الطنجية بنت الرماد.. أكلة مغربية يعدها الرجال فقط

 عبد الغني بلوط-مراكش

في زقاق ضيق وسط محل صغير بسوق القصابين بالمدينة القديمة بمراكش، يجلس مولاي البشير مسترخيا يستقبل طلبات زبائنه التي لا تنتهي، أغلب من قصدوه هم من الزوار الذين جاؤوا من مدن مغربية أخرى، ومنهم سياح من بلدان عربية وأجنبية.

الطنجية معلم حضاري
مثلها مثل أي معلم حضاري وثقافي مما تزخر به عاصمة المرابطين، تفرض "الطنجية" نفسها وجبة شهية على الزوار، تؤكل بروية وتأن، في أجواء من الاسترخاء والهدوء الممزوجين بالبهجة والسرور.

يقول مولاي البشير، وهو من أشهر طباخي الطنجية في المدينة المغربية، للجزيرة نت "سر هذه الأكلة التي يعدها الرجال فقط أنها طبيعية ونقية وتوابلها بسيطة".

‪مولاي البشير من أشهر طباخي الطنجية المراكشية يعدها في محل في سوق القصابين بالمدينة القديمة‬ (الجزيرة)

علامة كاملة
ولا يحصل أي زائر لمدينة مراكش على العلامة الكاملة في "متعة السفر" ما لم يتذوق طعم "أشهر أكلة" في المدينة الحمراء، والتي ذاع صيتها ووصلت إلى العالمية، كما يؤكد مولاي البشير.

خالد وهو زائر من مدينة الدار البيضاء يقول للجزيرة نت "تعجبني في الطنجية لذتها الفائقة، نسمة التوابل بها تجعل من يأكلها يتمتع حقيقة".

أما فرانسوا وهو سائح فرنسي فيؤكد "على الرغم من أنها مكونة فقط من اللحم، فإن هذه الأكلة لذيذة فعلا، ومرقها منعش".

‪لطيفة العاصمي صاحبة كتاب "الطنجية المراكشية ومحيطها"‬ (الجزيرة)

أصل الحكاية
أصل الحكاية، كما تقول لطيفة العاصمي السيدة الستينية التي تنتمي لعائلة عريقة بالمدينة، أن الطنجية كانت أكلة اضطرارية اشتهر بها فقط حرفيو المدينة.

وتضيف صاحبة الكتاب المعروف "الطنجية المراكشية ومحيطها" في حديث للجزيرة نت "كان هؤلاء يقضون كل نهارهم في الدكاكين خارج بيوتهم، يكلفون أمهرهم بتحضير طعامهم، وقبل صلاة العصر يجتمعون لسد رمقهم في انتظار عملية الدلالة (المزاد) لبيع منتجاتهم".

وتبرز أن "الطنجية" تطلق أيضا على الآنية الخزفية التي تعد فيها الأكلة، والتي تجلب من منطقة "تمصلوحت" ضواحي المدينة، وهناك يتم صنعها أيضا على مهل بالطين. لكن الأصح أن اسم الآنية هو "الشقف" أو "القلوش"، كما توضح العاصمي.

‪الطنجية المراكشية على الجمر‬ (الجزيرة)

بنت الرماد
تعد الطنجية الآن غالبا بلحم الغنم أو لحم البقر، خاصة اللحم الرطب جدا، وتسمى بـ"المكومنة"، يضاف لها في وقت واحد الكمون وحامض مرقد "لمصيير" وثوم وزعفران طبيعي وسمن، وقدر من الماء يختار بعناية شديدة حسب نوع اللحم.

أما قديما، كما تروي العاصمي، فكانت هذه الأكلة تعد أيضا مثل أي طبق يومي بلحم الأرانب أو الحجل أو القنافذ أو الدجاج والفراخ أو التمر والزبيب، أو حتى من القطاني مثل اللوبيا أو العدس، أو القمح وتسمى "هربل".

ويوضح مولاي البشير، وهو يتابع طلبات زبائنه، أن الطنجية المراكشية لا تطهى إلا في "الفرناطشي"، وهو موقد تسعّر ناره بحطب الأشجار والخشب من أجل تسخين مياه الحمامات الشعبية العامة.

ويضيف "يختار الطاهي مكانا خاصا يسمى اللوزة حيث يكون الجمر متقدا، إذا ما كان صاحبها على عجل شيئا ما (حوالي أربع ساعات)، أما إذا كان غير مستعجل، فتطهى على مهل كبير في الرماد قد يستغرق ليلة كاملة ونصف يوم وهي بذلك تسمى بنت الرماد".

‪آنية الطنجية أثناء مرحلة متوسطة من تصنيعها‬ (الجزيرة)

عنوان كرم
بعد طابعها الاضطراري، ونظرا لشهرتها والتحول الذي عرفه المتجمع المراكشي بتوفر الأكل في المحلات الخاصة، أصبحت الطنجية، كما تشرح العاصمي، مرتبطة بالنزهات في الطبيعة في فصل الربيع خاصة.

وتضيف "تقدم أيضا خلال العطل والأعياد والمناسبات مثل نزهة العريس أو نزهة سلطان الطلبة (من أتمّ للتو حفظ القرآن الكريم)".

"أما الآن فقد أصبحت عنوان كرم المراكشيين، إذا غالبا ما تقدم في البيوت للزوار وواصلي الرحم من العائلة والأصدقاء"، يقول مولاي البشير.

ويروي "ومن العادات المرتبطة بهذه الأكلة أنها تفرغ في صحن أمام المدعوين بطريقة خاصة وسط وابل من التعاليق وفي جو مرح".

‪آنية الطنجية في مرحلة نهائية من تصنيعها‬ (الجزيرة)

تعليقات.. أعطيني صنارة
وبينما ينادي على مساعده من أجل إحضار الشاي لزبون، يشرح مولاي البشير مبتسما "لا يسلم من تجرأ وطبخها من التعليقات إذا ما ظهر فيها عيب كبير أو صغير. وجود ماء كثير في الأكلة سبب كاف لسقوط سمعته في الوحل".

ويكمل حديثه "التعليقات ترتبط بروح النكتة المشهورة لدى المراكشيين، ومنها مثلا عند وجود ماء قول: أعطيني صنارة لأصيد قطعة لحم، وهل بللت اللحم من البحر؟ أما إذا كانت ناقصة من الملح فيسمع من طبخها: قدّمها للجن يأكلْها يكون أحسن".

عبارات.. ثناء للطباخ
في المقابل يثني المدعوون على الطباخ الماهر بعبارة "الله يعطي للمعلم الصحة"، ويضيفون "راها (إنها) معلكة (طهيت جيدا) ومشحرة (خالية من الماء) ومنسومة (بالتوابل) والمعنى كاينة (موجودة)".

كل عبارات الثناء تشعر الطباخ بكثير من الفخر والاعتزاز، ويقول "راه أخوك المعلم هذا، غير أجي وطبخ الطنجية"، أي أنه لا يمكن لأي كان أن يتجرأ على طبخها.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من أسلوب حياة
الأكثر قراءة