أزمة الغواصات.. فرنسا تحيي النزعة "الديغولية" وتسعى لإخراج أوروبا من المظلة الأميركية

في قضايا عدة يرى الفرنسيون أن نهج الولايات المتحدة -ومن خلفها بريطانيا وأستراليا- لا يتفق مع مقاربتها الإستراتيجية للأمور، وفي مقدمة هذه القضايا العلاقة مع الصين. لذلك تحاول باريس أن تختط لنفسها سياسة مستقلة تخدم مصالحها الإستراتيجية.

باريس ترى في أزمة الغواصات مشكلة إستراتيجية أكثر منها خسارة صفقة تجارية مهمة (رويترز)

باريس – تتحدث باريس عن أزمة عميقة مع واشنطن ولندن وكانبيرا، وتؤكد أن لحظة المصالحة مع حلفائها التقليديين لم تتوفر شروطها بعد. والبيت الأبيض يقول إن بايدن يضغط من أجل الحصول على موعد من الإيليزيه لإجراء مكالمة هاتفية مع ماكرون، الذي سحب سفيري بلاده من العاصمتين الأميركية والأسترالية ردًا على ما وصفه وزير خارجيته جان إيف لودريان بـ"طعنة في الظهر" تلقتها بلاده فيما بات يعرف بأزمة الغواصات.

ورغم أن البعض يحاول أن يضفي طابع الانفعالية أو الردود الغاضبة على الخطوات التي اتخذتها فرنسا في أعقاب إبطال أستراليا لصفقة شراء غواصات تقليدية من المصنّع الفرنسي "نافال" وتعويضها بأخرى نووية أميركية الصنع، فإن التشخيص الفرنسي لا يعتبر الأمر مجرد خلاف تجاري بشأن صفقة عسكرية فقط، بل يعده خلافا عميقا محوره تباين الرؤى الإستراتيجية، بما يهدد المصالح الفرنسية في منطقة المحيطين الهندي والهادي.

في قضايا عدة، يرى الفرنسيون أن نهج الولايات المتحدة -ومن خلفها بريطانيا وأستراليا- لا يتفق مع مقاربتها الإستراتيجية للأمور، وفي مقدمة هذه القضايا العلاقة مع الصين. فباريس ترى أن الحلف الثلاثي الجديد بين واشنطن ولندن وكانبيرا في المحيطين الهندي والهادي يقوم على إستراتيجية صدامية حتى على المستوى العسكري، في حين ترى هي أنّ العلاقة مع بكين -وما يجب فعله في مواجهة طموحات "التنين الهادئ" في المنطقة- لا يجب أن يخرج عن إطار التنافس، ويجب أن يُوضع في الاعتبار دائما أن الصين منافس وليست عدوا.

ويرى الفرنسيون أن استفزاز الصين ليس له ما يبرره، ولن تكون عواقبه محمودة بالمرة، بل إن السياسة الأفضل هي تشجيع العملاق الصيني على مواصلة نهجه الهادئ في التعاطي مع الساحة الدولية، وعدم جره لمربع المواجهة العسكرية، لا على المدى المنظور أو الطويل.

تجاهل المصالح الفرنسية

فباريس تساورها مخاوف جدية من انتهاج حلفائها التقليديين إستراتيجية صدامية مع الصين ستعرض حتما المصالح الفرنسية في المنطقة للخطر؛ فأي منزلق عسكري لإستراتيجية الثلاثي (الأميركي-البريطاني-الأسترالي) في المحيطين الهندي والهادي، قد ينجم عنه تهديد أمن مليون مواطن فرنسي في "كاليدونيا الجديدة" و"بولينيزيا الفرنسية"، الإقليمين الفرنسيين المُهمين فيما يعرف بأقاليم ما وراء البحار.

حتى وإن عالج الحلف الثلاثي الجديد العلاقة مع الصين في حدود ما يسمح بتجنب الانزلاق إلى المواجهات العسكرية، فإن ذلك قد لا يهدئ مخاوف عاصمة الأنوار من رؤية شبح حرب باردة جديدة يخيم على المنطقة. وقد يكون من تبعات هذه الحرب أن يجد الفرنسيون أنفسهم في مواجهة سيناريوهات تنفخ في الشبح القديم المتجدد الذي يؤرقهم -خاصة في "كاليدونيا" الجديدة- ألا وهو شبح النزعة إلى الاستقلال عن سلطة باريس؛ إذ إن "كاليدونيا الجديدة" تنتظر يوم 12 ديسمبر/كانون الأول القادم، لإجراء استفتاء جديد على استقلالها عن فرنسا، وسيكون الثالث والأخير، وفقا لما قررته اتفاقات "نوميا" عام 1998.

ولئن تجنبت باريس رؤية "كاليدونيا الجديدة" تخرج من الرداء الفرنسي في الاستفتاءين السابقين، فإن النسب التي أحرزها أنصار "لامارسييز" (النشيد الوطني الفرنسي) تظل غير مطمئنة. ففي استفتاء الرابع من نوفمبر/تشرين الثاني 2018، سجّل أنصار البقاء ضمن حدود الجمهوريّة الفرنسية 56,7%، ولكن نسبتهم تراجعت في استفتاء الرابع من أكتوبر/تشرين الأول 2020 إلى حدود 53,3%. ولا شيء يضمن عدم تواصل زحف أنصار النزعة الاستقلالية في الاستفتاء الأخير المقبل.

ويُخشى أن يلقى هؤلاء حافزا كبيرا في الأوضاع الجديدة التي قد تنشأ عن تغير البرامج الإستراتيجية في المحيطين الهندي والهادي، بشكل يعمق من عزلة فرنسا فيها، ويضعف حضورها في الأحلاف التي تتحكم بالمشهد في المنطقة، خاصة أن عقد الغواصات الذي ألغته أستراليا بطريقة فاجأت باريس -بعيدا عن كونه عقدا مجزيا ماديا ومفيدا اقتصاديا لفرنسا- فإنه كان يتنزل في صلب مقاربة فرنسا الإستراتيجية لمشاغلها الدفاعيّة في المنطقة. إذ لم تر باريس مشكلة في تضمين العقد الملغى بنودا تسمح بتمرير التكنولوجيا العسكرية لحليف الأمس القريب -كانبيرا- من منطلق أن تقوية القدرات العسكرية الأسترالية سيخفف عنها، حتى النذر القليل، من أعباء حماية أراضيها ومصالحها هناك، عبر تعزيز التعاون الأمني والدفاعي مع أستراليا، بما يطرد عن ساكن الإيليزيه هواجس تآكل خريطة أقاليم ما وراء البحار.

مغازلة الهند.. بديل متاح

إلغاء صفقة الغواصات مع أستراليا وجه طعنة قاسية لفرنسا، فإلى جانب الخسائر المادية الثقيلة المترتبة على ضياع صفقة القرن، تسبب الأمر في إرباك إستراتيجية باريس الدفاعية في المنطقة. فرأى الفرنسيون ظهور حلف ثلاثي جديد -مكون من دول حليفة- لا يُدخل فرنسا ولا مصالحها في حساباته الإستراتيجية ويعزلها عزلا مريبا في منطقة لها فيها موضع قدم لا تريد أن تخسره.

لذلك رأى "العقل الإستراتيجي" الفرنسي أنه لا مفر من طرح بديل تسند فيه باريس ظهرها إلى أوروبا، وتمد يدها للهند من أجل خلق حلف جديد. وها هي باريس تغازل نيودلهي من أجل استقطابها للدخول مع الأوروبيين في إستراتيجية تقوم على الثقة السياسية المتبادلة، وتكون لبنة أولى لتحقيق المطامح الفرنسية في التأسيس لعالم متعدد القطبية تخرج فيه أوروبا من ظل الولايات المتحدة الأميركية، تحقيقا لمطامح شارل ديغول، خاصة بعد أن ثبت للفرنسيين في الأشهر الأخيرة أن "شعار أمريكا أولا" لم يذهب بذهاب دونالد ترامب، وما بايدن إلا نسخة معدلة من سلفه، تنقصها التغريدات، وفقا لوصف لودريان.

فبعد تواصل لودريان مع نظيره الهندي، جاء الدور على الرئيس ماكرون ليتواصل هو الآخر مع رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، ويقتلع منه وعدا بتحرك مشترك في فضاء المحيطين الهندي والهادي في مقابل تعهدات فرنسية لنيودلهي بتعزيز استقلاليتها الإستراتيجية على المستويين الصناعي والتكنولوجي، وحتما قد لا يستثنى من ذلك التكنولوجيا العسكرية.

والواضح أن الفرنسيين يرون أن الهند تمثل أفضل البدائل المتاحة أمامهم للعودة إلى موازين القوى في المنطقة من الباب الكبير بالنظر إلى الثقل الديمغرافي والاقتصادي للعملاق الهندي وطموحاته في المنطقة، التي قد تعدل من توازنات الرعب مع الصين، من دون الاضطرار للدخول في صدام عسكري لوقف زحف التنين في المحيطين الهندي والهادي.

ورغم تأكيدات الرئيس الأميركي جو بايدن في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة أن بلاده "لا تسعى إلى حرب باردة جديدة" في إشارة واضحة إلى المخاوف من نشوب مواجهة مع الصين، وتلميحه إلى عدم ارتياح واشنطن لرؤية العالم ينقسم إلى كتل، فإن كلامه قد لا يكون مقنعا للفرنسيين، حتى يروا له انعكاسا على مطالبهم بإعادة تحديد المفاهيم الإستراتيجية لحلف شمال الأطلسي (الناتو) في قمة مدريد القادمة.

إخراج أوروبا من المظلة الأميركية

كما أن ذلك قد لا يثني باريس عن تصميمها على بلورة بوصلة إستراتيجية أوروبية مستقلة، حين تستلم رئاسة الاتحاد الأوروبي مطلع العام القادم، ومواصلة مساعيها للخروج بأوروبا من المظلة الدفاعية الأميركية، وترسيخ قدم اتحاد الأوروبيين على الساحة الدولية ليكون قوة كونية.

فالشكوى الفرنسية من السطوة الأميركية ليست جديدة، بل تعود جذورها إلى أعوام حكم الجنرال شارل ديغول. وقد ترسخت في الداخل الفرنسي مؤخرا قناعة تحيل على أن الولايات المتحدة تقدم مصالحها على مصالح حلفائها، وأن المصالح الفرنسية ومن ورائها الأوروبية تسقط كلما تعلق الأمر بالمصالح الأميركية. وبالتالي، لا مناص من المضي قدما في بلورة إستراتيجية دفاعية أوروبية مستقلة، لضمان حماية المصالح الأوروبية على المدى القصير والبعيد، تكون لديها الوسائل العسكرية اللازمة للقيام بمهامها.

وإن استقطاب الهند لشراكة إستراتيجية مع الاتحاد الأوروبي، في وقت تلوح فيه باريس باستعمال ثقلها في التأثير على مجرى مفاوضات التبادل التجاري الحر بين أستراليا والاتحاد الأوروبي، متهمة ثالث شركاء الاتحاد -بحجم تبادل يناهز 26 مليار يورو سنويا- بانعدام الموثوقية، قد يشجع بقية الدول الأوروبية -المترددة في إبداء موقف واضح من تطورات الأمور في هذه القضية إلى حد اللحظة- على الالتحاق بصف باريس. وحتما، سيكون أمام الدبلوماسية الفرنسية عمل مضنٍ وشاق من أجل إقناع الشركاء الأوروبيين بوجاهة البدائل التي تطرحها فرنسا.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

قال الوزير الفرنسي للشؤون الأوروبية كليمون بون إن أزمة إلغاء صفقة الغواصات مع أستراليا أصبحت مسألة أوروبية وليست فرنسية فقط، في الوقت الذي بدأت فيه محادثات حول الحصول على تعويضات مالية محتملة.

Published On 21/9/2021

جاء إلغاء أستراليا اتفاقها مع فرنسا لبناء أسطول من الغواصات التقليدية لتستعيض عنه بأخرى تعمل بالوقود النووي وبتكنولوجيا أميركية وبريطانية -بعد اتفاقية “أوكوس”- ليشكل ضربة قوية لعلاقات باريس وواشنطن.

Published On 22/9/2021

لم تكن فرنسا لتصل هذا المستوى من الغضب لولا حجم عملية “الاحتيال” الدبلوماسي الذي وقعت ضحية له، فأزمة صفقة الغواصات ستترك ندوبا عميقة في علاقات فرنسا مع الولايات المتحدة ولكن بشكل أشنع مع أستراليا.

Published On 22/9/2021
المزيد من سياسة
الأكثر قراءة