عزل رياك مشار.. هل يكرر انهيار اتفاق سلام جنوب السودان الهش؟

التحق مشار عام 1984 بالحركة الشعبية، التي كان يقودها جون قرنق، وأصبح من قياداتها السياسية، ولعب أدوارا كبيرة في التحاق أفراد قبيلته النوير بالحركة. وقد انشق عنها أو جرى عزله من منصبه مرات عدة حتى الآن.

رياك مشار زعيم المعارضة الجنوب سودانية
رياك مشار الذي خبُر الانشقاقات، هل يؤدي عزله إلى انهيار اتفاق السلام بجنوب السودان؟ (الجزيرة)

للمرة الثانية خلال 5 سنوات، يعزل أفراد من الحركة الشعبية لتحرير السودان رئيسها رياك مشار، الذي يشغل أيضا منصب نائب رئيس دولة جنوب السودان، والذي يمتلئ تاريخه السياسي بانشقاقات متعددة، أنتج بعضها مواجهات مسلحة طويلة الأمد.

ففي الخامس من أغسطس/آب الجاري، أعلن قادة عسكريون في الحركة عزل مشار، وقال بيان صادر عنهم -حمل توقيع القائد العسكري سايمون غاتويش الذي عُين رئيسا بالوكالة- إن "مشار فشل تماما في إظهار صورة القيادي، وأضعف لحد كبير ثقل الحركة داخل الحكومة الائتلافية التي تشكّلت في فبراير/شباط 2020".

وحسب البيان، "اتبع مشار طوال سنوات سياسة ’فرّق تسد‘، وفضّل المحسوبية على حساب الوحدة والتقدم"، وأضاف أيضا أن قرار عزله اتخذ بعدما وجد المجتمعون أنه "ما من خيار آخر".

لكن بول غابريال -المتحدث باسم مشار- رفض القرار، وقال "نؤكد دعمنا الكامل وولاءنا للرئيس الأعلى والقائد العام للحركة الشعبية لتحرير السودان في المعارضة وذراعها العسكرية". لكن الأمر لم يقف عند التصريحات والبيانات بين العسكريين ومؤيدي مشار، إذ سرعان ما تحول إلى مواجهات عسكرية في ولاية أعالي النيل المتاخمة لدولة السودان.

وفي السادس من أغسطس/آب، أي بعد 24 ساعة من عزل مشار، ادعى كل طرف بأنه صد هجوما من الطرف الآخر في منطقة يسيطر عليها قريبا من الحدود مع السودان.

وقال غابريال إن جنودا بقيادة الجنرال سيمون غاتويش، شنّوا هجوما صباح السبت الماضي على رجال مشار الذين "صدوا المعتدين"، وأضاف أن قوات مشار قتلت جنرالين كبيرين وأكثر من 27 من جنود "العدو"، وخسرت من جهتها 3 عناصر.

إلا أن الجنرال وليم دينغ -الناطق العسكري باسم غاتويش- قال إن قواتهم "ردت على استفزاز غير مبرر"، وقضت كليا على المهاجمين، مما أدى إلى مقتل 28 من رجال مشار، في حين قضى 4 "مقاتلين من أجل الحرية" في صفوف قواته.

هل يتكرر المشهد؟

تذكّر الأحداث الأخيرة بما وقع عام 2016 عندما عزل الجنرال تعبان دينغ قاي، مشار من منصبه في رئاسة الحركة، وذلك بتنسيق مع حكومة جنوب السودان، التي سارعت إلى تعين تعبان في منصب نائب رئيس الجمهورية.

وهو المنصب الذي كان يشغله مشار بموجب اتفاق السلام -الذي وقعه مع رئيس جمهورية جنوب السودان سلفاكير ميارديت عام 2015- لإنهاء النزاع الذي اندلع بينهما منذ 2013، ثم تحول إلى حرب أهلية بين قبيلتي الدينكا -التي ينتمي إليها سلفاكير- والنوير قبيلة مشار، وهما أكبر قبيلتين متننافستين على السلطة في الدولة الوليدة منذ زمن طويل. وأدى عزل مشار رياك عام 2016 إلى عودة المواجهات بينه وبين حكومة جوبا، مما تسبب في انهيار اتفاق السلام.

وتتشابه الأحداث بين 2016 واليوم من خلال المواجهات المسلحة التي لم تنتظر طويلا، رغم محاولة مشار طمأنة أنصاره بالقول إن "أعداء السلام هم من يقفون خلف انشقاق مجموعة غاتويش".

ومع المخاوف من تكرر السيناريو بحذافيره، عدم إقدام سلفاكير على خطوة سريعة كما فعل مع تعبان دينغ، قد يُبقي الأمر داخل فصيل مشار، من دون أن يطال اتفاق السلام بين الطرفين.

جوبا تستعد لعودة زعيم المعارضة رياك مشاررياك مشار (يمين) ورئيس جنوب السودان سلفاكير في توقيع اتفاق سلام سابق (الجزيرة)

العقدة في المنشار

ويصوب العسكريون انتقادات لزعيمهم السابق مشار، على خلفية ذهابه إلى جوبا وتوليه منصب نائب الرئيس من دون تنفيذ بند الترتيبات الأمنية المدرج في اتفاقية السلام، الذي نص على دمج العسكريين من فصيل مشار في جيش الدولة.

وعلى الرغم من مرور عامين على تنشيط الاتفاق (2019)، فإن بند الترتيبات الأمنية لم يتقدم، وظلّت قوات المعارضة في مواقعها التي كانت تسيطر عليها قبل الاتفاق.

ويعتقد محللون أنه ما زال بإمكان مشار تدارك الأمر من خلال التفاوض مع غاتويش. وقال المحلل السياسي سايمون غبريال "لا بد أن يتحرك مشار سريعا بإرسال قادة محليين إلى القائد سيمون غاتويش، والتفاوض معه، قبل أن ينتقل الصراع إلى مناطق أخرى في الدولة تقع تحت سيطرة قوات مشار".

ويعاني اتفاق السلام من تأخر تنفيذ بنوده، خاصة ما يتعلق بالترتيبات الأمنية والعدالة الانتقالية ومحاكمة الذين تسببوا بالانتهاكات ضد المدنيين في أثناء الحرب الأهلية.

بينما الملف الوحيد الذي حدث فيه تقدم كان تقاسم السلطة؛ حيث تولى مشار منصب نائب الرئيس، ووصل أعضاء من حركته إلى مجلس الوزراء، إضافة إلى تعيينه حكاما على الولايات.

رياك مشار يؤدي اليمين نائبا أول لرئيس دولة جنوب السودانرياك مشار (يمين) يؤدي اليمين نائبا أول لرئيس دولة جنوب السودان (الجزيرة)

رحلة من الانشقاقات

ورياك مشار المولود في عام 1953، درس الهندسة بجامعة الخرطوم، ولديه تاريخ طويل من الانشقاقات، بعضها قام بها بنفسه، وأخرى تمت في مواجهة قيادته.

والتحق مشار عام 1984 بالحركة الشعبية التي كان يقودها جون قرنق، وأصبح من قياداتها السياسية ولعب أدوارا كبيرة في التحاق أفراد قبيلة النوير بالحركة التي اعتمدت على قبيلة الدينكا في نشأتها الأولى.

لكنه لجأ عام 1991 للانشقاق عن قرنق، وأسس مجموعة الناصر، ودخل في معارك دامية مع قرنق، وأخذ معه أغلبية مقاتلي النوير من الحركة.

وأقدم مشار على التفاوض مع حكومة الخرطوم بزعامة الرئيس السوداني السابق عمر البشير، ووقع معه عام 1997 اتفاقية الخرطوم للسلام، وأصبح بموجبها مساعدا للبشير، ورئيسا لمجلس تنسيق جنوب السودان.

وعام 2002 عاد لممارسة طريقته، وانشق عن حكومة البشير، ثم عاد مرة أخرى للحركة الشعبية بقيادة قرنق.

وفي عام 2003، ومع انطلاق مفاوضات السلام بين حركة قرنق والخرطوم، أصبح مشار عضوا في وفد تفاوض الحركة.

وبعد مقتل قرنق الغامض في تحطّم مروحية قادمة من أوغندا (أغسطس/آب 2005)، قفز مشار إلى منصب نائب رئيس الحركة خلف سلفاكير، وأصبح نائبا لرئيس جنوب السودان، وأقام في جوبا.

وعقب انفصال جنوب السودان عن الدولة الأم (يوليو/تموز 2011)، صار مشار نائبا لرئيس الجمهورية الوليدة. بيد أن شهر العسل بينه وبين سلفاكير لم يدم طويلا، حيث عزله في سبتمبر/أيلول 2013.

وفي ديسمبر/كانون الأول 2013، اتهمه سلفاكير بمحاولة قلب نظام الحكم، وكانت تلك الشرارة التي أشعلت الحرب الأهلية بينهما.

وبعد عامين من القتال، وقّع الطرفان بوساطة أفريقية اتفاق سلام، وعاد مشار إلى موقعه نائبا لرئيس دولة جنوب السودان. ولكنه لم يبقَ فيه إلا أشهرا قليلة، فقد عزله تعبان دينغ، أحد قيادات حركته، من رئاسة الحركة.

وإثر ذلك، قام سلفاكير بإحلال دينغ محل مشار، مما أدى لتجدد الحرب الأهلية، التي استمرت حتى عام 2018، عندما وقع الطرفان اتفاق سلام ظل من دون تنفيذ، تلاه مرة أخرى ما عرف "باتفاق السلام المنشط 2019".

وعلى إثره، جلس مشار مرة أخرى على مقعد الرجل الثاني في دولة جنوب السودان، لكن الانشقاقات لم تتوقف عن مطاردته.

المصدر : الجزيرة