بروكار المغرب.. تراث قديم يصارع من أجل البقاء

الوزاني أمام ورشته التي أنهكتها السنون (الجزيرة)
الوزاني أمام ورشته التي أنهكتها السنون (الجزيرة)

عزيزة بوعلام-فاس

داخل ورشة صغيرة بوادي الزحون بالمدينة العتيقة لفاس المغربية ينهمك النساج التقليدي عبد القادر الوزاني في حياكة قطعة قماش على آلة نسج خشبية قديمة، يمد خيوطها الحريرية، بينما تقاطع انشغاله هند التاكناوي مصممة أزياء، وهي تسأله عن نوع من البروكار التقليدي ويسمى أيضا بالديباج أو الخريب عند أهل فاس.
 
منذ سنوات استغنت هند عن استعمال هذا القماش لخياطة القفطان المغربي لزبائنها، إذ خف الطلب عليه لارتفاع ثمنه وطول مدة إنتاجه.
 
لكن هند عادت لـ"نول" الوزاني -وهو آخر حرفي يتقن صناعة البروكار- ليكون هذا القماش لباسا لابنتها في زفافها، حسب عادات وتقاليد المدينة.
 
وتتداول الأحاديث بأن البروكار اليدوي، وهو قماش فاخر منسوج من الحرير الطبيعي ومزركش بخيوط الذهب، كان جزءا من الطقوس لدى الفاسيين.
 
وكانت كل فتاة في سن الزواج تشتري قطعة خضراء اللون، لتكمل (الكسوة الجوهر) المعروفة باللبسة الفاسية، التي تصر معظم عرائس المغرب على ارتدائها.
 
لكن هذه العادة باتت اليوم مجرد ذكريات تتناقلها نساء المدينة، مع تراجع عدد حرفيي الحياكة اليدوية، وغلاء الكلفة التي تصل إلى 368 دولارا و524 دولارا لإنتاج قماش من ستة أمتار مربع بالطريقة التقليدية.
 
وتقول هند بنوع من اليقين إنها تفضل هذا النوع من البروكار لجودته وقيمته الفنية الأصيلة والتاريخية، واختياره والمباهاة به في مناسبة تنتظر كل أم أن تكون فيها ابنتها بأبهى حلة أمر طبيعي بحسب هند التي تتحدث وعيناها لا تتحولان عن أنامل الوزاني وهو يعكف على حياكة القماش في براعة شديدة، على نول قديم يتجاوز عمره نصف القرن.
‪‬ يروي الوزاني أن المهنة التي أمضى فيها أكثر من ثلثي عمره لن تنقطع عنده(الجزيرة)

فن يندثر
ارتسمت ابتسامة ارتياح على وجه الوزاني وقال للجزيرة نت بصوت اختلط بصوت صرير النول الذي ينسج عليه إن البروكار اليدوي يتهافت عليه عشاقه من داخل المغرب وخارجه، فهم يرون فيه تراثا عريقا يحبون الاحتفاظ بقطعة منه للذكرى وكتعبير عن سحر فاس.

داخل ورشة ضيقة أنهكتها السنون، تخبرك القطع التي نسجها هذا العجوز تحت الطلب، بمدى مهارته في حرفة إذا ذكرتها في فاس ذكرت اسمه، فهو من يحتفظ اليوم بأسرار تشغيلها، ويقول إنه ورثها عن معلمه المنتمي لعائلة بن الشريف الفاسية.

وتذكر دراسة "الكنوز الإنسانية الحية: فن بروكار فاس نموذجا" أنجزتها وزارة الصناعة التقليدية المغربية بدعم من اليونسكو"، أن لهذه العائلة تاريخ طويل مع حرفة البروكار، ويعود لها الفضل في إدخاله للمغرب عام 1920.

وقد اشتهر منهم ثلاثة معلمين (الودغيري، بن جلون، بناني) في إدارة المشاغل التقليدية الكبرى بالمدينة.

وفي عام 1923، كان بالمدينة أزيد من 212 معلم بروكار، تشغل ورشاتهم ما يقارب 114 من الحرفيين، وفق المصدر نفسه. أما اليوم فلم يتبق لهذه المهنة إلا صاحب النول التقليدي الوحيد في فاس المشهورة ببروكارها.

ويعد هذا النول حسب الباحثين في التراث، الأكثر تعقيدا نظرا إلى آلية تحريكه، ويتطلب تشغيله خمسة إلى ستة رجال للتحكم في تسديته التي تصل أكبرها إلى 6000 خيط، وكذا في نظام الجذب الذي يمكن من إنجاز زخارف دقيقة ومعقدة ومتعددة الألوان.

‪كانت كل فتاة في سن الزواج تشتري قطعة بروكار خضراء اللون‬ (الجزيرة)

آخر الحرفيين
لأكثر من ستة عقود ظل موعد الوزاني بنوله ثابتا لا يتغير، في مشهد تغذيه علاقة حب متبادل بينه وبين حرفة تراثية أصيلة تعد واحدة من عناوين الحرف التقليدية الفاسية.

حين يتحدث إليك الوزاني وهو على أعتاب الثمانين من عمره، تشعر أن حرفته هي حياته، لا يكل ولا يمل وهو يعمل طوال نهاره لينسج مترا واحدا، ويبدع رسوما ونقوشا جميلة تبهر الأبصار.

يتحدث الوزاني بفخر عن قصته مع البروكار منذ أول خيط نسجه وهو فتى في الـ17 من عمره.

ويقول بثقة إنه ينفرد الآن بصناعته في بلده وفي القارة الأفريقية ككل، ولا يخفي غبطته وفخره بأن منتجاته تصل اليوم إلى دول أخرى، بل وأصبحت من أنفس المقتنيات التي تتباهى بها الأميرات والمشاهير.

ويروي الوزاني وهو يحرك قدميه في تناسق تام على المكبحين الخشبيين لنوله، بأن المهنة التي أمضى فيها أكثر من ثلثي عمره، لن تنقطع عنده بل سيورثها لأحد أبنائه.

وبشموخ، قال إنه يقاوم لبقائها حاضرة في الذاكرة، ويدعمه في ذلك عشاق هذا التراث.

ورغم الاهتمام بالبروكار كصنعة يدوية تراثية، ومساعي إبقائها تنبض بالحياة، فإنها تسير نحو نهايتها لعدم وجود متدربين جذبهم صرير النول وخيوط الحرير.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من منوعات
الأكثر قراءة