وجبة "المنسف" الأردنية.. تتحدى العولمة ويعشقها الصغار والكبار

وجبة "المنسف" تجمع كل الأردنيين (الجزيرة)
وجبة "المنسف" تجمع كل الأردنيين (الجزيرة)

خالد المجالي-عمّان

تعتبر إسراء الدعجة أن إعداد وجبة "المنسف" الأردنية ليس واجبا فقط كإعداد باقي الوجبات للعائلة أو للضيوف، بل "هو أيضا طقس حميم وممتع للغاية".. هذا ما تؤكده في حديثها للجزيرة نت عن الوجبة التي تجمع كل الأردنيين بمختلف فئاتهم الاجتماعية وأصولهم الجغرافية وانتماءاتهم الطبقية.

إرث المنسف
ومثل كل النساء الأردنيات، تعلمت إسراء إعداد "المنسف" من أمها وجدتها، وتقول "كنت أراقب أمي وجدتي، خصوصاً عندما يشهد بيتنا وليمة كبرى، حيث تجتمع نساء العائلة بمحبة وألفة، ويحرصن على صنع المنسف ملتزمات بتعليماتها الصارمة، واعتماد المكونات ذات الجودة العالية".

وتقول إنها "حريصة طبعا على تعليم ابنتي طبخ المنسف على أصوله، مثلما تعلمت أنا ذلك من أمي وجدتي، ومثلما توارثن فن صناعة المنسف من أمهاتهن وجداتهن".

‪الجميد شكل من أشكال الألبان المجففة ويعرف فقط في الأردن وفلسطين وجنوب سوريا‬ (الجزيرة)

"البلدي" أوّلا
رغم فخامتها وتكلفتها المادية المرتفعة في ظل ارتفاع أسعار اللبن واللحوم، فإن مكونات وجبة المنسف ليست بذاك التعقيد الذي يتوقعه البعض، إذ تتكون من لبن الجميد، وهو شكل من أشكال الألبان المجففة، يعرف فقط في الأردن وفلسطين وجنوب سوريا.

وأفضله ما يُنتج في مدينة الكرك وسط الأردن، وهو سر لذة تلك الوجبة بالنسبة للأردنيين، فضلا عن لحم الضأن من الخراف المحلية المعروف في الأردن باللحم البلدي، والأرز ذي الحبة الصغيرة.

ولا بد من إضافة السمن البلدي وتزيين الوجبة باللوز والصنوبر وخبز الشراك، وفي كثير من الأحيان يوضع رأس الخروف المطبوخ أيضاً مع اللبن وسط الطبق الذي يخصص للضيف الكبير و"علية القوم".

ينقع الجميد لساعتين أو ثلاث، ثم يتم تذويبه بالماء باستخدام الأيدي في عملية تعرف باسم "المريس"، حتى الوصول إلى السائل الأبيض الكثيف الذي هو أساس الوجبة، ثم يوضع على النار ويضاف إليه اللحم حتى ينضج.

أما الأرز فيصنع بالطريقة التقليدية المعروفة ويسكب في أطباق كبيرة (سدور) مفروشة بخبز الشراك (خبز الصاج الرقيق)، ثم يضاف إليه اللحم وتُشَرب الوجبة باللبن بعد تزيينها.

وللرجال دور أيضا
لا تقتصر صناعة المنسف وإعداده بحرفية عالية على النساء فقط، فلا بد للرجال في الأردن أن يتعلموا طبخ هذا الطبق، حيث يجتمعون في المناسبات الكبرى وولائم الأفراح وفي الأتراح وحتى في حُمى الانتخابات النيابية لإعداد تلك الوجبة، خصوصا إذا تطلب ذلك طبخ كميات كبيرة وبقدور واسعة جدا لا تقدر النساء على حملها.

خليل الفراية من مدينة الكرك، أحد هؤلاء الرجال الماهرين في إعداد المنسف، وهو إلى جانب ذلك باحث في التراث الغذائي الأردني.

يقول عن تلك الأكلة وتاريخها العريق "يعود تاريخ المنسف الأردني إلى عهد الملك ميشع المؤابي عام 147 قبل الميلاد مؤسس مدينة الكرك والموحد كما جاء في كتب التاريخ، لأنه وحّد مملكة ديبول مع مملكة مؤاب".

ويضيف أن "ميشع أمر أن تطهو ملكة مؤاب بكاملها اللحم باللبن، ومن لا يأكل اللبن اعتُبر مع الأعداء وليس مع دولته".

‪الباحث خليل الفراية من مدينة الكرك أحد الرجال الماهرين بإعداد المنسف‬ (الجزيرة)

أسرار الجودة والطعم
وللوصول إلى جودة طبق المنسف البلدي، يقول الفراية "يجب أن يكون اللحم لخروف أو جدي صغير، وأن يطبخ اللحم باللبن البلدي المعد من حليب النعاج بعد ترويبه وخضه، وأن يوضع اللبن فوق اللحم في القدر مباشرة ليغلي معه ويتداخل فيه، بينما يوضع القمح المجروش أو الأرز في إناء ويسكب فوقه ماء مغلي مع قليل من الملح ثم يوضع على النار مع التحريك المستمر، ثم نخفف النار تحته ونتركه عشرين دقيقة".

ويتابع "لتجهيز المنسف نفرش خبز الشراك في سدر كبير ونضع القمح المجروش أو الأرز فوقه، ثم نضع قطع اللحم فوقه، ونبدأ بوضع الرأس في المنتصف ثم نضع قطع اللحم حوله ونغطيه بقطعة شراك كاملة قبل تقديمه".

وحول أهمية "الجميد الكركي" في إعداد وجبة المنسف، وسبب تفضيل الناس له، يقول الفراية إن "لبن الماعز والخراف في الكرك أفضل، ذلك أنها تُغذى عضويا، وتأكل النباتات البرية المنتشرة بصورة خاصة في ريف وبادية الكرك، ولها نكتها الخاصة التي تجعل طعم الجميد واللحم أيضاً أطيب، ومن تلك الأعشاب الشيح والحندوقوق والقيصوم".

وأشار إلى أن الأردنيين يفضلون استخدام السمن المنتج محليا في الكرك والبلقاء إلى اللبن عند طبخه، مؤكداً استحالة طبخ المنسف بباقي أنواع السمن الموجودة في الأسواق أو بالزيت النباتي.

المنسف والعولمة
تقاوم وجبة المنسف الأردنية العولمة، ففي ظل الانفتاح الكبير على الثقافة الغذائية الغربية، والإقبال الكبير على الوجبات السريعة التي توفرها مطاعم عالمية باتت تمتلك الكثير من الفروع في الأردن والعالم العربي، وتراجع الإقبال على الكثير من وجبات المنزل التقليدية، ما يزال المنسف يحتل الصدارة، ويشكل الوجبة التي يعشقها الصغار والكبار.

كما أن الطلاب الأردنيين في أوروبا وأميركا وأستراليا وروسيا يحرصون على أخذ أقراص الجميد معهم إلى تلك البلدان لطبخ تلك الوجبة، فتعينهم على تحمل الغربة ومشاعر الاشتياق العارمة للوطن.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من أسلوب حياة
الأكثر قراءة