الحراك الأمازيغي بالجزائر.. مطالب ثقافية أم أجندة سياسية؟

احتجاجات سابقة في منطقة القبائل الأمازيغية بالجزائر (الجزيرة)
احتجاجات سابقة في منطقة القبائل الأمازيغية بالجزائر (الجزيرة)

عبد الحميد بن محمد-الجزائر

عادت الاحتجاجات والمظاهرات قبل أيام إلى مدن منطقة القبائل بالجزائر التي تضم حوالي أربع محافظات في وسط البلاد وشرقها.
 
وتندد الاحتجاجات -التي انطلقت من جامعة بجاية قبل أن تنتقل إلى محافظات مجاورة- برفض البرلمان مقترحا قدمته النائبة عن حزب العمال نادية شويتم، بإضافة مادة في موازنة 2018 تخصص لتعميم استعمال اللغة الأمازيغية.

ويطالب المحتجون بتعميم تعليم اللغة الأمازيغية في كافة محافظات البلاد، وعدم الاكتفاء بحوالي ثلاثين محافظة كما هو عليه الأمر حاليا، حيث يجري تدريسها اختياريا في المدارس.

أحمد أويحيى: الأمازيغية تدرّس في 38 محافظة وسبع جامعات (الجزيرة)

وردا على هذه الاحتجاجات، حمّل رئيس الوزراء أحمد أويحيى المسؤولية لأطراف قال "إنها حاولت الزج بمنطقة القبائل في الفوضى"، مشيرا إلى أن اللغة الأمازيغية تدرّس في 38 محافظة وفي سبع جامعات جزائرية، ولها عشرة مراكز للبحث.

ويعتبر الشاب العشريني أكلي نوميد -وهو من سكان بلدة أزفون في منطقة القبائل- أن الحراك الشعبي الجديد فرصة للضغط على الحكومة، من أجل إدراج تعليم الأمازيغية في كافة المدارس واستخدامها في كل الهيئات الرسمية.

ويقول أكدي للجزيرة نت إن سكان منطقة القبائل أجبروا على تعلم اللغة العربية، "رغم أننا منذ الولادة لا نتلكم سوى الأمازيغية، لكن في الأخير تعلمنا العربية وبرعنا فيها مثل بقية اللغات الأجنبية".

صعود الانفصاليين
وفي تعديلها للدستور عام 2002، أدخلت الحكومة مادة جديدة نصت لأول مرة على أن اللغة الأمازيغية لغة وطنية، وجعلتها في التعديل الدستوري عام 2016 لغة رسمية. ويرى باحثون أن الاعتراف بالأمازيغية لغة وطنية وإعطاءها الصفة القانونية والدستورية بجعلها لغة رسمية، يعني أنها أصيلة في البلد ونابعة منه وليست لغة دخيلة عليه أو واردة إليه.

المحتجون في منطقة القبائل يطالبون بتفعيل البنود الدستورية المتعلقة باللغة الأمازيغية (الجزيرة)

وتعود جذور المسألة الأمازيغية إلى عام 1948، حينما تسبب طرحها في أزمة داخل حزب الشعب الجزائري -الذي كان يستعد يومها لإعلان ثورة تحرير البلاد من الاحتلال الفرنسي- عرفت بـ"الأزمة البربرية".

وبعد استقلال الجزائر عام 1962، تفجرت مواجهات عنيفة بين الشرطة وسكان مدينة تيزي وزو عام 1980، سرعان ما تحولت لاحتجاجات قادها تنظيم يعرف بالحركة الثقافية البربرية للمطالبة بالاعتراف بالهوية الأمازيغية.

وتأججت الاحتجاجات أكثر في ربيع عام 2001 بعد مقتل الشاب ماسينيسا (19عاما) داخل مركز للشرطة، حيث تحولت المطالب بمعاقبة المتسببين في مقتل الشاب إلى مظاهرات واحتجاجات قادتها تنظيمات عشائرية تسمى "العروش"، استمرت شهورا وخلفت مئات القتلى والجرحى.

ويؤكد الكاتب الصحفي حسن والي -للجزيرة نت- أن المظاهرات الجديدة التي اندلعت هذه المرة لم تكن متوقعة أو منتظرة، ويقول إن المطالبة بالهوية الأمازيغية لها قدرة على تعبئة الشارع لامتلاك المنطقة تقاليد تاريخية وأطرا اجتماعية عريقة، في إشارة إلى احتجاجات 1980 ثم 2001، وما تملكه المنطقة من جمعيات ومنظمات مدنية تناضل من أجل القضية الأمازيغية.

ويتقاطع الحراك "الهوياتي" في منطقة القبائل مع مطالب اجتماعية واقتصادية مطروحة في الساحة الجزائرية، حيث يرى والي أن "لا تناقض بين مطلب منطقة القبائل وبقية المطالب الأخرى المتعلقة بالحريات والديمقراطية والأوضاع الاقتصادية والاجتماعية لعموم الشعب".

الأمازيغية والديمقراطية
ويرى والي أن الحراك في منطقة القبائل أثبت قدرة مطلب الهوية الأمازيغي على تعبئة الشارع، ويقول "رأينا نقابيين وسياسيين وغيرهم يقولون إن المطلب مرتبط ببقية المطالب التي يلتقي حولها كل الجزائريين مثل الديمقراطية".

ويربط والي تطور الحركة الاحتجاجية بموقف الحكومة من المطالب وردة فعلها، ويؤكد أن "الحكومة مطالبة بالاستماع للشارع لأن عدم القيام بذلك سيدفع إلى تأجيج الوضع".

شهاب لا يستبعد أن يكون للحراك الأمازيغي علاقة بالوضع السياسي في البلاد (الجزيرة)

الباحث في الثقافة الأمازيغية محند أرزقي فراد من جهته يقول إن السلطة نفضت يديها من الأمازيغية بعد دسترتها مباشرة، بدليل غياب الإرادة السياسية التي تجلت -بحسب رأيه- في ثلاثة مؤشرات: أولا شغور منصب رئيس المحافظة السامية للأمازيغية منذ عام 2004، ثانيا عدم تشكيل الأكاديمية الأمازيغية التي نص عليها الدستور المعدل عام 2016، وثالثا الحاجة الماسة إلى توفير وظائف من أجل تدريس الأمازيغية على المستوى الوطني.

ويعتبر أرزقي فراد في حديثه للجزيرة نت أن هذه النقائص سبب خروج مظاهرات سلمية من أجل المطالبة بتعميم تعليم الأمازيغية في المدارس، واستعمالها في المؤسسات والهيئات الحكومية كما نص على ذلك الدستور. وحذر من تنامي تيار الانفصال في منطقة القبائل "الذي يتغذى من الاستبداد وغياب الحريات الديمقراطية والحقوق السياسية والثقافية".

في المقابل يرى صديق شهاب القيادي في حزب رئيس الوزراء أحمد أويحيى التجمع الوطني الديمقراطي، أن الدولة تعمل على تحقيق مطالب المتظاهرين بخصوص الأمازيغية دستوريا وقانونيا وإجرائيا.

لكن شهاب أقر في الوقت نفسه بالنقص المسجل بخصوص الترقية الأكاديمية للغة الأمازيغية بتشكيل الأكاديمية العليا للغة الأمازيغية، ولا يستبعد أن يكون للحراك الجديد علاقة بالوضع السياسي في البلاد بُعيد انتخابات محلية وقبيل انتخابات رئاسية عام 2019.

المصدر : الجزيرة