بعد الضربات الأخيرة ضد الحشد الشعبي.. العراق بين اعتصامين

الجزيرة نت-بغداد

أجواء مشحونة يعيشها العراق خاصة بعد اقتحام الآلاف من مؤيدي الحشد الشعبي الثلاثاء الماضي محيط السفارة الأميركية في بغداد، ومن ثم الاعتصام مقابلها للمطالبة بخروج القوات الأميركية. في وقت كانت البلاد تشهد منذ نحو ثلاثة شهور اعتصامات متواصلة في العاصمة ومدن أخرى للمطالبة بإصلاحات كبيرة في نظام الحكم.   

وصار الواقع الآن أن بغداد تعيش بين اعتصامين الأول متواصل منذ أكتوبر/تشرين الأول الماضي مركزه ساحة التحرير، والآخر عند شارع أبو نواس بالضفة الشرقية لنهر دجلة مقابل سفارة واشنطن يطالب بإخراج القوات الأميركية من البلاد.

وبينما تنادي احتجاجات ساحة التحرير برحيل الطبقة السياسية وتتهمها بالعمالة لإيران، جاءت الفرصة مواتية لمؤيدي الأحزاب الحاكمة والمدعومة من فصائل الحشد الشعبي الموالية معظمها لطهران لتندد بالوجود الأميركي وتطالب بالإبقاء على النظام الحاكم.

متظاهرو التحرير يرفعون العلم العراقي للتعبير عن عدم انتمائهم لأي طرف أو جهة خارجية (الجزيرة نت)

ترقب واستغراب
المتظاهرون بساحة التحرير راقبوا باستغراب اقتحام عناصر ومؤيدي الحشد الشعبي للمنطقة الخضراء، واقتحام محيط السفارة الأميركية ومحاصرتها لنحو 32 ساعة، وكيف ألحقوا أضرارا بعدد من المنشآت التابعة لها، وذلك للرد على ضربة الأحد الماضي التي وجهتها المقاتلات الأميركية لمعسكرات "كتائب حزب الله" المنضوية في الحشد الشعبي عند الحدود بين سوريا والعراق.

ولعل ما لفت متظاهري ساحة التحرير -بحسب كريم جبار- إمكانية اقتحام المنطقة الخضراء بسهولة من قبل عناصر الحشد، في حين يحاول المحتجون المتمركزون في ساحة التحرير -منذ نحو ثلاثة أشهر- الدخول للمنطقة الخضراء حيث المقار الرئيسية لأجهزة الحكومة، وقدموا في سبيل ذلك مئات القتلى وآلاف الجرحى وآلاف المعتقلين. ولم يستطيعوا عبور أحد الجسرين الجمهورية أو السنك الموصلة للمنطقة الخضراء.

واستغرب جبار -في حديث للجزيرة نت- عدم تعرض أي من المحتجين المناصرين للحشد لأي أذى خلال اقتحامهم المنطقة الخضراء واعتصامهم الأول أمام مبنى السفارة الأميركية قبل انسحابهم وتنظيم اعتصام ثان على الضفة الشرقية لنهر دجلة الجهة المقابلة لسفارة واشنطن.

واعتبر تفسيرا لذلك أن أغلب القائمين على اعتصام الحشد ركائز أساسية في الحكومة الحالية، وبالتالي فإن ثمة امتيازات قدمت لهم من السلطة سهلت وصولهم لمبنى السفارة الأميركية.

اعتصامان متناقضان
الجزيرة نت تواصلت مع عدد من متظاهري الساحتين في بغداد، ووجدت تناقضا كبيرا من حيث التنظيم والمطالب ونظرة السلطة لكل منهما.

متظاهرو التحرير رأوا أن التوتر الأميركي الإيراني سيؤثر على الحراك الشعبي المنادي بحكم مدني ديمقراطي بعيدا عن جميع الأحزاب والقوى السياسية المتعاقبة على إدارة البلاد بعد عام 2003.

وفي هذا الصدد، قال محمد الجبوري (أحد معتصمي ساحة التحرير) إن الجميع يعرف أن المظاهرات التي نظمها "موالون لإيران" قبل أيام ضد السفارة الأميركية في بغداد حركة سياسية لاستغلال هجوم القائم حيث لاقت ترويجا من قبل كتل سياسية لم يرق لها اعتصام الشعب المتواصل في ساحات التظاهر المختلفة في بغداد ومدن أخرى بالوسط والجنوب.

قمع مرتقب
وفي وقت يحاول قادة الفصائل المسلحة وناشطوهم تذويب احتجاجات أكتوبر بمختلف الطرق والأساليب، يوضح الجبوري -في حديثه للجزيرة نت- أن صمود الثوار سيحبط كل مخططاتهم، مشيرا إلى أن المعتصمين في ساحة التحرير وباقي المحافظات "موقفهم ثابت ومطالبهم واضحة ولن يعيروا اهتماما لمظاهرات الحشد".

لكن الجبوري أكد وجود خشية لدى معتصمي ساحة التحرير من قمع المظاهرات أكثر من السابق، بسبب اعتبار الأحزاب العراقية أن حراكهم الشعبي المستمر منذ شهور مدعوم أميركيا، وبالتالي قد تكون فرصة مواتية لإسكات المحتجين السلميين في ظل الشحن المتصاعد ضد واشنطن بعد تنفيذها الأيام الأخيرة عدة ضربات استهدفت الحشد.

محيط السفارة الأميركية في بغداد بعد انسحاب متظاهري الحشد (التواصل الاجتماعي)

تهم متبادلة
وفي المقابل، يرى معتصمو فصائل الحشد أن اعتصامهم هذا سيستمر لحين تشريع البرلمان قانون إخراج القوات الأجنبية من العراق بعد "جرائمها ضد الحشد" مؤكدين أن هذا الحراك لا علاقة له بمظاهرات يدعمها "الجوكر الأميركي" في إشارة لاحتجاجات ساحة التحرير.

وقال حسام الوائلي أحد معتصمي الحشد الشعبي "القادة وجهوا بالاكتفاء بالرد على العدوان الأميركي بالاحتجاج الشعبي، وسيكون هناك حراك سياسي أيضا للرد على هذا العدوان من خلال إقرار قانون إخراج القوات الأجنبية من العراق".

وأشار إلى أن "استخدام الرد العسكري تصرف غبي، وفي اليد خياران لإخراج تلك القوات من خلال الاحتجاج الشعبي السلمي، وكذلك الحراك السياسي البرلماني".

وبموازاة ذلك، تعتزم القوى السياسية تشريع قانون إخراج القوات الأجنبية، وعلى رأسها الأميركية، عبر مجلس النواب.

من جهة أخرى تشعر ساحات الاعتصام في بغداد والمدن الأخرى بالغضب الشديد، معتبرين أن الأحزاب الحاكمة استغلت حالة التصعيد الذي يشهده العراق بعد الضربات الأميركية للتنصل من وعودها بإجراء إصلاحات وإجراء تعديلات في الدستور والنظام الانتخابي، واختيار رئيس حكومة جديد من المستقلين.

المصدر : الجزيرة