الحراك الشعبي في الجزائر يفجر ثورة الصورة

صورة التقطها توفيق دودو الذي تتبع الحراك من الجزائر العاصمة إلى برج بوعريريج (الجزيرة)
صورة التقطها توفيق دودو الذي تتبع الحراك من الجزائر العاصمة إلى برج بوعريريج (الجزيرة)

الخير شوار-الجزائر  

لم يكن تقي الدين زيان -وهو مراسل صحفي مقيم بمدينة برج بوعريريج (260 كيلومترا شرق الجزائر العاصمة)- يتصور أنه سينتج فيلما وثائقيا بتلك السرعة وتلك الحماسة، لكن الفكرة تبلورت عنده تلقائيا، وأصبح يمتلك المادة الكاملة لفيلم بعنوان "البرج عاصمة الحراك".

والفيلم هو حصيلة سبع قصص إنسانية أنجزها على مدار سبعة أسابيع من تاريخ "حراك الجزائر" الذي بدأ في 22 فبراير/شباط الماضي، وما زال مستمرا بعد استقالة الرئيس عبد العزيز بوتفليقة وسقوط الكثير من رموز النظام السابق.

ويقول تقي الدين في حديثه للجزيرة نت إن الفكرة بدأت مع إنجازه قصة تلفزيونية تتناول مشاركة الروائي عبد الرزاق بوكبة برفقة بناته في الحراك انطلاقا من مدينة برج بوعريريج، كنموذج للنخبة الثقافية التي كانت مترددة خائفة من الانزلاق لكنها فوجئت بالسلمية لتلتحق سريعا خلال الجمعة الثانية وتقدم له إضافة كبيرة.

وقد حققت القصة نجاحا ملفتا، خاصة أن منجزها -وهو خريج كلية الإعلام- قام بالتصوير والمونتاج وكتابة التقرير في آن معا.
الحراك الجزائري بعيون المصور سمير سيد (الجزيرة)

قصص إنسانية
وتوالت القصص الإنسانية التي أنجزها تقي الدين زيان من خلال الاقتراب من شباب الملاعب الذين أبدعوا في الأهازيج انطلاقا من ميادين كرة القدم إلى ساحات وميادين الحراك الشعبي، وأعطوا صورة سلمية بعيدا عن تهمة العنف التي ظلت تلاحقهم سنين طويلة.

ثم جاءت قصة الفرقة الموسيقى النحاسية التي قدمت بدورها إضافة نوعية برسالة فحواها أن "للشعب كذلك فرقته النحاسية التي تعزف لحن الانسجام والنظام في صفوف المتظاهرين كالفرقة التي تعزف لأفراد الجيش".

من جانبه، يرى المصور الصحفي توفيق دودو أن الحراك الشعبي حرره من العمل "الروتيني الجاف"، وأطلق العنان لمواهبه الفنية، ليجد نفسه يراكم الصور الفوتوغرافية التي تؤرخ لما وقع بعين فنية.

ويؤكد توفيق للجزيرة نت أنه يفصل بين عمله الصحفي في وكالة "بي بي أجنسي" للصور، وعمله الفني الحر الذي أنجزه منذ البدايات الأولى للحراك.

كان توفيق في البداية مأخوذا بين صور المتظاهرين التي فرضت نفسها بتنظيمها وبشعاراتها، لكنه مع مرور الأيام والأسابيع وجد نفسه مضطرا لاتباع منهجية خاصة تخرجه من "الروتين" الذي بدأ يتسرب إلى الصورة عندما وجد الكثير من المصورين ينجزون المشاهد الجاهزة بنظرات متقاربة، وهنا بدأ يشتغل بشكل مختلف بحثا عن بصمة خاصة.

العلم الجزائري يزين كل التحركات (الجزيرة)

ووجد دودو الفكرة أولا في إنجاز سلسلة من "الريبورتاجات" المنفصلة، وفي هذا الصدد أنجز "ريبورتاج صور" خاصا بفرق "السترات البرتقالية" التي برزت في الأسابيع الأخيرة من الحراك، وهي فرق مكونة من شباب متطوعين يقدمون المساعدة لمن يطلبها، والإسعافات الأولية للمصابين إن وجدوا وغيرها من الخدمات، ليتبعه عمل آخر يتناول "الألعاب النارية" التي خرجت من ملاعب كرة الكرة إلى ميادين الحراك السياسي.

ولأن مدينة برج بوعريريج بدأت تصنع الحدث في الأسابيع الماضية فإن توفيق دودو تنقل إلى هناك وأنجزت هناك "ريبورتاجات" من قلب الحدث، استغل بعضها في عمله الصحفي، أما البقية فقد تمت أرشفتها جيدا وتنتظر انتهاء الحراك لتصدر في كتب مصورة بالاشتراك مع بعض الصحفيين الذين بدؤوا في الاتصال به من أجل إنجاز أعمال مشتركة انطلاقا من الصور التي التقطها.

صورة من برج بوعريريج التقطها توفيق الدودو (الجزيرة)

منظور خاص
ويؤرخ سمير سيد -الذي يعمل مصورا صحفيا في صحيفة "لوسوار دالجيري" الناطقة باللغة الفرنسية- للحراك من منظور خاص.

وسمير المعروف بين زملائه بالمصور المشجع -وهو من أشهر مشجعي فريق مولودية الجزائر لكرة القدم- يعرف الملاعب جيدا، وكان يتنبأ منذ زمن طويل بثورة شارع تنطلق من الملعب.

ولأن الأحداث سارت مثلما توقعها، فإن سمير لم يكتف بعمله اليومي في الصحيفة، بل أراد مشاركة غيره كثيرا من الصور غير المنشورة من خلال صفحة "دي زد فوتوز" (DZphotos) التي أسسها والتي تضم كثيرا من الصور الطريفة بتوقيعه فوقها حتى يحافظ على ملكيته الفكرية.

ولم يكتف سمير بذلك، وفي حديثه للجزيرة نت يؤكد أن عمله الكبير الذي هو بصدد إنجازه يتمثل في كتاب مصور يتناول الحراك "من الملعب إلى الشارع"، ويضم صورا كثيرة لم ينشرها في الصحف ولا في مواقع التواصل الاجتماعي، وسيحرص من خلاله على تناول قصة إنسانية فيها كثير من الصور المعبرة وقليل من الكلمات "لأن العصر هو عصر صورة بامتياز" مثلما يقول.

توفيق دودو يتتبع الحراك من الجزائر العاصمة إلى برج بوعريريج (الجزيرة)

ولأن العصر هو عصر صورة كما قال سمير، فإن التصوير لم يعد حكرا على المحترفين، فجميع وقفات ومسيرات الحراك الشعبي يتسابق فيها الناس لالتقاط الصورة مستخدمين في ذلك هواتفهم المحمولة وآلات التصوير والكاميرات الرقمية، بعضهم يخزنها في أرشيفه الشخصي، وبعضهم ينشرها ويتقاسمها عبر مواقع التواصل الاجتماعي، والبعض يفكر في تضمينها بكتب قد تصدر بعد ذلك.

وفي انتظار نهاية الحراك الذي يبدو أنه لا يزال متواصلا بصور قد تكون أكثر طرافة مما أنجز لحد الآن.

المصدر : الجزيرة