النفيسي ما زال يثير الجدل بعد فتح "صندوقه الأسود"

أحمد دعدوش
 
أثار المفكر والنائب الكويتي السابق عبد الله النفيسي جدلا تجاوز حدود بلاده نظرا لصراحة الرجل في طرح أفكاره واستعادته العديد من ذكرياته ومواقفه الصدامية، عبر سلسلة لقاءات بُثت على موقع يوتيوب ربط مراقبون بينها وبين استدعائه للتحقيق، وحتى محاولة اغتياله من جهة مجهولة.

وعلى مدى نحو أربعة أشهر، بثت قناة "القبس الإلكتروني" 32 حلقة حوارية من برنامج "الصندوق الأسود" مع النفيسي (75 عاما) الذي فتح عشرات الملفات الحساسة من صندوقه الأسود المليء بالأسرار والخفايا والأفكار الجريئة.

ومنذ بث الحلقات الأولى، أشعل النفيسي جدلا حادا كعادته على مواقع التواصل ووسائل الإعلام، مما اضطر مضيفه الإعلامي عمار تقي لاستضافته في أربع حلقات إضافية بعد انتهاء السلسلة، لغاية الرد على التساؤلات والانتقادات الكثيرة التي طالت البرنامج والضيف، بالتوازي مع مئات التعليقات والتغريدات التي أثنت عليه.

ذكريات غنية
وابتدأ النفيسي سرد ذكرياته بالعودة إلى أصول عائلته النجدية قبل نزوحها إلى الكويت أواخر القرن التاسع عشر، ثم ابتعاثه برفقة شقيقه من قبل والدهما في بداية الخمسينيات إلى كلية "فيكتوريا" في القاهرة، والتي كانت من أهم المدارس الداخلية الأوروبية في المنطقة، حيث أتم على يد الكادر التعليمي البريطاني تعليمه الابتدائي والإعدادي والثانوي.

ومن المحطات اللافتة التي ذكرها المفكر الكويتي، أنه قرر قطع دراسته للطب في بريطانيا بمجرد اطلاعه على أفكار الملحدين، وعاد إلى بلاده للتفرغ لتعلم أصول دينه، معتبرا أن هذا التأسيس العقائدي كان ضروريا قبل مواصلة تعليمه في أي مجال آخر.

وقد كان هذا الانقطاع سببا في تغيير وجهته لاحقا صوب العلوم السياسية التي نال فيها درجة الدكتوراه من جامعة كامبريدج بداية السبعينيات، بعد تخصصه في الفكر السياسي الشيعي ودوره بالمنطقة.
 
وكشف النفيسي في هذه السيرة الذاتية المصورة عن الجانب الثوري في شخصيته، فعندما فوجئ بمعلمه البروفيسور جلال صادق العظم وهو ينشر أفكاره الإلحادية عبر منبر الجامعة الأميركية في بيروت، سعى النفيسي -وهو طالب عشريني- لإثارة حالة من الرفض الشعبي والديني لأفكار العظم، ثم قاد مظاهرات طلابية تطالب بإسقاطه، مما اضطر إدارة الجامعة أخيرا إلى فصله عن العمل.

وعندما عاد النفيسي إلى بلاده ليترأس قسم العلوم السياسية بجامعة الكويت، قاد إضرابا برفقة زملائه لصالح استقلال المؤسسة التعليمية عن السلطة، ثم نشر كتابا بعنوان "الكويت.. الرأي الآخر" يحتج فيه على حل مجلس الأمة (البرلمان)، لينال عقوبته بالفصل من عمله الأكاديمي ومصادرة جواز سفره.

إثارة الجدل
كما تحدث النفيسي خلال البرنامج عن صداماته السياسية والفكرية تحت قبة البرلمان عندما صار نائبا في منتصف الثمانينيات، وكذلك على شاشة التلفزيون الرسمي عندما كان يقدم برنامجا حواريا بعنوان "المائدة المستديرة"، وحتى في المجالس المسماة بالديوانيات التي اقتيد من إحداها على يد قوات الأمن إلى مركز الشرطة.

وكشف عن عشرات المواقف التي مر بها خلال لقاءاته بشخصيات صنعت الواقع السياسي في المنطقة، مثل زعيم حركة طالبان الراحل الملا عمر، وكبار الشخصيات الشيعية في إيران والعراق ولبنان، والعديد من الرؤساء والمسؤولين والمفكرين.
 
ومن بين الآراء التي أثارت الجدل في هذه السلسلة، كرر النفيسي انتقاده للسلطة في بلاده وفي بقية دول المنطقة، معتبرا أنها محكومة "بتنظيم صحراوي" وتفتقر إلى الحنكة السياسية، وقال "إذا لم ينته هذا الموقف فسيدخل التاريخ في عملياته الجراحية".

واستعاد أيضا ذكرياته عن الغزو العراقي للكويت مطلع التسعينيات، متحدثا عن إصراره آنذاك على محاسبة السلطة على مواقفها، وعلى ضرورة إصلاح الوضع الداخلي بعد تحرير الكويت لاستعادة الثقة بين المواطن والسلطة.



وأسهب المفكر الكويتي في نقده لجماعة الإخوان المسلمين، نافيا مرات عدة انضمامه إليها طوال مسيرته، ورأى أن الجماعة تفتقر إلى الإلمام بتعقيدات الخارطة السياسية، مشددا على تواضع خبرتها السياسية التي لمسها خلال لقاءاته ببعض المرشدين وقادة الجماعة.

وعمم النفيسي نقده بالقول إن كل الجماعات الإسلامية مخترَقة، وإن أخبار اجتماعاتها تصل يوميا إلى الجهات الأمنية في كل الدول العربية، مضيفا أنها أضعف بكثير مما نعتقد، مما يتيح للجهات الأمنية أن تقحمها في حروب بالوكالة، كما فعل الرئيس المصري الأسبق أنور السادات عندما أفرج عن قادة الإخوان ومنحهم حرية نسبية للعمل بهدف إشغال اليساريين في الصراع معهم، حسب رأيه.



كما صب النفيسي جام غضبه على الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر، محملا إياه مسؤولية التدهور الاجتماعي في مصر والمنطقة، فضلا عن السياسي.

وطالت انتقاداته اللاذعة أيضا الفنانة أم كلثوم، مما أثار موجة من الانتقادات ضده، فدافع النفيسي عن موقفه في حلقات الردود اللاحقة.

استدعاء ومحاولة اغتيال
وفي 5 يناير/كانون الثاني الجاري، أي بعد تسعة أيام على بث الحلقة الأخيرة من السلسلة، أمرت محكمة الجنايات في الكويت بإحضار النفيسي على ذمة قضية تتهمه بالإساءة إلى دولة الإمارات، بعد "تخلفه عن حضور الجلسة رغم إعلامه بها".

ونشر النفيسي على حسابه بموقع تويتر، الذي يتابعه نحو 2.6 مليون شخص، بيانا يؤكد فيه أنه لم يصله أي إشعار بهذه القضية من قبل، وأنه مستعد للدفاع عن نفسه أمام القضاء.



وأعاد ناشطون تداول تغريدة كتبها النفيسي عام 2017 وقال فيها "محمد دحلان هو الذي يحكم الإمارات، وإسرائيل تحكم محمد دحلان.. فكّر فيها بعمق".

واعتبر بعضهم أن جرأة النفيسي في انتقاد الكثير من الحكومات والمسؤولين خلال برنامجه الأخير كان سببا في استدعائه للمحاسبة على تلك التغريدة القديمة، حسب رأيهم.

وبعد نحو عشرة أيام، قال المحامي الكويتي عادل عبد الهادي إن موكله النفيسي تلقى تهديدا بالقتل من خلال زرع عبوة ناسفة في سيارته، مما دفع بعض المغردين أيضا إلى الحديث عن استياء بعض الجهات من فتح النفيسي لصندوقه الأسود.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

سلط برنامج “خارج النص” الضوء على كتاب “الحركة الإسلامية.. ثغرات في الطريق” للمفكر الكويتي عبد الله النفيسي، والذي أثار جدلا واسعا داخل الحركات الإسلامية.

استضاف برنامج “المقابلة” المفكر والأكاديمي الكويتي عبد الله النفيسي الذي تحدث عن رؤيته لقضية الاتحاد الخليجي والعلاقة بين العالم العربي وإيران، ومستقبل الربيع العربي وتيار الإسلام السياسي.

المزيد من سياسة
الأكثر قراءة