لجان المقاومة بالسودان.. البحث عن مهام بعد إسقاط النظام

من مشاهد الحراك الثوري الذي أسقط نظام عمر البشير (الأناضول-أرشيف)
من مشاهد الحراك الثوري الذي أسقط نظام عمر البشير (الأناضول-أرشيف)

أحمد فضل-الخرطوم

صنعت لجان المقاومة في الأحياء والمدن السودانية كلمة السر التي أسقطت نظام الرئيس عمر البشير بعد ثلاثين سنة من الانفراد بالسلطة، لكن هذه اللجان ما إن طفت إلى السطح حتى نالت منها سهام الدولة العميقة.

وأدارت الآلاف من لجان الأحياء بالعاصمة الخرطوم وبقية ولايات البلاد الحركة الاحتجاجية من تحت الأرض منذ ديسمبر/كانون الأول 2018 وحتى إسقاط البشير في أبريل/نيسان الماضي.

وبعد تشكيل الحكومة الانتقالية في سبتمبر/أيلول الماضي ظهر بعض قادة هذه اللجان للعلن بعد أن كانوا مطلوبين أمنيا، بل إن بعضا منهم لقي حتفه مع وجود شبهات بتصفيتهم عمدا.

وسقط الشاب وليد عبد الرحمن سعدابي الناشط البارز في لجنة مقاومة حي المزاد بالخرطوم بحري فجر 9 يونيو/حزيران الماضي برصاص قناصة عندما كان يوجه شباب المتاريس في أول أيام العصيان المدني.

ومع إعلان الحكومة الانتقالية في السودان قبل شهرين، نشطت "لجان التغيير والخدمات" التي شكلتها لجان المقاومة، في ممارسة أنشطتها بالأحياء، لكنها واجهت على الفور حملة مضادة من "لجان الكرامة" التي نشطت على الفضاء الإلكتروني فقط.

التصدي للجان الأحياء
وتصدى مسؤولون بالمحليات مستعينين بفتح البلاغات للجان أحياء بدأت في إبدال أسماء مدارس ومستشفيات ومتابعة عملها، كما حدث في مستشفى الشهيد علي عبد الفتاح بضاحية الدروشاب شمالي الخرطوم.

واضطر يوسف آدم الضي وزير الحكم الاتحادي لإصدار توجيهات في الساعات الماضية لتنظيم أعمال لجان التغيير والخدمات التي ستسميها قوى الحرية والتغيير -التي قادت الحراك الثوري في البلاد- لإدارة الخدمات في الأحياء والقرى والأسواق.

وبحسب القيادي في تحالف قوى الحرية والتغيير جعفر حسن فإن القرار يشكل تقنينا لعمل لجان التغيير والخدمات المشكلة من قبل لجان المقاومة.

ويقول للجزيرة نت إن هذه اللجان رغم استقلاليتها فإنها منضبطة تنظيميا مع قوى الحرية والتغيير وتشكل ظهيرا لا غنى عنه للتحالف.

لكن لؤي عبد المنعم الأمين العام لحزب المسار الوطني يحذر من شكاوى لمواطنين من عمليات منسوبة للجان المقاومة تمثلت في دهم مقار محليات ومدارس وجامعات ومستشفيات وجمع رسوم بلا إيصالات.

وتابع "شخصيا كناشط سياسي وصلتني استغاثات من مواطن بوحدة الربع الإدارية بولاية الجزيرة يفيد فيها بأن لجان المقاومة فرضت خمسين جنيها على كل كيس دقيق".

تشكيل معقد
وفي محاولة لفهم الطبيعة المعقدة لتكوين لجان المقاومة يقول محمد عمر فرنساوي من لجنة مقاومة حي بري ومسؤول مكتب الاتصال في تنسيقية لجان الخرطوم شرق إن ولاية الخرطوم تضم 1781 لجنة تنتشر في كافة أحياء الولاية.

ويؤكد فرنساوي للجزيرة نت وجود لجان حقيقية نبعت من الأرض وأخرى مصنوعة من جهات بعينها تابعة للنظام السابق هدفها زعزعة الحكومة المدنية وتحريض الشباب ضدها، وفق قوله.

ويوضح أن اللجان الحقيقية تنقسم إلى لجان قديمة مشكلة منذ احتجاجات سبتمبر/أيلول 2013 وقبلها مثل لجنة بري المكونة منذ 2008، ولجان حديثة تشكلت بعد الاحتجاجات الأخيرة.

وكان حي بري القريب من وسط الخرطوم معقلا ملهما لمواكب التنحي التي تحولت في 6 أبريل/نيسان إلى اعتصام أمام قيادة الجيش.

الدولة العميقة
ويتهم عبد الله عوض عضو التنسيقية العامة للجان المقاومة بالمركز والولايات والقيادي في تجمع المهنيين -أحد أبرز مكونات قوى الحرية والتغيير- الدولة العميقة التي يقول إنها ما زالت نشطة، بالتدبير لحملات تستهدف لجان المقاومة.

ويطالب عوض -الذي تحدث للجزيرة نت عندما كان يحاول احتواء احتجاجات في أحياء بالخرطوم على وفاة شرطي سوداني في ظروف غامضة بالقاهرة- المواطنين بالتفريق بين لجان المقاومة ولجان الأحياء.

وينبه إلى أن لجان الأحياء تمارس أنشطة خدمية بدلا عن اللجان الشعبية التابعة للنظام السابق، أما لجان المقاومة فهي جهات رقابية في الأحياء والقرى والأسواق وذات اتصال تنظيمي بقيادة الائتلاف الحاكم.

وهنا يقترح الأمين العام لحزب المسار الوطني لؤي عبد المنعم انتخاب الأحياء للجان، منتقدا تعيينها بالتشاور مع قوى التغيير واستيلاءها على أصول اللجان الشعبية المحسوبة على النظام السابق.

ويتهم في حديث للجزيرة نت الحزب الشيوعي بالتخطيط للسيطرة على الوحدات الإدارية والمحليات ليرث حزب المؤتمر الوطني الحاكم سابقا.

فرضية الاختراق
وكان لافتا حالة الرفض التي قابلت بها لجان تنسيقية الخرطوم لقاء التأم يوم الجمعة بين لجان مقاومة والفريق محمد حمدان حميدتي نائب رئيس المجلس السيادي، قائد قوات الدعم السريع، ومدير المخابرات العامة أبوبكر دمبلاب.

وبحسب عبد الله عوض عضو التنسيقية العامة للجان المقاومة بالمركز والولايات والقيادي بتجمع المهنيين، فإن قيادة التنسيقية قادرة على التحكم في اللجان لكن هذا لا ينفي وجود هنات واختراق للجان المقاومة المستقلة بسبب غياب المعلومات والاتصال أحيانا أو حتى لعدم إصغاء الحكومة للجان حسب قوله.

ويعترف محمد عمر فرنساوي عضو لجنة مقاومة بري بأن الاختراق وارد، ويشير إلى أن ثمة محاولات من أحزاب -رفض تسميتها- تتبع لقوى الحرية والتغيير تحاول اختراق لجان المقاومة أو تشكيل لجان موازية، لكن اللجان ما زالت صامدة على حد تعبيره.

مستقبل اللجان
ويطمئن عبد الله عوض بأن جسما تنظيميا للجان المقاومة على مستوى القطر يجري بناؤه، ولن يتأثر بمستقبل تجمع المهنيين ذي التأثير الكبير في الشارع.

ويقول إن هذا الجسم سيدمج لجان المقاومة بالأحياء في لجان أكبر لتشكل تنسيقيات بكل مدينة ومن ثم تنسيقية مركزية لأي ولاية وتنسيقية عامة اتحادية.

ويضيف أن القيادة تعمل حاليا على تأهيل وتدريب أعضاء لجان المقاومة الذين سيشكلون مستقبلا المجالس البلدية استعدادا للانتخابات بعد ثلاث سنوات.

ويقول فرنساوي إن لجان المقاومة لديها رؤى في كل المجالات للحكومة وستنشّط حملة "حنبنيهو" (سنبنيه)، دون أن تتخلى عن دورها الرقابي للحكومة واستمرار الحس الثوري.

ويؤكد أن العمل تحت الأرض ما زال مستمرا استعدادا للأسوأ، فلجنة بري لديها أربعة مكاتب ظل، بينما اللجان المعلنة هي أصلا "محروقة" ومعروفة بالنسبة لأجهزة الأمن.

المصدر : الجزيرة