الرومان الأفارقة.. بينهم إمبراطور من ليبيا وبابا أمازيغي

في روما القديمة لمعت شخصيات أفريقية منها الفيلسوف أوغسطينوس (يمين) والبابا غلاسيوس الأول (وسط) و الكاتب ترتليان (مواقع إلكترونية)
في روما القديمة لمعت شخصيات أفريقية منها الفيلسوف أوغسطينوس (يمين) والبابا غلاسيوس الأول (وسط) و الكاتب ترتليان (مواقع إلكترونية)

عمران عبد الله

كانت روما القديمة أكثر تنوعا مما يظنه الكثيرون، وكان العديد من الأجانب فيها من المهاجرين مثل العمال والجنود أو العبيد. ووفقا لمؤلف كتاب "الأجانب في روما.. المواطنون والغرباء" ديفد نوي، كان هؤلاء المهاجرون يأتون من خلفيات إثنية متنوعة، بما فيها اليونانية والليبية والأمازيغية واليهودية.

ورغم أن رهاب الأجانب كان موجودا بلا شك في روما، فقد حمل العديد من المهاجرين الجنسية الرومانية، مما منحهم حقوقا تجنبهم الطرد. وكان بعض أهم الشخصيات الرومانية -بمن فيهم كتاب وشعراء وبابوات وقساوسة وحتى أحد الأباطرة- منحدرين من شمال أفريقيا.

رومان بارزون من أفريقيا
وفي كتابه "حجارة شمال أفريقيا تتكلم"، يذكر المؤلف والمؤرخ الأميركي بول ماكيندريك نماذج لشخصيات رومانية بارزة جاءت من شمال أفريقيا، إذ أدى قبول المواطنة الرومانية من قبل أعضاء الطبقة الحاكمة في المدن الأفريقية إلى ظهور نخبة الأفارقة الرومان، مثل الشاعر الهزلي تيرنتيوس.

ولد تيرنتيوس في قرطاج عام 185 قبل الميلاد، وكان عبدا في روما وحمل لقب سيده تبعا للعادة، وكتب مجموعة من المسرحيات الكوميدية التي ساهمت في حفظ اللغة اللاتينية. ووُلد ماركوس فرونتو كمواطن روماني في العاصمة النيوميدية سيرتا (قسنطينة الحالية) في نهاية القرن الأول الميلادي، ووصف نفسه بالليبي البدوي واكتسب شهرته كمحامٍ وخطيب مفوه ثري.

كما وُلد السياسي والمشرّع الروماني جوليانوس في سوسة التونسية، وكان الكاتب الأمازيغي لوكيوس أبوليوس فيلسوفا وأديبا وشاعرا رومانيا وولد حوالي عام 125م في مدينة مادور التي يطلق عليها اليوم مداوروش في ولاية سوق أهراس بالجزائر، ويعد كتابه "الحمار الذهبي" أقدم نص روائي مكتوب في العالم.

الإمبراطور الروماني الأفريقي
وُلد الإمبراطور الروماني الحادي والعشرون سيفروس الأول بمدينة لبدة (شرق طرابلس الليبية حاليا) عام 193م، وترقى في هرم المناصب الرومانية قبل أن يصل إلى رأس السلطة الرومانية بعد وفاة الإمبراطور برتيناكس.

وحكم سيفروس -المنحدر من شمال القارة السمراء- الإمبراطورية على مدار 18 عاما في القرن الثاني الميلادي، وشهد عهده اضطهادا للمسيحيين في أنحاء الإمبراطورية.

وكان البابا غلاسيوس الأول أمازيغي الأصل، وولد في شمال أفريقيا، وتولى باباوية الكنيسة الكاثوليكية في نهاية القرن الخامس الميلادي كثالث بابا منحدر من شمال أفريقيا.

كما وُلد الكاتب المسيحي الأمازيغي ترتليان في قرطاج التونسية منتصف القرن الثاني الميلادي، وأطلق عليه والد المسيحية اللاتينية، إذ كان أول من كتب كتابات دينية مسيحية باللغة اللاتينية بعد تحول دين الإمبراطورية، ومع ذلك لم يعتبر قديساً من قبل الكنائس الكاثوليكية نظرا لاعتقاده بخضوع الابن وروح القدس للأب في العقيدة المسيحية.

وكان الأمازيغي لوقص لاكتانتيوس المولود في شمال أفريقيا مستشارا لقسطنطين الأول الإمبراطور الروماني المسيحي، واعتبر الفيلسوف أوغسطينوس المولود في طاغاست شرقي الجزائر الحالية من الشخصيات المؤثرة المتفق عليها بين معظم الطوائف المسيحية المختلفة.

الرومان الأفارقة
وضمت الإمبراطورية الرومانية مقاطعة أفريقيا عام 146 قبل الميلاد بعد هزيمة قرطاج والفينيقيين. وسيطرت الإمبراطورية في نهاية المطاف على ساحل البحر المتوسط في شمال أفريقيا ​​بأسره، وأضافت مصر إلى المقاطعة في حدود عام 30 قبل الميلاد، وموريتانيا عام 44م.

ويطلق اسم الرومان الأفارقة على سكان شمال أفريقيا الرومان الذين استخدموا الحروف اللاتينية في الكتابة، وذلك في الفترة بين دخول الرومان للبلاد والفتح العربي لها. وعاش الرومان الأفارقة في جميع المدن الساحلية، في تونس المعاصرة وغرب ليبيا وشرق الجزائر.

وينحدر أغلب الأفارقة الرومان من شعوب الأمازيغ أو البونيين المحليين وهم الفينيقيون الغربيون وسكان قرطاج في تونس الحالية. وإضافة إلى هؤلاء وأولئك كان هناك أحفاد الرومان الذين أتوا مباشرةً من روما نفسها، أو من مناطق الإمبراطورية المتنوعة كجنود ومتقاعدين.

ولأن الإقليم الإفريقي كان من أغنى مناطق الإمبراطورية ولا ينافسه سوى مصر وسوريا وروما نفسها؛ فقد هاجر السكان من أنحاء الإمبراطورية الواسعة نحو مدن شمال إفريقيا الرومانية بما في ذلك محاربين الجيش الروماني القدامى الذين تملكوا أراضي زراعية كمكافآة على خدمتهم العسكرية

وتكلم السكان الأفارقة الرومان مزيجاً من اللغة اللاتينية واللغات الأمازيغية والبونية، وتحولوا تدريجياً للعربية والإسلام منذ عصر الأمويين وحتى عصر الموحدين، واحتفظت اللاتينية الأفريقية بآثارها داخل اللهجات العربية والأمازيغية المستخدمة في المنطقة حالياً.

المصدر : الجزيرة