حصاد رحلة 100 يوم من كورونا بمصر.. دعاية حكومية ومعاناة شعبية

كورونا ضاعف معاناة المصريين في وقت ترى الحكومة أنها قامت بعمل مثالي

مع مرور مئة يوم على انتشار فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19) في مصر، وبينما الاستغاثات تتزايد دون مجيب عبر منصات التواصل الاجتماعي بحثا عن أماكن شاغرة بغرف العناية المركزة لإنقاذ المرضى أو طلبا لمساعدة المتضررين اقتصاديا من الوباء، ارتأت الحكومة تقديم نفسها في دور الرشيد الذي أدى مهمته في مواجهة الجائحة.

ومن خلال تقرير ممتلئ بالدعاية لجهود الدولة، استعرض مجلس الوزراء السبت الماضي رحلة الإجراءات الحكومية خلال مئة يوم من وجود فيروس كورونا المستجد في البلاد.

تناول التقرير -الذي أعده مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار التابع لمجلس الوزراء- ما سماه جهود الحكومة لرفع مستوى الوقاية من العدوى، والإجراءات الاقتصادية وإجراءات الحماية الاجتماعية التي قامت بها لمواجهة تداعيات الوباء.

كذلك تطرق التقرير إلى قيام مصر بمساعدة الدول الأكثر تضررا من انتشار فيروس "كورونا المستجد" واستعرض المبادرات الحكومية التي تدعم الفئات الأكثر تضررا من تفشي الفيروس.

وبحسب إحصائية وزارة الصحة بلغ عدد المصابين 32612 حالة، والوفيات 1198 حالة حتى أمس الأحد.

قرارات حكومية
وحفل تقرير مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجموعة كبيرة من القرارات التي اتخذت طيلة المئة يوم الماضية ووصفها بالإجراءات الوقائية الصارمة، وتضمنت فرض حظر التجول في المساء، وتعليق حركة الطيران، وإغلاق المساجد والكنائس وتعليق الدراسة في المدارس والجامعات.

إلى جانب إجراء التحاليل وتعقب المخالطين، والعزل وتقديم العلاج، وتوفير أدوات التعقيم والتطهير، ورفع وعي المواطنين حول كيفية تفادي الإصابة بالفيروس، وفرض إجراءات وقائية تتضمن تحقيق التباعد الاجتماعي.

وسلط التقرير الضوء على الجهود الحكومية لإعادة المصريين العالقين في الخارج، منذ بداية ظهور الجائحة، وتنظيم دخولهم الحجر الصحي لتلقي العلاج اللازم.

وبالنسبة للإجراءات التي نفذتها الحكومة لحماية الاقتصاد، لفت التقرير إلى السياسات النقدية والمالية التي تم اتخاذها للحفاظ على معدلات الأداء الاقتصادي، فضلا عن إجراءات لحماية سوق البورصة، ودعم قطاع السياحة.

إلى ذلك قال التقرير إنه تم اتخاذ الإجراءات اللازمة للتخفيف من حدة التداعيات خاصة على الفئات المعرضة للتأثر سلباً جراء الجائحة، ومن بينها العمالة غير المنتظمة، وتقرر صرف منحة بقيمة 1500 جنيه موزعة على ثلاثة أشهر بحيث يحصل المتضرر على 500 جنيه كل شهر.

وفي نفس الإطار، أكد رئيس الوزراء مصطفى مدبولي، في كلمته بمقدمة التقرير، أن برنامج الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي ساهم في تحقيق التنمية المستدامة عبر تقليل العجز المالي، والحد من معدلات التضخم، وزيادة معدلات النمو، وتعزيز قيمة العملة المحلية، وتحفيز المستثمرين لضخ استثماراتهم في السوق المحلي.

وفيما يخص الجهود في مساعدة الدول الأكثر تضرراً من انتشار فيروس كورونا المستجد، أشار التقرير إلى إرسال شحنات عديدة من المساعدات الدوائية والمؤن إلى دول مختلفة مثل الصين، وإيطاليا، والولايات المتحدة، وبريطانيا، والسودان، وجنوب السودان.


الواقع مرير

وهكذا يبدو الوضع وفقا للتقرير الحكومي مثاليا وباعثا على التفاؤل فيما يتعلق بمواجهة فيروس كورونا، لكن نظرات على الواقع الذي يعيشه المصريون تؤكد أن إنجازات حكومتهم إما أنها وهمية تبقى حبيسة الكلام النظري على الورق أو أنها محدودة وغير مؤثرة في تخفيف معاناتهم.

فبالنسبة للإجراءات التي تخص المنظومة الصحية، هناك عجز كبير في عدد الأسِرّة الطبية والمرضى فلا تتجاوز أسرة العناية المركزة 13 ألف سرير منها 9530 سريرا بالقطاع الحكومي والباقي تمتلكها مستشفيات القطاع الخاص التي تطلب مبالغ خيالية مقابل رعاية المريض في اليوم الواحد وصلت أحيانا إلى أكثر من 50 ألف جنيه في الليلة الواحدة.

هذا العجز أدى لتحول منصات التواصل الاجتماعي في مصر إلى وسائل للاستغاثة من جانب المرضى وذويهم لإيجاد سرير بالعناية المركزة.

ولا تقتصر أزمة القطاع الصحي على ذلك بل تمتد إلى نقص مستلزمات الوقاية وقلة عدد المسحات التي تؤخذ لتحليلها من المشتبه في إصابتهم بالفيروس وهو الفحص الحاسم في تحديد وجود الفيروس من عدمه.

هذا العدد المحدود للمسحات أدى لتدخل الواسطة والمحسوبية في اختيار من تؤخذ منهم المسحة ومن يتوفر لهم أماكن للعلاج، وتشهد بذلك واقعة توفير سرير وتجهيزات للممثلة رجاء الجداوي التي أصيبت بكورونا في وقت توفى الطبيب وليد يحيى جراء الفيروس بعد أن ظل أياما بلا جهاز تنفس صناعي.

 

هذه الطريقة في إدارة الأزمة دفعت نقابة الأطباء إلى اتهام الحكومة -ممثلة في وزارة الصحة والسكان- بالتقاعس عن أداء دورها في حماية أرواح الأطباء الذي هم بالصفوف الأمامية لمواجهة الوباء.

بل وتصاعدت الأمور إلى تقديم عدد من الأطباء استقالاتهم احتجاجا على الظروف التي يعملون في ظلها سواء من عدم توفير المستلزمات الطبية الخاصة بالوقاية أو تكليف الكثير من الطواقم الطبية بالعمل في غير تخصصهم دون تدريب أو بروتوكول واضح، أو التهديد المستمر بالإجراءات الإدارية التعسفية وتدخل الأمن.

ومع ذلك العجز الشديد في إمكانيات وزارة الصحة يكون الاندهاش ملازما لمن يقرأ تقرير مركز المعلومات ودعم القرار من تقديم الحكومة مساعدات طبية إلى بلدان أخرى.

اقتصاد مدين
وعلى نفس خطى الإدارة الحكومية للقطاع الطبي سارت الأمور مع الاقتصاد، فبينما السلطة تتباهي في مارس/آذار الماضي بتخصيص 100 مليار جنيه لمواجهة تداعيات الوباء كانت المفاجأة بانتظار المواطنين.

ففي مايو/أيار الماضي، وافق البرلمان على مشروع قانون بشأن المساهمة التكافلية لمواجهة بعض التداعيات الاقتصادية الناتجة عن انتشار الفيروس.

وينص القانون على أن يُخصم شهرياً، اعتباراً من أول يوليو/تموز القادم، لمدة 12 شهراً، نسبة 1% من صافي دخل العاملين في كافة قطاعات الدولة، المستحق من جهة عملهم، إضافة إلى نسبة 0.5% من مرتبات التقاعد لأصحاب المعاشات.

وبالنسبة لبرنامج الإصلاح الاقتصادي الذي أكد التقرير الحكومي أنه ساهم في الحفاظ على مؤشرات الاقتصاد، فلا تستقيم تلك الرؤية مع طلب الحكومة مؤخرا قرضا بقيمة 5 مليارات دولار من صندوق النقد الدولي.

ولم تسدد بعد الحكومة القرض الذي حصلت عليه من صندوق النقد بقيمة 12 مليار جنيه، وانتهت من استلام آخر شرائحه في يوليو/تموز الماضي.

وفي نفس إطار تناقض التقرير الحكومي مع الواقع الفعلي، حذر د. محمد معيط وزير المالية من احتمال اللجوء إلى إجراءات تقشفية من خلال مراجعة أو تجميد بعض بنود المصروفات، لضمان قدرة المالية العامة على مواصلة الوفاء بالتزاماتها إذا ما استمرت الجائحة لفترة ممتدة.

blogs المستشفيات المصريةغالبية المستشفيات غير مجهزة للتعامل مع حالات الإصابة بكورونا

إنكار الواقع
ولا يقف التناقض بين ما تدعيه الحكومة والواقع الفعلي عند ذلك الحد، فهناك عدة مشكلات لم توفق الدولة في إدارتها بل أنكرت وجودها من الأساس مثل عدم توافر الكمامات بالأسواق، وارتفاع أسعارها فوصلت سعر الواحدة إلى 8 جنيهات رغم أن السعر الرسمي لها جنيهان فقط.

كذلك ذكر تقرير مجلس الوزراء أن الحكومة حلت مشكلة العالقين بالخارج ووفرت لهم أماكن للحجر الصحي والرعاية الطبية اللازمة، وهو على ما يبدو إنكار لواقع كثير من المواطنين الذين بثوا فيديوهات عبر المنصات الاجتماعية يشتكون فيها من إهمال السفارات المصرية لهم ومن المبالغ الطائلة التي تشترط حكومتهم دفعها مقابل إعادتهم وإدخالهم الحجر الصحي.

والمثال الأبرز على الإنكار الرسمي للواقع المأزوم يتلخص في أزمة العمال المصريين العالقين بدولة الكويت والذين لم تستجب لهم الحكومة لإعادتهم إلى بلدهم، ولم تنته معاناتهم إلا بعد أن تكفلت الكويت بنفقة إعادتهم إلى مصر، ويظل كثير من العالقين في بلدان مختلفة دون التفاتة حكومية.

إنجازات على ورق
"إنجازات على ورق مثل إنجازات السيسي" هكذا وصف البرلماني السابق عز الدين الكومي التقرير الصادر عن جهة تابعة لمجلس الوزراء، لافتا إلى أن جائحة كورونا كشفت انهيار المنظومة الصحية بالكامل وفشل الدولة في النهوض بها.

وأضاف -في حديثه للجزيرة نت- أن الجزئية الوحيدة الصادقة في التقرير هي الخاصة بإرسال مساعدات لبلدان أخرى، موضحا أن السلطة أرسلت مساعدات لحكومات بعينها من أجل كسب الشرعية أو (الدعاية) "الشو الإعلامي" لا أكثر.

وقال الكومي إنه ليست من أولويات النظام الإنفاق على القطاع الصحي أو الاهتمام بأوجاع المصريين، ودلل على حديثه بارتفاع عدد الوفيات بين الأطباء جراء فيروس كورونا لأكثر من أربعين حالة.

واختتم حديثه قائلا "الحكومة تعرف قبل غيرها أن ما جاء بالتقرير مجاف للواقع لكنها لا تسمح لصوت يعلو لكشف الحقائق".

وفي نفس الإطار تحدث أمين صندوق نقابة الصيادلة-سابقا د. أحمد رامي الحوفي عن الفارق الكبير بين ما يذكره تقرير مجلس الوزراء والواقع المصري.

حيلة حكومية
وقال أمين نقابة الصيادلة السابق للجزيرة نت إن القطاع الطبي يعاني بشكل كبير والأطباء يتعرضون للمخاطر دون تحرك حكومي رغم تحذير ممثل منظمة الصحة العالمية في البلاد، في 13 أبريل/نيسان الماضي، من وصول نسب الإصابة بالفيروس بين الفرق الطبية إلى 13% من إجمالي المرضى وهي نسبة ضخمة.

وأضاف د. الحوفي أن التقرير تحدث عن التوعية بطرق الوقاية من الفيروس رغم أن وسائل الإعلام المحسوبة على النظام روجت خلال الشهور الماضية لطرق غير صحيحة للوقاية.

واستطرد "من المؤكد أن الحكومة قدمت مجهودا خلال فترة الوباء لكنها لا تفي قطعا بالظروف الحالية" معتبرا التقرير الأخير حيلة حكومية كي لا يطالب الشعب بأداء رسمي أفضل، واختتم بالقول "أخطر نتائج التقرير أنه يعلن عدم وجود أداء أفضل خلال الفترة القادمة".

المصدر : الجزيرة