مصر.. نتائج سلبية للاستثمارات الأجنبية

البيانات الرسمية أظهرت تراجع الاستثمارات الأجنبية خلال النصف الأول من 2018/2019 لأقل من ثلاثة مليارات دولار (رويترز)
البيانات الرسمية أظهرت تراجع الاستثمارات الأجنبية خلال النصف الأول من 2018/2019 لأقل من ثلاثة مليارات دولار (رويترز)

عبد الحافظ الصاوي

زادت حدة الأزمة التمويلية التي تحيط بمقدرات الاقتصاد المصري بعد انقلاب يوليو/تموز 2013، فعلى الصعيد القومي تراجعت معدلات الادخار كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي إلى 3.1% عام 2016/2017، وهي أدنى معدل ادخار في تاريخ مصر على مدار العقود الأربعة الماضية، بعد أن كانت حوالي 5.2% عام 2013/2014.

وحتى حينما تحسنت ووصلت إلى 6.2% عام 2017/2018، فإنها مازالت دون المستوى الذي تتطلبه التنمية المنشودة ومعدلات النمو المعلنة من قبل الحكومة عبر خطتها السنوية للتنمية الاجتماعية والاقتصادية.

ذلك أن معدلات النمو الاقتصادي عند 6% تتطلب معدلات ادخار لا تقل عن 30% من الناتج المحلي الإجمالي، حتى لا تضطر الحكومة لتمويل التنمية بالديون.

كما أن الفجوة التمويلية بالموازنة العامة في تزايد من خلال قيمة العجز، وإن كانت الحكومة تعلن أن نسبة العجز إلى الناتج قد انخفضت لأقل من 10% من الناتج المحلي، إلا أنه مع أعباء الدين العام أصبحت مخصصات الإنفاق بالموازنة العامة عند 569 مليار جنيه عام 2019/2020.

ومع هذه الضغوط تتوجه خطط الحكومة وممارساتها الفعلية إلى الاستثمارات الأجنبية المباشرة لسد جزء من الفجوة التمويلية، ولتوظيف هذه الاستثمارات في التخفيف من أعباء الدين العام.

لكن يلاحظ أن نصيب مصر من صافي تدفقات الاستثمارات الأجنبية المباشرة على مستوى العالم مازالت متواضعة مقارنة بغيرها من الدول، ويرجع ذلك لأسباب عدة، منها ما هو سياسي، ومنها ما هو اقتصادي.

فقد كان صافي تدفقات هذه الاستثمارات خلال الفترة 2013/2014-2017/2018 هي (4.1، و6.3، و6.9، و7.9، 7.7) مليار دولار على التوالي.

فالنظام السياسي المصري وإن وصف بأن مسيطر على المقدرات الأمنية عبر القبضة الحديدية، وإغلاق المسارات السياسية، والتضييق الشديد على الحريات وعدم السماح بوجود مناخ ديمقراطي، إلا أن التوصيف الملازم لسيطرة النظام أنه يعاني من عدم الاستقرار، وهذا الأمر كفيل بتراجع الاستثمارات الأجنبية المباشرة.

"
أدت السياسات الاقتصادية الناتجة عن اتفاق مصر مع صندوق النقد الدولي إلى فقدان الاقتصاد بعض المزايا التي كانت تلفت نظر المستثمرين الأجانب
"

مزايا مفقودة
أما على الصعيد الاقتصادي، فقد أدت السياسيات الاقتصادية الناتجة عن اتفاق مصر مع صندوق النقد الدولي إلى فقدان الاقتصاد بعض المزايا التي كانت تلفت نظر المستثمرين الأجانب، ومنها رفع الدعم عن الوقود واستهداف إلغائه نهائيًا عام 2019، وكذلك إلغاء الإعفاءات الضريبية التي كانت تمنح لبعض الأنشطة أو المناطق، واتجاه مصر لفرض المزيد من الضرائب، وآخرها ضريبة القيمة المضافة.

أما الجديد في سلبيات وجود الاستثمارات الأجنبية بالسوق المصري، فهو توسع الجيش في الاقتصاد المدني واتجاهه لاحتكار العديد من الأنشطة الاقتصادية، وسعيه بكل ما أوتي من قوة بأن يعمل القطاع الخاص تحت عباءته في إطار ما يعرف بمقاولي الباطن.

وهذه السياسة تفتقد لروح المنافسة التي تستهدفها الاستثمارات الأجنبية المباشرة، وكانت "إسمنت طرة" التي تمتلكها شركة ألمانية آخر من تضرر من سياسات الجيش، وأعلنت وقف خطوط إنتاجها، وأنها تدرس الخروج من السوق المصري.

وأرجعت الشركة وقف خطوط إنتاجها إلى زيادة المعروض بالسوق ليصل إلى 85 مليون طن، رغم أن الطاقة الاستيعابية خمسون مليون طن، وقد أدى هذا الوضع إلى خسائر للشركة بنحو 47 مليون دولار.

ويأتي هذا السلوك من قبل "إسمنت طرة" في ظل توسع غير مسبوق من قبل الحكومة في الاستثمار بالعاصمة الإدارية الجديدة وبعض المشروعات العقارية وكذلك الطرق والقناطر التي تحتاج إلى كميات كبيرة من الإسمنت، ولكن على ما يبدو أن الجيش احتكر لنفسه توريد الإسمنت لهذه المشروعات، من خلال مصنعه في بني سويف الذي دخل دائرة الإنتاج مطلع 2018.

 شركات الإسمنت تضررت من تغلغل الجيش في الاقتصاد المصري (رويترز)

طموحات تصطدم بالواقع الدولي
قبل أن يكمل عبد الفتاح السيسي عامه الأول دعا لمؤتمر "مستقبل مصر" بمدينة شرم الشيخ في مارس/آذار 2015، وتم فيه عرض مجموعة كبيرة من المشروعات بحضور مستثمرين أجانب، وخرج الإعلام المصري يبشر بتدفق مليارات الدولارات من خلال مذكرات التفاهم التي أعلن عنها بختام المؤتمر.

غير أن الحصيلة كانت على خلاف ذلك، حيث اعتذرت العديد من الشركات عن إتمام اتفاقياتها مع الحكومة.

ولم يقتصر هذا الطموح على دعوات لم يكتب لها النجاح فقط، بل تعدى إلى الخطة متوسطة المدى للتنمية المستدامة المنشورة على موقع وزارة التخطيط التي تضمنت مستهدفات لجذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة.

وذهبت الخطة إلى تحقيق مستهدفات قيمتها 9.9 مليارات دولار عام 2018/2019، ترتفع إلى 11 مليارا عام 2019/2020، ثم إلى نحو 14 مليارا عام 2021/2022.

وانتظم خطاب بعض الوزراء السابقين إبان وجودهم بالسلطة مع هذه الطموحات غير الواقعية، حيث صرح وزير المالية السابق عمرو الجارحي بأن الاستثمارات الأجنبية المباشرة يتوقع أن تشهد زيادة بحدود نسبة 20%-25% خلال عام 2018/2019.

غير أن النتائج الفعلية التي عكستها بيانات البنك المركزي أظهرت تراجع الاستثمارات الأجنبية المباشرة خلال النصف الأول من عام 2018/2019، حيث بلغت نحو 2.8 مليار دولار، في حين كانت في نفس الفترة المناظرة من عام 2017/2018 نحو 3.7 مليارات. وحتى عام 2016/2017 الذي وصلت فيه الاستثمارات الأجنبية المباشرة نحو 7.9 مليارات وبنت على أساسه الخطة طموحاتها، أتى العام الذي يليه ليشهد تراجعًا بتلك الاستثمارات بنحو مئتي مليون ولتصل قيمتها إلى 7.7 مليارات.

مما يؤسف له أن مصر على مدار نحو أربعة عقود لم تعمل على وجود تراكم رأسمالي يمكن من إطلاق شركة وطنية يكون صافي دخل النفط لصالحها

وعلى الصعيد العالمي، يظهر التقرير السنوي لمنظمة "أونكتاد" أن ثمة تراجعا في الاستثمار الأجنبي المباشر منذ عام 2015 وحتى 2018.

فبعد أن بلغت هذه الاستثمارات على مستوى العالم ما يزيد على تريليوني دولار، بدأت في التراجع حتى بلغت أقل معدل لها عند 1.2 تريليون عام 2018 بسبب تراجع معدلات النمو في الاقتصاد العالمي، وحركة حماية التجارة التي بدأت في تبنيها دول رأسمالية كبرى مثل الولايات المتحدة.

التكلفة والعائد
في إطار التكلفة والعائد، نجد أن مصر منذ أن تبنت سياسة التحرر الاقتصادي، تم رفع كافة القيود عن تحويل أرباح الشركات الأجنبية، أو إلزامها بالاستثمار بجزء من هذه الأرباح في مصر.

وبالنظر إلى بيانات ميزان المدفوعات خلال الفترة من 2014-2018، نجد أن الأرباح المحولة للاستثمارات الأجنبية تصل إلى 30.2 مليار دولار، في حين أن صافي تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر خلال تلك الفترة يبلغ 32.9 مليارا، أي أنه من الناحية الحسابية يظل الفارق شديد الضآلة لاستفادة مصر من هذه الاستثمارات مقارنة بتحويلاتها من الأرباح للخارج بنحو 2.7 مليار.

أما بالنسبة لصافي الاستثمارات الأجنبية المباشرة كنسبة من الناتج المحلي، فتشير بيانات البنك الدولي إلى أنها كانت بحدود 0.08% عام 2014، وتراجعت عامي 2015 و2016، إلا أنها ارتفعت إلى 0.08% مرة أخرى عام 2017.

ويلاحظ أن ارتفاعها يرجع في جزء منه إلى انخفاض قيمة الجنيه المصري (اعتمد البنك الدولي على تقدير الناتج بالدولار) وفي كل الأحوال لم تصل الصادرات ذات التكنولوجيا المتقدمة على 1% من صادراتها الصناعية.

وبالرجوع لبيانات البنك المركزي للوقوف على هيكل هذه الاستثمارات، ومدى استفادة القطاعات المختلفة منها، لوحظ خلال الفترة 2014-2018 أن قطاع النفط يستحوذ على النسبة الأكبر من هذه الاستثمارات، حيث تراوحت حصته ما بين 53% بحدها الأدنى عام 2015/2016 71.7% بحدها الأقصى عام 2013/2014.

واقتصاديًا، تصنف هذه الاستثمارات في قطاع النفط على أنها ضعيفة من حيث القيمة المضافة، لأنها تأتي في قطاع الاستخراج، خاصة وأن الشريك الأجنبي يسترد تكلفة الاستكشاف والإنتاج، ثم يكون له 40% من الإنتاج المستخرج.

ومما يؤسف له أن مصر على مدار نحو أربعة عقود لم تعمل على وجود تراكم رأسمالي لوجود شركة تعمل في هذه المجالات، ليكون صافي دخل النفط لصالحها.

وفي المرتبة الثانية يأتي قطاع الخدمات (العقارية، التمويل، السياحة، الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات) حيث تراوحت نسبته من الاستثمارات الأجنبية بين 4% كحد أدنى عام 2013/2014 و11.2% عام 2017/2018.

وعلى الرغم من أن قطاع الصناعة قد شهد تحسنًا ملحوظًا عام 2017/2018 بحصوله على نسبة 10% من الاستثمارات الأجنبية، فإنه كان دائمًا صاحب حصة صغيرة تراوحت ما بين 2% و5.8% خلال الفترة 2013/2014-2016/2017.

ويلاحظ أن الاستثمارات الأجنبية بمصر في حالة عزوف عن الاستثمار في قطاع الزراعة، فلم تزد حصته من تلك الاستثمارات عن نسبة 0.2%.

الحد من زراعة القمح والأرز سيعمق عجز الميزان التجاري في مجال السلع الغذائية (رويترز)

وعلى الرغم من حاجة مصر الملحة للاستثمار في القطاع الزراعي، فالميزان التجاري لمصر في مجال الحبوب والسلع الغذائية يحقق عجزًا بنحو 7.7 مليار دولار سنويًا، وهو عجز قابل للزيادة في ظل السياسات الاقتصادية التي تتبعها مصر، للحد من زراعة محصولي القمح والأرز.

"
تبقى الملاحظة الأهم، هي أن مصر تفتقد إلى نظام ديمقراطي يمكن من خلاله تحقيق الشفافية والحوكمة، وامتلاك رؤية سليمة لتوظيف الاستثمارات وفق أجندة وطنية للتنمية
"

مساهمة الاستثمارات الأجنبية بالصادرات
بالاطلاع على أداء الصادرات السلعية نجد أنها تراجعت من 26 مليار دولار عام 2013/2014 إلى 21.7 مليارا عام 2016/2017، إلا أنها تحسنت عام 2017/2018 لتصل إلى 25.8 مليارا.

 بيد أن التحسن الذي حصل عام 2017/2018 تساهم فيه الصادرات النفطية بنحو 50%، وبزيادة بلغت أربعة مليارات دولار.

ومن هنا نجد أن الاستثمارات الأجنبية المباشرة تكاد تكون منعدمة الأثر في زيادة الصادرات السلعية لمصر.

وكذلك لم يكن لها أثر يذكر في الحد من الواردات السلعية. فخلال نفس الفترة قفزت الواردات السلعية من 60.1 مليار دولار إلى 63.1 مليارا.

وعن مساهمة الاستثمارات الأجنبية في جلب التكنولوجيا، تظهر بيانات البنك الدولي أن مساهمة الصادرات متقدمة التكنولوجيا بالنسبة للصادرات الصناعية تتراجع خلال فترة السيسي.

ففي عام 2014 كانت الصادرات "متقدمة التكنولوجيا" بالنسبة للصادرات الصناعية بحدود 1.3%، ووصلت عام 2017 إلى 0.57%.

وكان من المفترض أن تساهم هذه الاستثمارات الأجنبية في رفع مصر على هذا المؤشر، لكن لغلبة حصة قطاع النفط على هذه الاستثمارات، وكذلك غياب رؤية سليمة للحكومة، لا تتم الاستفادة المطلوبة من تلك الاستثمارات كما فعلت بلدان أخرى على رأسها دول جنوب شرق آسيا.

إن الاستغراق في الحديث عن المؤشرات المبينة لأداء الاستثمارات الأجنبية بمصر سيكشف الكثير من عورات التجربة، من استهداف السوق المحلي ومنافسة الصناعات الوطنية، والدخول في المشروعات الملوثة للبيئة مثل الأسمدة والإسمنت.

لكن تبقى الملاحظة الأهم، وهي أن مصر تفتقد إلى نظام ديمقراطي يمكن من خلاله تحقيق الشفافية والحوكمة، ويمكن أيضًا امتلاك رؤية سليمة لتوظيف هذه الاستثمارات وفق أجندة وطنية للتنمية.

المصدر : الجزيرة