هل يغري الإعلام الجديد الأحزاب السياسية بالمغرب؟

الصحف الإلكترونية بدل الورقية.. التوجه الجديد للأحزاب السياسية بالمغرب (غيتي)
الصحف الإلكترونية بدل الورقية.. التوجه الجديد للأحزاب السياسية بالمغرب (غيتي)

سناء القويطي-الرباط

بعد ثلاث سنوات على إطلاقها، أسدل الستار على المجموعة الإعلامية "آخر ساعة" التي أسسها إلياس العماري الأمين العام السابق لحزب الأصالة والمعاصرة(معارض)، ويطرح هذا الحدث -حسب مراقبين- تساؤلات حول ما إذا كان الرهان على هذه المجموعة الإعلامية التي تأسست قبيل الانتخابات البرلمانية الأخيرة لمواجهة المشروع الإسلامي قد باء بالفشل.

وكان العماري قد أطلق مجموعة "آخر ساعة" في ديسمبر/كانون الأول 2015 باستثمارات بلغت حوالي سبعة ملايين دولار، وتضم ستة إصدارات هي يومية "آخر ساعة"، ومجلة "لكل النساء"، وأسبوعية "لا ديبيش دو ماروك"، ومجلة "أفكار"، ومجلة "تافوكت" بالأمازيغية، والموقع الإلكتروني "كشك".

بيد أن نتائج انتخابات 7 أكتوبر/تشرين الأول 2016 وتصدر الإسلاميين المشهد السياسي جعلت هذا المشروع الإعلامي يتداعى تدريجيا، إلى أن وصل نقطة النهاية بإغلاق جريدة "آخر ساعة" التي أصدرت آخر أعدادها الخميس الماضي.

إلياس العماري مؤسس مجموعة "آخر ساعة" الإعلامية (الفرنسية)

إكراهات
وقال مدير النشر في مجموعة "آخر ساعة"، عبد القادر الشاوي، إن هذه الأخيرة كانت تدافع عن قيم الانفتاح والتعدد والديمقراطية في مواجهة مشاريع مجتمعية أخرى، إلا أنها واجهت إكراهات في الميدان الإعلامي والسياسي.

وأوضح أن المجموعة عرفت منذ تأسيسها "نزيفا ماليا" بسبب التكاليف العالية للأجور والطباعة وغيرها من المصاريف، مشيرا إلى أن محاولات وقف هذا النزيف باءت بالفشل بسبب ضعف الإشهار وغياب الدعم العمومي.

ويعتقد الشاوي أنه حان الأوان للتفكير في آليات إعلامية مختلفة تنسجم مع التطورات الجارية في البلاد.

ويرى مراقبون أن إغلاق المنابر التابعة لمجموعة "آخر ساعة" يكشف أن رهان الرئيس السابق لحزب الأصالة والمعاصرة على سلاح الإعلام في مواجهة الإسلاميين قد وصل إلى طريق مسدود، وهو الذي أعلن غداة انتخابه أمينا عاما أنه جاء "ليساهم في مواجهة الإسلاميين، دفاعا عن المسلمين".

واعتبر مدير المعهد المغربي لتحليل السياسات، محمد مصباح، أن بلوغ هذه المنابر الإعلامية نهايتها في هذه المدة الوجيزة تعبير عن فشل المشروع السياسي الذي أطلقه حزب الأصالة والمعاصرة قبل سنوات، وانعكاس للأزمة التنظيمية الداخلية التي يعيشها.

مصباح: بلوغ تجربة "آخر ساعة" نهايتها في مدة وجيزة تعبير عن فشل المشروع السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة (الجزيرة)


خطة جديدة
ومع انتخاب قيادة جديدة في مايو/أيار الماضي، عمل الحزب على التخلص من إرث الأمين العام السابق ووضع خطة إعلامية وتواصلية جديدة، وهو ما أكدته القيادية في الحزب خديجة الكور التي كشفت أن القيادة الجديدة تعمل حاليا على بلورة إستراتيجية جديدة للتواصل ليس ضمنها إنشاء جريدة ورقية.

وأضافت أن هذه الإستراتيجية تعتمد على مجموعة من الدعامات من بينها حضور الحزب على مستوى وسائل الاتصال السمعي البصري من إذاعة وتلفزيون ومواقع إلكترونية، وفيها شق كبير يتعلق بالاستثمار في الإعلام الجديد.

وشددت الكور على أن الإعلام الحزبي التقليدي لا فائدة منه، لذلك فحزبها مدعو للحضور في مواقع التواصل الاجتماعي بقوة بمضامين وأدوات جديدة، إلى جانب إطلاق مبادرات تواصلية أخرى من أجل تبسيط المرجعية الإيديولوجية للحزب وتنقية الشوائب التي علقت به.

وتحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى ساحة للتنافس السياسي بين الأحزاب المغربية، وهو ما ظهر جليا في الانتخابات البرلمانية الأخيرة التي بوأت حزب العدالة والتنمية الإسلامي المرتبة الأولى. هذا الأخير فطن مبكرا إلى أهمية الإعلام الجديد وخاصة منصات التواصل الاجتماعي في التعبئة والترويج لخطابه السياسي.

وفي الآونة الأخيرة، انتبه عدد من الأحزاب السياسية إلى ضرورة الاستثمار في الشبكة العنكبوتية، فوضعت خططا ورؤى تتعلق بالتواصل الإلكتروني، وأنشأت صفحات رسمية على مختلف مواقع التواصل الاجتماعي من أجل مواجهة الخصوم وتسويق برامجها ومشاريعها السياسية.

حزب العدالة والتنمية يحظى بحضور مهم على منصات التواصل الاجتماعي بالمغرب (الأوروبية)


حضور وازن
ويسجل حزب العدالة والتنمية ونشطاؤه حضورا وازنا في مختلف المنصات، فعلى موقع فيسبوك -المنصة الأكثر نشاطا في المغرب بحوالي 16 مليون مستخدم- يتابع الصفحة الرسمية للحزب مليون و200 ألف متابع، بينما تحظى الصفحة الرسمية لغريمه التقليدي حزب الأصالة والمعاصرة بنصف مليون متابع، و260 ألف متابع لصفحة حزب التجمع الوطني للأحرار.

ويرى محمد مصباح أن تراجع الإعلام الحزبي التقليدي لصالح الإعلام الجديد بدأ قبل عشر سنوات مع ظهور الصحافة الخاصة والمواقع الإلكترونية.

وقال إن الصحف الحزبية لم تعد تستهوي المواطنين، مشيرا إلى أن بقاء بعضها على قيد الحياة يعتمد على قناة أوكسجين تمدها لها الأحزاب لكنها تبقى دون تأثير وانتشار.

ولفت الباحث إلى أن الفاعلين الحزبيين اتجهوا لوسائط التواصل الاجتماعي بديلا عن الإعلام الكلاسيكي، لكونها توفر فرص التواصل المجاني والمباشر مع المواطنين، مشيرا إلى أن عدد المغاربة في مواقع التواصل الاجتماعي يقارب الكتلة الناخبة (15 مليون)، وهو ما جعلها ساحة للتنافس السياسي بين مختلف الأحزاب والمشاريع السياسية.

وسجل أن هذه الوسائط -التي تتسم بالحضور النشيط للإسلاميين فيها- أصبحت تعج بمختلف التوجهات والآراء السياسية رغم بعض الفتور أو ما أسماه "حالة الانكماش" التي خلفتها التحالفات السياسية بعد انتخابات 2016.

المصدر : الجزيرة