الاقتتال القبلي في بورتسودان.. حكاية قديمة بعثتها الآثار الجانبية للثورة

أحمد فضل-الخرطوم

سرت اضطرابات عرقية بين قبيلتي البني عامر والنوبة في ولايات شرق السودان الثلاث على مدى ثلاثة أشهر، لتتحول إلى أحداث دامية راح ضحيتها نحو مئة قتيل في مدينة بورتسودان على البحر الأحمر حيث الميناء الرئيس للبلاد.

وساعدت حالة من الفلتان والتسيب الأمني التي أعقبت سقوط الرئيس عمر البشير في 11 أبريل/نيسان الماضي، على انتشار التوتر القبلي على طول حزام الشرق.

وكانت خسائر هذا الاقتتال في الأرواح والممتلكات فادحة في بورتسودان، حيث يشكل المكونان عصب الحياة في المدينة الواقعة على بعد حوالي 675 كلم شمال شرق العاصمة الخرطوم.

وقال الصحفي المقيم في بورتسودان إيهاب محمد نصر للجزيرة نت إن الحياة الآن شبه مشلولة في المدينة، إذ إن النوبة والبني عامر من المكونات الكبيرة فيها وتعتمد عليهم أغلب الأعمال اليدوية. 

إحصاءات مؤلمة
وبلغ ضحايا الأحداث التي تجددت الخميس الماضي جراء مشاجرة 37 قتيلا من الطرفين، بحسب لجنة أطباء السودان المركزية وهي كيان يتبع تجمع المهنيين، دون أن تصدر أي إحصاءات رسمية حتى الآن.

وتحصر مصادر ببورتسودان -تحدثت إليها الجزيرة نت- عدد الضحايا الذي أوردته لجنة أطباء السودان في قبيلة النوبة، مشيرة إلى 11 قتيلا آخرين من البني عامر.

وتقول المصادر ذاتها إن تجدد المواجهات بين القبيلتين والتي استمرت أيام الخميس والجمعة والسبت، حملت تطورات خطيرة هذه المرة تمثلت في فظاعات شملت القتل حرقا واستخدام الرصاص بدلا عن السلاح الأبيض على نحو واسع، فضلا عن حرق مربعات سكنية بأكملها.

وهو الأمر الذي أكده تقرير لجنة أطباء السودان المركزية يوم الاثنين بإيراده أن 17 حالة وفاة من جملة 37 قتيلا هي جراء طلق ناري، و92 مصابا من نحو مئتي مصاب أصيبوا بأعيرة نارية، فضلا عن ثمانية أشخاص قتلوا حرقا.

ويقول شهود عيان من المدينة إنهم شاهدوا جثثا تناثرت في الشوارع وتم قبرها دون الذهاب بها إلى المشرحة.

بذور الفتنة
وفي أحداث مشابهة اندلعت أوائل يونيو/حزيران الماضي، سقط 40 قتيلا من البني عامر مقابل 12 من النوبة يوم وقفة عيد الفطر، لتفقد المدينة في مجمل هذه الأحداث مئة قتيل.

وتصادف أن كانت تلك الأحداث عقب فض الاعتصام أمام القيادة العامة للجيش بالخرطوم يوم 3 يونيو/حزيران الماضي.

وتعود شرارة الانفلاتات بين النوبة والبني عامر إلى فترة الاحتجاجات إبان عهد الرئيس المعزول عمر البشير، عندما استغل منفلتون الاحتجاجات في مدينة القضارف لنهب محل تجاري، فاضطر مالكه لقتل اثنين من المهاجمين بسلاح ناري.

بعدها وفي نفس المدينة نشب خلاف بين سقا من قومية البني عامر وسيدة من النوبة، انتهى إلى عدد من القتلى والمصابين.

ومنها سرت حالة الاحتقان إلى مدينة خشم القربة بولاية كسلا، عندما أردى جواهري قتيلين بالرصاص لمحاولتهما نهب معرضه.

الجيش ينتشر في بورتسودان لاحتواء الاشتباكات القبلية (مواقع التواصل)

ذكريات أليمة
وطبقا لإيهاب نصر، فإن أول اقتتال وقع بين القبليتين كان في يناير/كانون الثاني 1986، لكنه كان محدود الخسائر وتم احتواؤه في 24 ساعة، قائلا "إن تجدد هذا الصراع بعد ذهاب النظام البائد يفتح عدة أسئلة".

وينبه نصر إلى أن الحديث عن أن النوبة وافدون يخالف الواقع لأن وجودهم قديم وكبير لدرجة أن لديهم نظارة بولاية البحر الأحمر، على رأسها الناظر كامل أزرق؛ بينما البني عامر نظارتهم في ولاية كسلا المجاورة ويديرهم بولاية البحر الأحمر وكيل ناظر.

وعدّت الحركة الشعبية-قطاع الشمال في بيان يوم الاثنين، الأحداث انعكاسات للتوجهات والسياسات العنصرية للدولة السودانية منذ عام 1956، بخلق العداءات العرقية وتسليح مجموعات ثقافية اجتماعية ضد أخرى.

وحذر السكرتير العام للحركة عمار أمون من أن تكون أحداث بورتسودان مقدمة لفتن أكبر وأشمل تغذيها وتديرها الحكومة، ويمكن أن تطال مدنا أخرى في ظل انتشار سلاح ملَّكته الدولة لتلك المجموعات وطالب بإجراء تحقيق نزيه وشفاف.

تهاون حكومي
وطالت اتهامات التقصير والتباطؤ الأجهزة الرسمية التي عجزت عن وأد فتنة استمرت نحو ثلاثة أشهر، لتسفر عن أحداث دامية قبيل عيد الفطر وبعيد عيد الأضحى.

وربما ذلك ما دعا المجلس السيادي لإقالة الحاكم العسكري لولاية البحر الأحمر ومدير جهاز المخابرات العامة بالولاية.

ويرى زعيم أهلي تابع لقبيلة البني عامر رفض ذكر اسمه، أن اختراق "القلد" -وهو نظام صلح قبلي يحظى باحترام قبائل البجا بشرق السودان- هو ما فاقم الأحداث.

ويقول إن القلد (الصلح) دائما ما تكون مدته شهر، يتم خلاله تقديم الجناة للعدالة ودفع الديات والتعويضات، وانتهت فترته في 8 يوليو/تموز، وبعد عشرة أيام وصل بورتسودان وفد من الإدارات الأهلية على مستوى السودان وطلب تمديد المهلة شهرا آخر.

ويضيف أنه بعد 8 أغسطس/آب وصل وفد من حزب المؤتمر الشعبي بولاية نهر النيل المجاورة وطلب مهلة أخرى حتى 8 سبتمبر/أيلول، لكن الهدنة تم اختراقها هذه المرة بمشاجرة.

وقد ظهر عجز السلطات في تقييد 1070 بلاغا ضد مجهول في أحداث بورتسودان، وما أقر به مدير شرطة الولاية في المؤتمر الصحفي للجنة تقصي الحقائق الشهر الحالي هو أن الشرطة انسحبت أثناء الأحداث لنفاد الغاز المدمع، وهو ما لم يكن ليحدث إبان الاحتجاجات.

المصدر : الجزيرة