انتفاضة دولية ضد اعتقال حقوقيين بمصر.. وتساؤلات عن ازدواجية المعايير

المدير التنفيذي للمبادرة المصرية للحقوق الشخصية جاسر عبد الرازق هو نجل الصحفي اليساري الراحل حسين عبد الرازق (مواقع التواصل)
المدير التنفيذي للمبادرة المصرية للحقوق الشخصية جاسر عبد الرازق هو نجل الصحفي اليساري الراحل حسين عبد الرازق (مواقع التواصل)

قبل يوم من قيام السلطات المصرية بالقبض على أحد مسؤولي المبادرة المصرية للحقوق الشخصية (منظمة مجتمع مدني غير حكومية)، وتحديدا يوم 15 نوفمبر/تشرين الثاني الجاري؛ كانت جميع المؤشرات تؤكد أن هناك انفراجة في ملف حقوق الإنسان في أعقاب إعلان فوز المرشح الديمقراطي جو بايدن بانتخابات الرئاسة الأميركية.

وأرسلت مصر رسائل إيجابية للعالم والمنظمات الحقوقية، مطلع الشهر الجاري، بإطلاق سراح مئات المعتقلين؛ حيث قضت محكمة مصرية بإفراج مبدئي عن 461 متهما في قضايا رأي، كان ألقي القبض على عدد منهم في سبتمبر/أيلول الماضي، بتهمة المشاركة في مظاهرات مناهضة للحكومة.

وحسب مراقبين، كان آخر ما تريد السلطات المصرية إثارته في هذه الآونة هو الوقوع في أي خطأ يؤلب عليها منظمات حقوق الإنسان، ويضاعف فاتورة حسابها مستقبلا.

غير أن توالي القبض على 3 مسؤولين بارزين بالمبادرة المصرية، وحبسهم 15 يوما على ذمة التحقيقات؛ كان بمثابة وخز بالون الأزمات، حيث توالت موجة انتقادات دولية ضد النظام المصري.

لكن بقدر ما ألقى التضامن الدولي الضوء مجددا على انتهاكات حقوق الإنسان مترامية الأطراف في مصر، فإنه أظهر أيضا "ازدواجية غربية" في التعامل مع معتقلي الرأي ومنظمات المجتمع المدني والمؤسسات الحقوقية بمصر، وفق حقوقيين مصريين.

عش الدبابير

في الثالث من نوفمبر/تشرين الثاني الجاري، استقبلت منظمة المبادرة المصرية للحقوق الشخصية سفراء وقائمين بأعمال سفراء عدة دول غربية بالقاهرة، وممثلين عن المفوضية الأوروبية في القاهرة، لمناقشة سُبل دعم أوضاع حقوق الإنسان في مصر.

ومنذ ذلك الحين، لاحقت السلطات المصرية القائمين على المبادرة المصرية، وألقت القبض على مديرها الإداري محمد بشير، ثم مدير وحدة العدالة الجنائية بها كريم عنّارة، وأخيرا مديرها التنفيذي جاسر عبد الرازق، ثم صدرت قرارات بحبسهم احتياطيا من قبل نيابة أمن الدولة العليا.

وضمت نيابة أمن الدولة العليا بشير وعنّارة وعبد الرازق، للقضية رقم 855 لسنة 2020، ووجهت لهم تهما من بينها الانضمام لجماعة إرهابية مع العلم بأغراضها، وارتكاب جريمة من جرائم تمويل الإرهاب، وإذاعة أخبار وبيانات كاذبة.

وهي القضية ذاتها التي تضم العديد من النشطاء السياسيين والصحفيين والحقوقيين، ومن بينهم محمد الباقر، وعمرو إمام، وماهينور المصري، وأستاذ العلوم السياسية حازم حسني، والناشطة السياسية إسراء عبد الفتاح، والصحفية سولافة مجدي، وزوجها حسام الصياد.

لكن، هل تفاجأت السلطات المصرية بردود الأفعال الدولية والحقوقية المنددة باستهداف مسؤولي المبادرة؟ وهل كان ذلك بمثابة اقتحام "عش الدبابير" الذي بدأ باندلاع "اشتباك حقوقي" بين القاهرة وباريس على مستوى وزارتي الخارجية؟

فقد أعربت الخارجية الفرنسية الأربعاء الماضي عن "القلق العميق إثر اعتقال المدير الإداري للمبادرة المصرية للحقوق الشخصية محمد بشير"، في حين ردت الخارجية المصرية برفض البيان الفرنسي، وقالت -في بيان لها- "نرفض ما تضمنه البيان الفرنسي من تدخل في شأن داخلي مصري، ومحاولة التأثير على التحقيقات التي تجريها النيابة العامة مع مواطن مصري".

وفي محاولة من السلطات المصرية للتمسك بموقفها، ألقت القبض على مسؤولين اثنين آخرين بالمبادرة؛ مما فتح الباب على مصراعيه أمام سيل من الانتقادات الأوروبية والأميركية، وكذلك من الأمم المتحدة، ومنظمات حقوق الإنسان الدولية، مطالبة بإطلاق سراحهم، ووقف القمع، وتمكين جميع المواطنين من ممارسة حقوقهم.

انتقائية غربية

لكن هذا التضامن الدولي الواسع مع المنظمة المصرية أثار انتقاد الوكيل السابق للجنة حقوق الإنسان بمجلس الشورى المصري عز الدين الكومي، بسبب ما أسماها الانتقائية الغربية في التعامل مع ملف حقوق الإنسان بمصر.

وأكد الكومي -في تصريحات للجزيرة نت- أن هناك ازدواجية واضحة في موقف الدول الغربية وأميركا من ملف حقوق الإنسان في مصر يقوم على الانتقائية؛ فهم يتحركون من أجل معتقلين بعينهم، ومؤسسات حقوقية أو مجتمع مدني بعينها، مضيفا "دعنا نقولها صراحة: هم لا يأبهون بالإسلاميين أو المحسوبين عليهم، سواء كانوا أشخاصا أو منظمات".

وتوقع البرلماني السابق أن تفرج السلطات المصرية عن جميع المسؤولين المعتقلين بالمبادرة المصرية، ولكن ليس الآن لحفظ ماء وجهها، متابعا "لست متفائلا كثيرا بتحقيق أي انفراجة حقيقية في ملف حقوق الإنسان في مصر؛ بسبب تغاضي تلك الدول نفسها عن انتهاكات بالجملة منذ الانقلاب العسكري عام 2013".

وأشار إلى أن الحملة الأمنية الأخيرة تأتي ضمن سياسة الأرض المحروقة التي يتبعها النظام مع المؤسسات الحقوقية.

ملابسات الاستهداف

وبشأن ملابسات هذه الحملة الأمنية القمعية على المبادرة المصرية، التي تتواجد على الأرض منذ 18 عاما، حيث أنشئت عام 2002، يقول مؤسسها حسام بهجت إنها تُعاقب على عملها ونشاطها، ولا مجال للادعاء من جانب السلطة بأن المسألة لها علاقة بمخالفة قانون الجمعيات الأهلية.

وأكد في تصريحات صحفية لموقع "مدى مصر" أن القيادات الثلاثة المقبوض عليهم لم تُوجه لهم أية اتهامات أو حتى أسئلة تتعلق بقانون العمل الأهلي، وتحريات الأمن الوطني ضدهم تقتصر على قائمة الاتهامات "المُضحكة" المتكررة، وعلى رأسها "الانتماء لجماعة إرهابية".

وفي سياق إدانة الاتحاد الأوروبي القبض على مسؤولين بالمبادرة، أثنى الاتحاد على أداء هذه المنظمة الحقوقية، وقال في بيان السبت الماضي إنها "تقدم خدمات مهمة للمصريين من خلال تعزيز الحقوق والحريات؛ حيث تعمل بشفافية كاملة".

إسكات ما تبقى

بدوره؛ حذر الباحث في قسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بمنظمة "هيومن رايتس ووتش" عمرو مجدي من "انحدار ثقافة حقوق الإنسان والعمل المدني والأهلي في مصر؛ بسبب الهجمات المتكررة على العاملين في مجال حقوق الإنسان، واستمرار القمع الأمني بشكله الواسع، مما ينذر بظهور جماعات تحمل أفكارا متطرفة وعنيفة في المستقبل".

واعتبر الحقوقي الدولي -في حديثه للجزيرة نت- أن استهداف المبادرة المصرية وقياداتها يأتي ضمن مسلسل طويل من محاولة إسكات صوت ما تبقى من مؤسسات العمل المدني والحقوقي في مصر منذ 2013، والمبادرة في القلب من تلك الحملة الممنهجة والخطيرة على العمل المدني الذي بدأ يتلاشى تدريجيا.

ولفت مجدي إلى أن المؤسسة جزء من القضية المستمرة رقم 173 لسنة 2011، والمعروفة بقضية "التمويل الأجنبي"، وتتضمن فرض المنع من السفر، وتجميد الأموال، إضافة إلى قيام قضاة تحقيق باستجواب بعض العاملين في منظمات غير حكومية.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

تصاعدت حملة التنديد الدولي إزاء اعتقال السلطات المصرية 3 مسؤولين من منظمة حقوقية بارزة، في حين اعتبرت الخارجية المصرية هذه الانتقادات “محاولة للتأثير على التحقيقات مع هؤلاء المواطنين المصريين”.

أيدت منظمات حقوقية دولية رسالتين أرسلهما في وقت سابق من هذا الأسبوع العشرات من المشرعين الأوروبيين والأميركيين إلى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي لحثه على الإفراج عن سجناء الرأي.

المزيد من سياسة
الأكثر قراءة