بالتعذيب والتلويح بـ"هتك العرض".. سجون نينوى تنتزع الاعترافات

زنزانة الأحداث في تلكيف تظهر اكتظاظا كثيفا صورة نشرتها رايتس ووتش مؤخرا
زنزانة الأحداث في تلكيف تظهر اكتظاظا كثيفا صورة نشرتها رايتس ووتش مؤخرا
بدموع لا تجف، يستذكر حمزة والده بشار العبادي (50 عاما)، الموقوف في مركز احتجاز الفيصلية بمدينة الموصل شمالي العراق، وقد اعتقلته قوة عسكرية من داره بحي الزهور بالموصل، في سبتمبر/أيلول الماضي، بتهمة تمويل الإرهاب.
 
لكن نجله حمزة قال إن والده مظلوم ولا علاقة له بالتهمة الموجهة إليه، واعتقاله كان مكيدة دبرها أحد الأقارب المنتمين للمؤسسة العسكرية، بدوافع شخصية ترجع إلى خلافات.

وأضاف أن والده لا يزال قيد التحقيق في مركز احتجاز الفيصلية، ولم تتسن للعائلة مقابلته، ولا يعلم حالته، التي ربما تكون سيئة بعد الحديث عن وجود انتهاكات داخل السجون.

وكشفت منظمة هيومن رايتس ووتش الحقوقية الدولية -في تقرير لها في الرابع من الشهر الجاري- عن أوضاع مهينة في معاملة السجناء بمراكز الاحتجاز في محافظة نينوى.

وأفادت المنظمة بأنه يوجد 4500 نزيل، بينهم مئات الأطفال والنساء، في مراكز الحبس الاحتياطي الثلاثة، وهي تل كيف والفيصلية والتسفيرات (في مجمع الفيصلية)، بينما تبلغ طاقتها الاستيعابية 2500 فقط.

العشرات من المعتقلين في غرفة صغيرة بسجن في الموصل بتهمة الانتماء لتنظيم الدولة (أسوشيتد برس-أرشيف)

رد الشرطة
وهو ما ردت عليه شرطة نينوى في بيان، بالقول إن تقرير المنظمة غير صحيح، وإن جميع النزلاء موقوفون بأوامر قضائية.

وأضافت أنهم موجودون في قاعات مكيفة، بها جميع الخدمات الإنسانية والرعاية الصحية، وتقدم لهم ثلاث وجبات طعام، وبعد إكمال التحقيق يتم إحالتهم للمحاكم المختصة.

قيد التحقيق
لكن سلوان يتحدث بخلاف ذلك، فشقيقه ثامر (39 عاما) معتقل منذ عامين، ولا يزال قيد التحقيق في مركز احتجاز تلكيف.

ويوجد في ذلك المركز 2490 نزيلا بين موقوف ومحكوم، بينهم 1050 من الأحداث (دون 18 عاما)، و220 امرأة، و30 طفلا تتراوح أعمارهم بين عامين وسبعة أعوام.

وقال سلوان إن أخاه ثامر اعتقل بسبب عراك مع ضابط بالجيش، في مايو/أيار 2017.

وأضاف بعد الشجار اعتُقل شقيقه بتهمة التعاون مع تنظيم الدولة ولم يسمع عنه أي خبر طيلة السنة الأولى لاعتقاله، غير أن شهادة من مفرج عنهم أفادت بوجوده في سجن تلكيف.

وفي العراق تكفي وشاية من مخبر مجهول -ولو كانت كاذبة- لاعتقال أشخاص من المدن التي كانت تحت قبضة تنظيم الدولة حتى وإن كانوا أبرياء، وفق سكان محليين ومسؤولين.

قوة عراقية تعتقل أحد عناصر تنظيم الدولة قرب الموصل قبل عامين (رويترز)

انتهاكات
وقال النائب السابق عن نينوى محمد العبد ربه، إن موقوفا قيد التحقيق لدى مديرية الاستخبارات في الموصل، التابعة لوزارة الداخلية، توفي قبل أيام ولم تعلن الجهات الأمنية عن ذلك أو تخبر أهله، ما يثير الشكوك بشأن أسباب الوفاة.

أما النائب عن نينوى شيروان الدوبرداني، فقال إن هناك انتهاكات صارخة لحقوق المعتقلين، أبرزها اكتظاظ مراكز الاحتجاز بالنزلاء، سواء كانوا على قيد التحقيق أو من الذين صدرت بحقهم أحكام قضائية.

وكشف أن عدد الموقوفين والمحكومين في مراكز الاحتجاز المؤقتة بنينوى يزيد على ستة آلاف، بينهم مئات الأطفال والأحداث والنساء.

وتابع الدوبرداني أن الوضع داخل سجون نينوى أسوأ بكثير مما جاء في تقرير رايتس ووتش، محملا وزارة العدل مسؤولية "الكارثة".

ويوجد في العراق 26 سجنا مركزيا، ولا يوجد في محافظة نينوى أي منها، إذ فجر تنظيم الدولة، خلال سيطرته على الموصل سجن بادوش، وكان من أكبر السجون الإصلاحية. 

ويبلغ عدد المحكومين في العراق أكثر من 35 ألفا، بينهم 17 ألف محكوم في قضايا إرهاب.

ويتجاوز عدد أحكام الإعدام تسعة آلاف، أغلبها يتعلق بقضايا إرهاب.

ويقدر عدد الموقوفين قيد التحقيق في مراكز احتجاز نينوى بأكثر من خمسة آلاف شخص، وأكثر من ثلاثين ألفا في أرجاء العراق، بحسب أرقام رسمية.

وما يزيد من تفاقم الوضع هو تأخر إجراءات التحقيق مع الموقوفين، وعدم نقل المحكومين حاليا إلى السجون الاتحادية، ما أدى إلى اكتظاظ مراكز الاحتجاز المؤقتة بأعداد كبيرة من المعتقلين، لدرجة يصعب معها النوم أو الجلوس.

معتقلون متهمون بالإرهاب في أحد السجون العراقية (الجزيرة-أرشيف)

مذكرات اعتقال
وبشأن ما يتردد عن صدور سبعين ألف مذكرة اعتقال في نينوى، أوضح الدوبرداني أن تلك المذكرات صدرت بحق جميع المنتمين لتنظيم الدولة في أرجاء العراق، وليس نينوى فقط.

لكن مفوضية حقوق الإنسان في العراق ترى أن أغلب تلك المذكرات بُني على معلومات كيدية ومغلوطة وشملت أبرياء لا علاقة لهم بتنظيم الدولة.

وقال نائب رئيس المفوضية علي ميزر الجربا، إنه تم تسجيل أكثر من مئة حالة وفاة داخل مراكز التوقيف المؤقتة في نينوى بين عامي 2017 و2019 لأسباب مختلفة.

وتابع أن المفوضية وثقت مئات الحالات لمعتقلين تجاوزت مدة توقيفهم عامين كاملين على ذمة التحقيق، وشدد على أهمية تسجيل شكاوى ومعلومات عديدة تفيد بوجود عمليات تعذيب للمعتقلين، داخل مراكز الاحتجاز.

وأردف الجربا بأن لديه معلومات تفيد بوجود تعذيب جسدي ونفسي للمعتقلين، وأحيانا يتم تهديد المعتقلين بهتك أعراضهم ما لم يعترفوا بما تريده جهة التحقيق.

وقال إنه يتم منع المحامين من التواصل مع المتهمين، إلا بعد تصديق أقوالهم، وكذلك منع الفرق الطبية من الاطلاع على حالات الموقوفين، خلال فترة التحقيق، وهو ما ساعد في اعتماد التعذيب بالسجون ومراكز الاحتجاز.

ورغم الضجة الإعلامية التي أثارها تقرير هيومن رايتس ووتش، تبقى حقائق كثيرة خاصة بالمعتقلين في العراق طي الكتمان، ولا سيما مع أحاديث عن وجود سجون ومراكز احتجاز سرية، تابعة لفصائل مسلحة، في مناطق عديدة، وبداخلها آلاف المغيبين.

المصدر : وكالة الأناضول