحالفه مع الحكام المستبدين لينهب ثروات الشعوب؟!

إن هوليود تقوم بإنتاج أفلام جذابة تهدف إلى دفع العالم للإعجاب بأميركا (دولة وثقافة)، لكن السلوك السياسي الأميركي في عهد ترامب يدمر مصداقية تلك الأفلام، ويوضح الغطرسة والاستكبار وغرور القوة واستخدام المعايير المزدوجة لتحقيق المصالح المادية، وإهدار المبادئ والقيم. فهل تنجح أميركا في استعادة قوتها الناعمة بعد ترامب، وهل ينجح بايدن في إقناع شعوب العالم بأن أميركا يمكن أن تدافع عن الديمقراطية وحقوق الإنسان، وأنها ما زالت تستحق الإعجاب.

إن التحدي الذي يواجهه بايدن أكبر من قدرته؛ فهو يحتاج إلى شجاعة وحكمة وقدرة على التحكم في استخدام القوة الصلبة، وإعلاء القيم والمبادئ، واحترام حق الشعوب في تقرير مصائرها، وإقامة نظمها الديمقراطية، والتحرر من التبعية لأميركا. فهل يستطيع بايدن أن يواجه التحدي؟!



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة