التحقق من الوجوه.. ممارسة تمييزية ودعاوى قضائية ضد الحكومة الفرنسية

أعلنت 6 منظمات وجمعيات غير حكومية، بما في ذلك منظمة العفو الدولية، أخيرا، إطلاق تحرك جماعي لأول مرة في فرنسا لإجبار الدولة على اتخاذ تدابير لمكافحة عمليات التحقق من الهوية التي تعدّ تمييزية من قبل الشرطة.

وبعد إشعار سابق مدته 4 أشهر، أوضحت المنظمات الست أنها ستتخذ إجراءات قانونية إذا لم تقدّم الحكومة "إجابات مرضية" بحلول ذلك الوقت، وفقا للإجراء المنصوص عليه في قانون القرن الـ21 لتحديث العدالة الصادر عام 2016.

ويستهدف هذا الإشعار الرسمي على وجه الخصوص رئيس الوزراء جان كاستيكس ووزير الداخلية جيرالد دارمانان ووزير العدل إريك دوبوند موريتي، لكونهم المسؤولين عن تصميم وممارسة عمل الشرطة في فرنسا.

ماذا يعني "التحقق من هوية الوجه"؟

التحقق من هوية الوجه فحص تقوم به عناصر الشرطة للأشخاص بناء على خصائص مادية مرتبطة بأصل الشخص، سواء كانت حقيقية أو متصورة، وهي ضوابط غير قانونية لأنها تمييزية، وهي جزء مما يعرف في القانون الدولي باسم "التنميط العرقي أو الإثني".

وتُعـرّف المفوضية الأوروبية لمناهضة العنصرية والتعصب التابعة لمجلس أوروبا التنميط العنصري على النحو الآتي "استخدام الشرطة، دون مسوّغ موضوعي ومعقول، لأسباب مثل العرق أو اللون أو اللغة أو الدين أو الجنسية أو الأصل القومي أو العرقي في أنشطة السيطرة أو المراقبة أو التحقيق".

ماذا يقول القانون الدولي؟

تقول المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان إن "التمييز العنصري شكل شنيع من أشكال التمييز، وبالنظر إلى عواقبه الخطرة، فإنه يتطلب يقظة خاصة وردّ فعل قوي من السلطات".

ووفق العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية للمادة 26، فإن جميع الأشخاص متساوون أمام القانون ولهم الحق في التمتع بحماية متكافئة دون أي تمييز.

ومن جهتها، تدعو لجنة الأمم المتحدة الدول إلى القضاء على التمييز العنصري، واتخاذ التدابير اللازمة لاستبعاد الاعتقالات والتفتيش الذي يستند حصريا إلى المظهر الجسدي للشخص ولونه وملامح وجهه وانتمائه أو أي "تصنيف" يعرضهم لمزيد من الشك.

الوضع في فرنسا

تعدّ ممارسة التحقق من الهوية منتشرة على نطاق واسع في فرنسا، خاصة في الأماكن العامة كمحطات القطار والشوارع وغيرها، وتشمل حتى القاصرين الذين تقل أعمارهم عن 16 عاما، وهي متجذرة بعمق في عمل الشرطة لدرجة أنها تعزز التمييز المنهجي.

وهذه الممارسات تدينها مؤسسات حقوق الإنسان الأوروبية والدولية والمؤسسات الفرنسية، لكن حظر التحقق من الهوية على أسس تمييزية لا يزال غير صريح بما يكفي في القانون الفرنسي الذي خضع لعدد من التغييرات التشريعية منذ عام 1981.

ووفق تقرير للجمعية الوطنية الفرنسية، يمكن إجراء عمليات التحقق من الهوية بقرار من ضباط الضابطة العدلية أو بناء على طلب المدعي العام. وتنص المادة 78ـ2 من قانون الإجراءات الجنائية على أنه قد يُطلب من الشرطة الوطنية التحقق من هوية الأشخاص من أجل البحث عن مرتكبي جريمة أو منع جريمة وشيكة، للحصول على معلومات. ويجب أن تستند هذه الفحوصات إلى سبب معقول للاشتباه.

وتقول سيسيل كوريو رئيسة منظمة العفو الدولية في فرنسا -في حوار خاص مع الجزيرة نت- إن "هذه الممارسات أصبحت روتينية ولا تعتمد على أي تحرّ أو تحقيق معين".

وأول ديسمبر/كانون الأول 2020، استنكر الرئيس إيمانويل ماكرون -في مقابلة مع وسائل الإعلام- وجود عمليات تحقق من الهوية (الوجه) قائلا "اليوم، عندما يكون لون بشرتنا غير أبيض، فإننا معرضون أكثر للمراقبة.. نصنّف على أننا عامل مشكلة وهو أمر لا يطاق".

وفي حوار خاص مع الجزيرة نت، يقول عمر ماس كابيتولان، أحد ضحايا التحقق من الهوية في باريس "ينبغي توفير إمكانية تقديم شكوى لضحايا هذه العملية، ففي هذه الحالات، سيوقفونك في الشارع وربما تذهب إلى مخفر الشرطة وتخرج منه دون الحصول على أي وثيقة تثبت ما تعرّضت له من إهانة".

ما هو عمل المنظمات غير الحكومية؟

تم إعداد وإرسال إخطار رسمي من 150 صفحة، يوم الأربعاء، من قبل أنطوان ليون كاين، المحامي في مجلس الدولة ومحكمة النقض، نيابة عن 6 منظمات غير حكومية وهي منظمة العفو الدولية في فرنسا، وهيومن رايتس ووتش (Human Rights Watch)، ومبادرة عدالة المجتمع المفتوح، والبيت المجتمعي لتنمية التضامن (MCDS)، وبازابا لتعزيز المساواة ومكافحة التمييز، ومنظمة العدالة متعددة التخصصات (REAJI)، لتدشين أول تحرك جماعي في فرنسا ضد عمليات التحقق من الهوية التمييزية أو ما يسمى بفحوص "الوجه".

وقد وجهت تلك المنظمات إشعارا رسميا إلى رئيس الوزراء ووزيري الداخلية والعدل يتضمن شهادات عدة من أشخاص خضعوا لفحوصات وجهية في مختلف مدن فرنسا فضلا عن تصريحات الشرطة.

وتؤكد هذه المنظمات أنه رغم الإدانات المتعددة، فقد اقتصرت الحكومات المتعاقبة على التغييرات التجميلية والنظرية، وتخلّت عن الإصلاحات الهيكلية اللازمة والتدابير الملموسة لوضع حد لهذه الممارسات التي تنال من كرامة الأشخاص الخاضعين للرقابة.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

تزامنت رسالة المؤرخ وعالم الاجتماع الفرنسي جون بوبيرو المفتوحة التي انتقد فيها ماكرون مع صدور رواية عن فرنسا المنقسمة مطلع القرن الـ20، ورأى بوبيرو أن مبادئ اللائكية الفرنسية مهددة بالقانون الأخير.

المزيد من حريات
الأكثر قراءة