مصر للمطبعين الجدد: ألا ننبئكم بوعود العسل واللبن؟

اتفاقية السلام بين مصر وإسرائيل - كامب ديفيد
الرئيس المصري الأسبق أنور السادات (يسار) خلال توقيع اتفاق السلام مع إسرائيل في كامب ديفيد الأميركية عام 1978 (الجزيرة)

بعد وصول قطار التطبيع الإسرائيلي لمناطق بعيدة في الأراضي العربية، بدا واضحا أنه يحمل الكثير من الوعود للعرب بجني ثمار التعاون الاقتصادي والتجاري والتكنولوجي والزراعي والسياحي مع إسرائيل في وقت قريب.

وعود بـ"اللبن والعسل" لم تنقطع منذ إعلان الإمارات بشكل مفاجئ عن تطبيع علاقاتها مع إسرائيل يوم 13 أغسطس/آب الماضي، ووصف الرئيس الأميركي دونالد ترامب ذلك بالأمر التاريخي، مرورا بالبحرين يوم 11 سبتمبر/أيلول الماضي، وصولا إلى السودان يوم 23 أكتوبر/تشرين الأول السابق.

وفي محاولة لطلاء هذا التطبيع بقشرة من الذهب اللامع، تحدثت إسرائيل والإمارات ومعهما الراعي الأميركي عن اتفاقيات سيجري توقيعها بشأن قضايا أمنية وأخرى متعلقة بالاتصالات والطاقة والسياحة والرعاية الصحية وغيرها، وهو ما تكرر مع السودان لاحقا.

ومنذ ذلك الوقت، ضجت الصحف والمواقع الإخبارية والقنوات الفضائية ووسائل التواصل الاجتماعي في تلك البلدان بالحديث عما يحمله قطار التطبيع من "لبن وعسل" لشعوب الإمارات والبحرين والسودان، لكن ما حقيقة هذا الضجيج؟

يقول المثل العربي الدارج "أسمع جعجعة ولا أرى طحينا"، فهذه الجعجعة سبق أن وصلت إلى مصر، أول الدول العربية المطبعة قبل أكثر من 40 عاما، فيما عرفت باسم اتفاقية "كامب ديفيد" التي وُقعت في واشنطن عام 1979، في أول خرق للموقف العربي الرافض للتعامل مع الاحتلال.

وفي هذا السياق، يقول سياسيون واقتصاديون إنه ليس هناك أفضل من النظر إلى ثمار التطبيع بين مصر وإسرائيل الذي مر عليه أكثر من 4 عقود، فماذا استفادت مصر اقتصاديا وزراعيا وسياحيا وتكنولوجيا؟

الواقع يبدو مختلفا، حيث لا يشهد ذلك الرخاء المزعوم والتقدم الاقتصادي الموعود، بل شهد تدهورا اقتصاديا وعلامات توضح أن الوعود الحقيقية كانت بضمان العروش رغم أنف الشعوب، ويبدو أنه الوعد الذي أوفت به إسرائيل قدر استطاعتها، وهو ما يسيل له لعاب المطبّعين الجدد.

الأرقام تكشف الواقع

يحيلنا خبراء اقتصاد ومختصون في مجالات الطاقة والزراعة إلى الأرقام من أجل مطابقة وعود الرخاء قبل 40 عاما، بالواقع الحالي بين مصر وإسرائيل، الذي يكشف للوهلة الأولى عن تدهور مستمر.

لا يشكل الاستثمار ولا السياحة ولا التبادل التجاري والتعاون الاقتصادي بين البلدين أرقاما تذكر في الاقتصاد المصري، مما دفع الولايات المتحدة لاحقا لابتكار اتفاقية "الكويز" علها تنشط التعاون التجاري، بحسب الخبير الاقتصادي ممدوح الولي.

و"الكويز" اتفاقية تم توقيعها بين القاهرة وتل أبيب وواشنطن عام 2004، وتهدف إلى فتح الأسواق الأميركية أمام الصادرات المصرية (خاصة الملابس)، شريطة أن تحتوي على مكون إسرائيلي بنسبة 10.5% على الأقل.

وفي مؤشر على فتور العلاقات التجارية، زار وفد تجاري إسرائيلي القاهرة في أبريل/نيسان 2016 لدراسة إمكانية توثيق العلاقات الاقتصادية بين إسرائيل ومصر، وذلك لأول مرة منذ 10 سنوات، وفق موقع الخارجية الإسرائيلية.

يستكمل الولي، حديثه للجزيرة نت، بالقول إن حجم التجارة، رغم افتقارها لأرقام رسمية، محدود لا يتجاوز 0.5% من اقتصاد البلدين، وفيما يتعلق بالاستثمارات، فإن البنك المركزي المصري لا يعلنها ضمن ما يعلنه، ربما بسبب قلة حجمها.

وبحسب موقع الخارجية الإسرائيلية، بلغ حجم صادرات إسرائيل إلى مصر عام 2015 نحو 113.1 مليون دولار، مقابل 147.1 مليون دولار عام 2014. في حين كان حجم صادرات مصر إلى إسرائيل في تلك الفترة أقل بكثير، حيث بلغ في عام 2015 نحو 54.6 مليون دولار فقط، مقابل 58.3 مليون دولار في عام 2014.

وتعد السياحة هي المجال الأنشط بشكل أحادي من إسرائيل لشبه جزيرة سيناء، والتي شهدت تراجعا منذ اندلاع ثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011، لينخفض عدد السياح من 226 ألفا عام 2010 إلى نحو 133 ألفا فقط عام 2012، ثم يرتفع إلى 344 ألفا في 2018 من إجمالي 11 مليون سائح زاروا مصر، وفق إحصاءات مصرية رسمية.

لكن بحسب الولي فإن السياحة الإسرائيلية إلى مصر ذات مردود اقتصادي ضعيف، إذ تعتمد على سياحة السفاري (التخييم) واليوم الواحد، وتتركز في مناطق دهب ونويبع وطابا وشرم الشيخ بمحافظة جنوب سيناء، وبالتالي قلة الإنفاق، وهو ما يعني ضعف العائد منها.

وأكد الخبير الاقتصادي أنه رغم تقدم إسرائيل في مجالات التكنولوجيا وتحلية مياه البحر والزراعة، فإنها تحتكرها لنفسها وتعتبر مصر سوقا لا شريكا.

ومن أوجه التعاون بين البلدين، والحديث لا يزال للولي، الأيدي العاملة المصرية في إسرائيل، لكنها لا تشكل نسبة تذكر من حجم العمالة المصرية بالخارج، والأجور ليست مرتفعة مقارنة بمستوى المعيشة هناك، وبالتالي مستوى الاستفادة محدود بالأرقام لا بالكلام.

خسارة معركة الغاز

فيما يتعلق بمجال الطاقة، قال وكيل لجنة الصناعة والطاقة بالبرلمان المصري السابق مصطفى محمد مصطفى إن مصر خسرت مليارات الدولارات من خلال تصدير الغاز إلى إسرائيل بثمن بخس في عهد مبارك، قبل أن تتحول إلى استيراده منها عبر صفقة بنحو 19 مليار دولار لمدة 15 عاما، مضيفا "لولا التطبيع ما كانت تحلم إسرائيل بتصدير غازها، ولظل حبيس البحر".

وفي حديثه للجزيرة نت، وأوضح البرلماني السابق أن مصر دفعت تعويضات بمئات ملايين الدولارات جراء توقف تدفق صادرات الغاز المصري إلى إسرائيل عقب ثورة يناير، ومن دون التطبيع مع مصر لا تستطيع إسرائيل تصدير الغاز إلى أوروبا لأنها لا تمتلك محطات لإسالة الغاز وتستخدم محطتي إدكو ودمياط على البحر المتوسط.

وختم حديثه بالقول: وأخيرا تم تبديد حلم مصر بأن تصبح مركزا إقليميا للطاقة بعد الاتفاق بين إسرائيل وقبرص واليونان على إنشاء خط "إيست ميد" الذي تدعمه أميركا لتخفيف اعتماد أوروبا على الغاز الروسي، ليقتصر دور مصر على استقبال الغاز الإسرائيلي وتسييله في محطاتها.

 

تدهور القطاع الزراعي

على المستوى الزراعي حدّث ولا حرج، بحسب خبير الاقتصاد الزراعي عبد التواب بركات، الذي يرى أن التطبيع مع إسرائيل أدى إلى أضرار كبيرة في القطاع الزراعي بمصر بعد أن كان محرك الاقتصاد قبل 4 عقود.

وفي حديثه للجزيرة نت، يضرب بركات بذلك مثلا بأن كثيرا من أمراض الزراعة المصرية جاءت عبر إسرائيل، كسوسة النخيل، وحشرة فرو النحل التي دمرت المناحل المصرية، والمبيدات المسرطنة التي دخلت مصر في الثمانينيات والتسعينيات، ويؤكد الخبراء أنها دخلت عبر إسرائيل أيضا.

وأكد أن إسرائيل هي التي استفادت من الخبرات المصرية الزراعية العريقة، حيث حصلت على أصناف القطن طويل التيلة وفائق الطول، وأجرت عليه تحسينات لتصل إنتاجية الفدان لديها إلى أكثر من 15 قنطارا، في حين تخلفت إنتاجية الفدان في مصر إلى أقل من 6 قناطير.

وفيما يتعلق بقطاع الثروة الحيوانية، أكد عبد التواب أن إسرائيل حصلت على أصناف متميزة من حيث إدرار اللبن من الجاموس المصري بسبب علاقاتها المتميزة مع وزير الزراعة الأسبق يوسف والي، وقامت بتحسين هذه السلالة إلى معدلات فاقت الأصناف الموجودة في مصر.

ويوسف والي هو وزير الزراعة في عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك، وكان المتهم الأول في قضايا سرطنة الكثير من الزراعات عبر السماح باستخدام مبيدات زارعية إسرائيلية.

حصاد التطبيع

بدوره، يُجمل الباحث الاقتصادي حافظ عبد الصاوي نتائج التطبيع بأنها لصالح إسرائيل فقط، قائلا "خسائر الكيان الصهيوني من المقاطعة الاقتصادية العربية وغير العربية خلال الفترة 1956 و2001، كانت نحو 95 مليار دولار، ولكن اتفاقيات السلام العربية مع الكيان الصهيوني أوقفت هذا التأثير السلبي".

وأشار في مقال له إلى "ارتفاع تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر، التي كانت بحدود 11 مليون دولار في عام 1979، وأصبحت 20.7 مليار دولار في 2018، وذلك وفق أرقام قاعدة بيانات البنك الدولي".

وأضاف "لم يتعلم المسؤولون العرب من الثمار المُرة التي تحققت في الفترة الماضية من خلال إقامة علاقات السلام مع الكيان الصهيوني، كما لم يتعلموا من أن فرقتهم وغياب مشروعهم للتعاون والتكامل الاقتصادي العربي تسببا في إضعاف موقفهم التفاوضي، وإذا ما ساروا على النهج نفسه في خطة ترامب الجديدة، فمعنى ذلك ضياع مزيد من الحقوق والثروات".

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من سياسة
الأكثر قراءة