لونوفيل أوبسرفاتور: محرقة الظهرة.. أو عندما قتل 760 جزائريا حرقا أثناء الغزو الفرنسي

بوجو، أحد المسؤولين عن "محرقة الظهرة" سينهي حياته مكرما مبجلا في فرنسا (غيتي )
بوجو، أحد المسؤولين عن "محرقة الظهرة" سينهي حياته مكرما مبجلا في فرنسا (غيتي )
في سياق تعاونها مع الموقع الصحفي لمكتبة فرنسا الوطنية، تستعرض مجلة لونوفيل أوبسرفاتور الفرنسية كل أسبوعين موضوعا تاريخيا من خلال ما كتبت عنه الصحف الفرنسية في وقته، واليوم تعود بنا إلى التاريخ الاستعماري في أفريقيا، وخاصة "محرقة الظهرة" في الجزائر في أربعينيات القرن التاسع عشر.

وانطلقت المجلة من تاريخ 1845، عندما أرسل ملك فرنسا ضابطا من خيرة جنوده لإخماد المقاومة التي يقودها الأمير عبد القادر الجزائري منذ 15 سنة في بلاده بعد أن سقطت في أيدي الفرنسيين.

فبالنسبة لهذا الجنرال الذي تم تجنيده في الجيش النابليوني في سن العشرين، وشارك في حملات بروسيا وبولندا، وقمع الشغب في باريس عام 1834، "يجب تعقب المنافس واصطياده وتدميره"، ولذلك كون فرقا متنقلة تدمير وتصادر الأراضي وتنهب المحاصيل والماشية وتحرق من لجؤوا إلى الكهوف، من أجل خنق القبائل بكاملها، رجالا ونساء وأطفالا وشيوخا.

ورغم أن العقيد أوجين كافيناك هو الذي افتتح هذه الممارسة في يونيو/حزيران عام 1844 بحرق المئات في الكهوف على الضفة اليسرى لوادي الشلف، فإن بوجو هو الذي "قام بالتنظير لها"وبتعميمها بإعلانه الشهير "إذا انسحب هؤلاء الأوغاد إلى كهوفهم، فأوقدوا عليهم النار مثل الثعالب".
سياسة كافيناك:
"إذا انسحب هؤلاء الأوغاد إلى كهوفهم، فأوقدوا عليهم النار مثل الثعالب"

وعندما كانت المقاومة تنتظم حول الشيخ بو معزة في الشمال الغربي، في صخرة الظهرة ووادي الشلف، تعقبهم العقيدان إيمابل بليسييه وأشيل سان أرنو بأربعة آلاف رجل واستخدموا مفهوم بوجو في 18 يونيو/حزيران 1845، وأشعلوا النار عند مدخل كهوف غار الفريش، حيث لجأت قبيلة أولاد رياح المتحالفة مع بو معزة.

وفي صباح اليوم التالي عند الفجر -كما تقول الصحيفة- عثر على 760 جثة لرجال ونساء من كل الأعمار، وعلق المارشال بوجو "إنها نهاية قاسية، لكن هناك حاجة إلى مثال فظيع يلقى الرعب بين هؤلاء الجبليين المتعصبين".

وقد أثارت هذه الأخبار -التي نشرت في البداية في إحدى الصحف التي تصدر داخل الجزائر فقط- سخطا تدريجيا على الجانب الآخر من البحر المتوسط، حيث روتها "مجلة المناقشات السياسية والأدبية" يوم 2 يوليو/تموز 1844، قائلة إن الفرنسيين بعد أن أعياهم قبول أولاد رياح الاستسلام، أضرموا نارا عند مدخل الكهف الذي يعتصم فيه مناوئوهم.

ولكن المجلة نفسها في 11 يوليو/تموز من العام ذاته تأثرت بمصير الضحايا قليلا، وإن استمرت في تبرير قرار الجيش حيث قالت إن "أمرا حدث للتو في الظهرة أحزن بعمق أولئك الذين شهدوه (...) لقد أشعلوا النار ولوقت طويل كانت تسمع صرخات الأشخاص الذين كان الدخان يخنقهم، ثم لم يعد يسمع أي شيء (...)، 500 جثة منتشرة هنا وهناك في الكهوف. لقد أرسلوا لإنقاذ أولئك الذين لا يزالون يتنفسون. لكن لم يكن هناك سوى 150 من الأحياء، توفي جزء منهم خلال نقله للإسعاف".

غضب تدريجي في فرنسا
في اليوم نفسه تحدثت "صحيفة لانغدوك" اليومية التي تصدر في تولوز عن طرق أخرى تمكن من إخضاع مقاومة العدو، قائلة "من الممكن حصارهم حتى الموت جوعا أو إطلاق النار على أي من حاول الفرار، ولكن الطريقة المفضلة تذكرنا بإضرام النار المؤسف حول قصر شاتو دي لا بينيسيير".

أما صحيفة لوكونستيتسيونيل المدعومة من الليبراليين فقد تحدثت يوم 17 يوليو/تموز 1845 عن "الرعب الذي تلهمه هذه الطريقة لشن الحرب"، ونشرت رسالة من أحد الضباط الذين أرسلتهم الحكومة الإسبانية إلى الجزائر لدراسة عمليات الجيش الفرنسي في أفريقيا كانت قد نشرت في صحيفة "هيرالدو" في مدريد.
صحفي إسباني:
ما أثار أشد الرعب في محرقة الظهرة هو رؤية الأطفال على صدور أمهاتهم في وضعية الرضاعة بين أشلاء الأغنام وأكياس الفول

يقول هذا الضابط "لا شيء يمكن أن يعطي فكرة عن المشهد الرهيب الناجم عن حريق هذا الكهف، كانت جميع الجثث عارية، في وضعية تشير إلى التشنجات التي حدثت قبل الوفاة، وكان الدم يسيل من أفواههم. ولكن ما أثار أشد الرعب هو رؤية الأطفال على صدور أمهاتهم في وضعية الرضاعة بين أشلاء الأغنام وأكياس الفول، ورغم كل الجهود التي بذلها الضباط، لا يمكن منع الجنود من أخذ كل هذه الأشياء، والبحث عن المجوهرات وأخذ البرانس الملطخة بالدماء والمحترقة".

صرخة في أوروبا
وبعد حين، أجمعت الصحافة الفرنسية تقريبا على إدانة محرقة الظهرة، فكتب الروائي أونيري دو بالزاك في صحيفة لوسييكل اليومية عن "حدث سيئ لن يمسح من الذاكرة ما دام غزونا مستمرا"، وتحدثت ليكو روشيلي عن "العار المخزي والقسوة الباردة".

كما احتجت صحيفة لو كوميرس يوم 5 أغسطس/آب قائلة "من المستحيل ألا يكون لهذا السخط الذي أثارته هذه القضية المؤسفة في فرنسا أي تأثير في الجزائر (...) لقد حان الوقت أن يظهر شعور الناس تجاه الأخلاق العامة (...) نعتقد أنه يجب أن نفعل كل شيء للتغلب على الذي نرفضه باسم الإنسانية والحضارة والشرف الوطني".

وبدت الحكومة مجبرة على الرد -كما تقول لونوفيل أوبسرفاتور- فخلصت لجنة تحقيق برلمانية برئاسة توكفيل إلى أن أعمال العنف والاستبداد التي يقوم بها بوجو ستدمر مستقبل الجزائر، موضحة "أننا تجاوزنا همجية البرابرة الذين أردنا أن نحضرهم".

وهذا ما أدى بوزير الحرب، المارشال جان دي ديو سولت، إلى تبرير ما حدث أمام مجلس النواب قائلا إنه "كلما حدث أمر سيئ غير متوقع، حتى أثناء الحرب، يجب أن نتألم له (...) لقد وجد العقيد بليسييه، أحد أكثر ضباط الجيش الأفريقي تكريما -والذي أشيد به دائما- نفسه في أكثر المواقف إيلاما وإحراجا. لقد اضطر لإخضاع المتمردين الذين اغتالوا جنودنا قبل أيام قليلة (...) أعترف أنني لو كنت في مكانه لربما فعلت شيئا شديد القسوة (...) في كثير من الأحيان، نحن الفرنسيين مخطئون في المبالغة في الحقائق دون الأخذ في الاعتبار الظروف التي تخرجها من دائرة المعتاد. في أوروبا، ستكون هذه الحقيقة مروعة، أما في الجزائر فتجد تفسيرها، إذ لن نمنع الضابط من رد الاعتداء بالمثل".

وبعد مرور عام على هذه القضية، في 10 يونيو/حزيران 1846، عندما كان البرلمان يناقش الاعتمادات الاستثنائية للجزائر، دان الشاعر ألفونس دي لامارتين مرة أخرى "محرقة" الظهرة، ولكن بعضهم رد عليه بأن "الحرب هي الحرب"، فقال النائب والشاعر والكاتب المسرحي "نعم. بلا شك هناك حرب وحرب. هناك حرب وحشية للشعوب المتوحشة، لكنها لا تصلح لشعب متحضر. إن حرب الذئاب التي تشن للنهب يجب أن تثير الخجل في بلد متحضر".
العقيد دي سان أرنو يتبجح بعد مجزرة أخرى بالجزائر قائلا: أغلقت بإحكام كل المخارج وصنعت مقبرة واسعة. وسوف تغطي الأرض إلى الأبد جثث هؤلاء المتعصبين

الفظائع تستمر
وفي الوقت الذي كان يدور فيه الجدل في فرنسا، تستمر الفظائع و"الدخان" على الجانب الآخر من البحر المتوسط، حيث قام العقيد دي سان أرنو في أغسطس/آب 1845، بحرق من لجؤوا إلى كهف آخر وتبجح بذلك في مراسلاته، قائلا "أغلقت بإحكام كل المخارج وصنعت مقبرة واسعة. وسوف تغطي الأرض إلى الأبد جثث هؤلاء المتعصبين (...)، هناك في الأسفل 500 مجرم لن يذبحوا أي فرنسي بعد الآن (...) ضميري لا يؤنبني على أي شيء".

وقد حدثت بعد ذلك مجازر عديدة في الجزائر، ففي نوفمبر/تشرين الثاني 1849 ذبح الجنرال إميل هيربيلون الثوار في واحة زعتشة، وفي يناير/كانون الثاني 1850 أشعل العقيد فرانسوا دي كانروبير النار في نارا في منطقة الأوراس.

ورغم ما ثار من غضب في فرنسا، فإن بليسيي وبوجو المسؤولين عن "محرقة" الظهرة، سينهون حياتهم بتكريم في فرنسا، حيث حصل الأول على عصا مارشال فرنسا ولقب دوق ملكوف، قبل أن يعين حاكما عاما للجزائر، حيث توفي بسبب الانسداد الدماغي في عام 1864، أما الثاني فتوفي في عام 1849 مصابا بالكوليرا في قصره بباريس.
المصدر : لونوفيل أوبسيرفيتور