20 سبتمبر أخرى في مصر.. لصالح المعارضة أم النظام؟

من مظاهرات سبتمبر/أيلول الماضي في مصر (رويترز)
من مظاهرات سبتمبر/أيلول الماضي في مصر (رويترز)

لدى المصريين مثل شعبي شهير يقول إن "العيار اللي ما يصيبش يدوش"، بمعنى أن الطلق الناري الذي لا يصيب فهو يحدث ضجة على الأقل، ويبدو هذا لسان حال بعض الداعين للنزول في احتجاجات شعبية للمطالبة برحيل الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في الـ20 من سبتمبر/أيلول الجاري، على غرار الدعوة التي أطلقها الفنان ومقاول الجيش السابق محمد علي قبل عام من التاريخ ذاته.

وقبل أيام، كشف مصدر إعلامي للجزيرة نت عن تلقي وسائل الإعلام المصرية المختلفة تعليمات وتوجيهات موحدة تتضمن كيفية الرد على دعوات للنزول للاحتجاج، وهو ما اتضح فعلا خلال الأيام القليلة الماضية، حيث حفلت وسائل الإعلام بالتذكير بـ"إنجازات" الرئيس وضرورة الحفاظ على  "المكتسبات" التي تحققت خلال سنوات حكمه، مع التخويف من الجماعات المعارضة و"الإرهابية" التي لا تريد الخير لمصر، على حد قول هذا الإعلام.

ورغم محاولة التهوين بل والسخرية من الدعوة للتظاهر بعد غد الأحد فإن ملامح القلق والخوف تبدو واضحة على السلطة، سواء في الإعلام أو بالنظر إلى الانتشار الأمني المكثف على الأرض، وهو ما يرجع إلى الأجواء التي خلفتها إجراءات حكومية غير مسبوقة بحق المصريين فاقت المعتاد من قرارات الجباية ورفع الدعم ورفع الأسعار وسوء الخدمات والتضييق على الحريات، لتصل إلى هدم المنازل.

وأضاف المصدر -الذي فضل عدم ذكر اسمه- أن "استمرار الدعوات منذ قرابة نحو أسبوعين يزعج ويقلق السلطات في مصر"، مشيرا إلى أن "سبل مواجهة مثل تلك الدعوات -سواء كانت إعلاميا أو إلكترونيا أو أمنيا- تدار في أروقة أجهزة الدولة الأمنية والاستخبارتية"، لكنه قلل من شأنها في ظل "جاهزية القوات الأمنية للتصدي لمثل تلك الاحتجاجات" على حد قوله.

 

 

الدعوة -التي أطلقها محمد علي مجددا، وقال إنها لمواجهة تفشي الفساد من أركان الحكم إلى أروقته الداخلية- حركت ما يبدو بعض المياه الراكدة في الشارع المصري بعد سنوات من الركود، حيث ظهرت بعض الإشارات مثل الوميض في مدن وميادين من الصعيد إلى الدلتا، بعدما ارتبطت بهدم آلاف المنازل بدعوى مخالفتها تراخيص البناء وإجبار أصحابها على دفع مبالغ كبيرة للتصالح في المخالفات.

والمثير أن هذه الموجة من "الجباية" جاءت في وقت يعاني فيه المصريون في ظل أزمة تفشي فيروس كورونا، سواء على الصعيد الاقتصادي أو الصحي.

 

 

والمثير أن السيسي نفسه ربما ساعد على إطلاق دعوات التظاهر ضده، فقبل نحو أسبوعين قال خلال افتتاحه مشروع محور المحمودية بالإسكندرية في الـ29 من أغسطس/آب الماضي "لو مش عايزني أبقى موجود هنا، أنا معنديش مشكلة"، وهو ما تلقفه معارضوه على ما يبدو، حيث تصدر وسم "#مش_عايزينك" موقع تويتر لعدة أيام متتالية.

ومنذ ذلك الوقت تواصلت الوسوم المطالبة بالنزول تارة، ورحيل السيسي تارة أخرى، كان آخرها "#الحل_في_إيد_الشعب"، في سابقة من نوعها، لكنها تظل دعوات حبيسة منصات التواصل الاجتماعي، ولا يمكن التخمين بكيفية ترجمتها على أرض الواقع في ظل التحديات الكبيرة والخطيرة التي تواجه المحتجين في حال نزولهم، وفق مراقبين ونشطاء.

لكن بعض هؤلاء أكد في تصريحات للجزيرة نت أنه لا بد من  استمرار الدعوات للنزول والاحتجاج للتعبير عن آراء الرافضين لحكم السيسي، وأنه ليس بالضرورة أن تتحول إلى ثورة شعبية جارفة، أو أن تنتهي بإسقاط النظام نظرا للقيود الشديدة التي يفرضها النظام ضد المحتجين.

 

ويجرّم النظام المصري الاحتجاجات بكافة أنواعها -العمالية أو الفئوية أو حتى الشعبية- سواء في القضايا الداخلية أو الخارجية، ولا يتسامح مطلقا مع أي احتجاج، صغيرا كان أم كبيرا، حتى لا يتحول إلى ظاهرة أو يتفشى بين الناس، فهو يدرك تماما أن النار من مستصغر الشرر.

وكان عدة آلاف من المصريين قد استجابوا لدعوة مماثلة من محمد علي وخرجوا للتظاهر في الـ20 من سبتمبر/أيلول من العام الماضي، واقترب المئات منهم من ميدان التحرير في وسط القاهرة، لكن الأمر انتهى بقيام الأمن باعتقال عدد كبير منهم.

وبينما يتحمس البعض لتكرار المحاولة يرى آخرون أن من المهم تهيئة الظروف قبل النزول للتظاهر، معتبرين أن الدعوات غير المدروسة جيدا قد يكون ضررها أكثر من نفعها.

الرهان على غضب المصريين

من جانبه، دعا أمين العلاقات الخارجية في حزب الحرية والعدالة محمد سودان إلى عدم التهوين من دعوات النزول والاحتجاج، قائلا إن "الدعوة إلى النزول مطلوبة في كل الأحوال، فهي تشعر النظام والمجتمع الدولي بأن هناك حاجة ملحة للتغيير"، مشيرا في الوقت ذاته إلى أنه "يجب أخذ الحيطة، فإن لم تكن هناك انتفاضة حقيقية تضم جموع الشعب فلن يتحقق المرجو منها".

وأكد سودان في حديثه للجزيرة نت أن "مبررات النزول كثيرة وموجودة في ظل قهر ملايين المصريين، وحبس واعتقال عشرات الآلاف، وهدم المنازل، وفرض الضرائب والرسوم، وغلاء المعيشة، وعودة الفساد وتفشيه، وإغلاق المجال العام، وكبت الحريات، والقضاء على الحياة السياسية".

الجديد في كل دعوة -وفق سودان- أنها تضم شرائح مختلفة من المصريين، وتزيد رقعة الغضب الشعبي ضد السيسي حتى من قبل من كانوا من المؤيدين، والذين تضرروا من سياسات حكمه على جميع الأصعدة، سواء المواطن البسيط أو حتى السياسي العنيد، معتبرا أن الرهان ليس على الدعوات إنما على "غضب المصريين".

خسارة الكتلة النشطة

في المقابل، يدعو الناشط السياسي والحقوقي عبد الرحمن عاطف إلى التعلم من أخطاء الماضي، قائلا إن "تكرار الدعوة مرة أخرى للنزول في ذات التاريخ هو عدم تعلم من الدرس السابق، بجانب عدم الخبرة السياسية بالوضع الحالي في مصر".

وبرر عاطف حديثه بالقول للجزيرة نت إنه في المرة السابقة كانت هناك مسوغات قوية بدافع الاحتجاج على اتساع رقعة الفساد التي طالت أسرة السيسي نفسه، لكن ما دوافع النزول في هذه المرة، وفي الحالتين تفتقد الدعوتان معايير كثيرة لاندلاع  ثورة، وعدم نشوب ثورة متكاملة هو فقدان لجزء كبير من الكتلة النشطة التي نحن بحاجة لها في حال حدوث تحرك حقيقي.

واعتبر أن التحركات غير المدروسة تضعف المعارضة ضد السيسي وتزيده قوه، وعلى الرغم من ذلك فإن مثل تلك الدعوات تظل مصدر قلق، لأن أي تحرك ميداني هو كسر للقيود المفروضة على الشعب، وينبغي أن يصل إلى مرحلة بداية كسر القيود حتى يمكننا التحدث عن حراك شعبي حقيقي.

وأعرب الناشط السياسي المقيم حاليا في كوريا الجنوبية عن اعتقاده بأن الثورة لن تكون برموز سياسية أو وطنية، لكن بانفجار شعبي عفوي كما حدث في ثورة يناير/كانون الثاني، لذلك فإن الحديث عن حراك شعبي من قبل شخص واحد (محمد علي) هو مجازفة ومخاطرة بالكتلة الحرجة للثورة والمعارضة.

دعوات النزول.. علامات استفهام

من جانبه، يرى رئيس المكتب السياسي للمجلس الثوري المصري الدكتور عمرو عادل أن هناك مكاسب وراء كل حراك شعبي "في البداية نؤكد أن أي حراك شعبي ضد استبداد وتوغل السلطة العسكرية له الكثير من الإيجابيات، مثل كسر حاجز الخوف، وتعود الجماهير على العمل معا ضد النظام، كما أنها تنتج تراكما يشجع على الثورة الحقيقية".

لكنه استدرك في حديثه للجزيرة نت قائلا: نؤكد أيضا أن دعوات النزول المتكررة أثبتت عدم قدرتها على إحداث تغيير، وربما تكون أحد المسارات التي تفرغ الغضب في مسار خاطئ وربما يكون ضارا أيضا نتيجة لاستنزاف الكوادر بالقبض عليها.

وأضاف أن علينا التفريق بين نزول الجماهير للدفاع عن حقوقها وهذا إيجابي، وبين الدعوات المحددة بيوم والتي أصبحت تثير الكثير من علامات الاستفهام، وأعتقد أن ما يثير قلق النظام هو تجمع الجماهير وليس الدعوات المحددة بيوم، لأنه اكتسب الكثير من الخبرة في التعامل معها.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من سياسة
الأكثر قراءة