فازت بالمان بوكر.. "سيدات القمر" لجوخة الحارثي تحلق بالرواية العربية عالميا

الروائية العمانية جوخة الحارثي (يسار) والمترجمة الأميركية مارلين بوث تتقاسمان جائزة مان بوكر هذا العام عن رواية "سيدات القمر" (غيتي)
الروائية العمانية جوخة الحارثي (يسار) والمترجمة الأميركية مارلين بوث تتقاسمان جائزة مان بوكر هذا العام عن رواية "سيدات القمر" (غيتي)

عمران عبد الله

إنها ملحمة عائلية من الواقعية السحرية، تشبه سيرة عائلة بوينديا في "مئة عام من العزلة" أو "ملحمة الحرافيش" لنجيب محفوظ، لكنها هذه المرة تجري في قرية عُمانية وتركز على ثلاث أخوات: ميا وخولة وأسماء، اللاتي تتشابك خيوط قصصهن في رواية كتبت في الأصل باللغة العربية، وفازت بجائزة مان بوكر الدولية.

وحصلت الترجمة الإنجليزية لتلك الرواية -التي تحمل عنوان "سيّدات القمر" للأديبة العُمانيّة جوخة الحارثي الصادرة بنسختها العربيّة عن دار الآداب اللبنانيّة- على جائزة مان بوكر العالميّة لعام 2019.

وتشاركت الروائية العمانية الجائزة -التي تقدر قيمتها بخمسين ألف جنيه إسترليني (نحو 63 ألف دولار)- مع مترجمتها الأميركية مارلين بوث، لتصبح أول روائية عربية تفوز بتلك الجائزة المرموقة، وتنتقل بحكايات بلدة العوافي العُمانية إلى العالمية عبر صور جماليّة ممتعة ولغة خلابة.

وتسافر شخصيات الرواية -التي تكاد تكون هاربة من كتاب تاريخي- على ظهور الحيوانات، ومتن السيارات والطائرات، وتعيش الثورة ضد الاستعمار الإنجليزي وتهريب السلاح والتجارة الممنوعة، وتنتقل بين الصحاري العربية والحضر بسلاسة مثلما تنتقل في الزمن الدائري المتشظي.

ورغم أن الكاتبة لم تعش زمن الرواية التي تدور أغلبها في مجتمع محلي، فقد اعتمدت على مصادر من الأرشيف البريطاني، ومن التراث والفلكلور العُماني، لتنسج ملامح الشقيقات الثلاث وعلاقاتهن العاطفية والاجتماعية، وتصور مشاهد من الحياة العُمانية القديمة مثل تجارة التمور وصيد اللؤلؤ والعبودية والفقر والعادات والتقاليد الشعبية.

مسارات الانعتاق المأساوية
كأنها حكايات الجدات المألوفة قد صيغت بلغة أدبية رشيقة تمزج بين الفصحى البديعة واللهجات العامية العُمانية، إذ تسرد الحارثي -ببراعة- مشاعرهم المتضاربة وأساليبهم الحياتية والظروف التي شكلت شخصياتهم الواقعية والخيالية في آن.

تعيش "سيدات القمر" في عالمهن الخاص المتخم بالعادات والمآسي والأساطير السحرية، وتتبع خيوط الرواية جيلا من النساء يختلفن عن أمهاتهن، لكنهن رغم تحولات الماضي والحاضر يعشن التقاليد والأعراس والأمومة، ولا يندمجن في الحداثة العصرية والتقنية.

وكُتبت الرواية في أكثر من ستين فصلاً قصيراً، ويتعرف القارئ على عائلة عزّان وزوجته وبناته الثلاث عبر ما يرويه أبو لندن (عبد الله)، وتقترب الرواية من مشاعر الراوي أثناء رحلته إلى ألمانيا وزواجه من ميا، الذي لم يوافق أحلامه الرومانسية، ويحكي المعاملة القاسية التي تلقاها من والده سليمان تاجر الرقيق وقصة محظيته ظريفة.

وفي فصول أخرى يروي "الراوي العليم" حكايات الفتيات الثلاث اللاتي سلكن مسارات مختلفة، بينها الزواج والهجرة والانفصال، مروراً بتغيرات المجتمع وأمومة ميا التي أفرطت في العشق والخياطة، واختارت لابنتها اسما غير تقليدي لا تألفه عائلتها.

إنها رحلة الانعتاق عبر الالتحام والافتراق وقصص الحب والخيانة والكفاح والخيبة والعائلة والتقاليد والعبودية؛ تدور في بلدة العوافي العُمانيّة التي يخاف أهلها الجن ولا يزورون مستشفيات الولادة، وترويها الرواية التي تنسج أحداثها في وقت تسعى فيه شخصياتها إلى الالتحام والاكتمال بالحب والزواج.

وأثناء قراءة الرواية سيقع القارئ في سحر القصة المشبعة بالتاريخ والثقافة العمانية؛ إذ تقدم الحارثي مزيجاً من "الرومانسية البدوية" والتفاصيل الثرية للحياة الأسرية في مجتمع بدوي مترابط وبيئة مغلقة، لكن ورغم استهجان الوجود الحضري في الرواية تبدو غوايات وإغراءات مسقط بمبانيها ومرافقها حاضرة بقوة في الخلفية.

ورغم أنها ليست متسلسلة زمنياً، فإنها مليئة بالشخصيات التي تمثل عائلات مختلفة تجمع أغلبها ثقافة العائلة العريقة وتقاليدها المتجذرة في القبلية؛ وأدى تعدد الشخصيات الهائل إلى صعوبة الاستثمار في قصصهم الفردية بحسب قراءات نقدية للرواية.

ولا تخلو الحياة الاجتماعية لشخصيات الرواية من التأثر بالخلفيات السياسية، ففي الخلفية أيضاً تظهر "اتفاقية السيب" بين سلطان مسقط الذي يحكم الساحل وإمام عمان الذي يحكم المناطق الداخلية الأكثر تقليدية وانعزالاً.

ورغم خصوصية الرواية مكاناً وزماناً، فإنها مع موضوع عالمي مثل الحب تحولت لقصة إنسانية عالمية، قادرة على نقل شخصيات المجتمع المحلي وهواجسهم وقصصهم الإنسانية، فهناك خولة التي انتظرت ابن عمها المهاجر لكندا طويلاً قبل أن يعود ويتزوجها وينجبا ولدين، ثم عاقبته أخيراً بالانفصال لإهماله لها.

أدب عربي وعالمي
وقالت المؤرخة البريطانية بيتاني هيوز رئيسة محكمي الجائزة إنه من خلال مختلف جوانب حياة الناس وحبهم وخسائرهم "نتعرف على هذا المجتمع بكل درجاته، من أفقر أسر العبيد الذين يعملون هناك إلى أولئك الذين يجنون المال بعد ظهور ثروة جديدة في عمان ومسقط"، معتبرة أن الرواية "عمل يبدأ في غرفة وينتهي بعالم".

وأضاف "شعرنا بأننا نصل إلى الأفكار والخبرات التي لا يتم تقديمها عادة باللغة الإنجليزية. إنها تتجنب كل الصور النمطية التي قد تتوقعها في تحليل الجنس والعرق والتمييز الاجتماعي والعبودية"، وقالت إنه عمل استحوذ على القلوب والعقول على حد سواء ويستحق التأمل"، مضيفة أن الترجمة كانت أيضا دقيقة وثرية لغويا لتمزج في إيقاعها بين الشعر واللغة الدارجة.

وتم اختيار "سيدات القمر" بعد أن تغلبت على قائمتين طويلة وقصيرة من أفضل الأعمال الخيالية المترجمة من أدباء من جميع أنحاء العالم، ومنهم أولغا توكاركوك وآني إرنو والكولومبي خوان غابرييل فاسكويز، بحسب صحيفة غارديان البريطانية.

وقالت هيوز إن المحكمين أحبوا "الفن الخفي" لرواية الحارثي، "وهناك نوع من البراعة الشعرية لها؛ إذ يبدأ الأمر بالشعور كأنه دراما محلية في عالم ساحر، ولكن مع طبقات من الفلسفة وعلم النفس والشعر سيتم جذبك إلى النثر عبر العلاقة بين الشخصيات؛ لقد شجعنا على القراءة بطريقة مختلفة قليلاً".

ودرست الحارثي الشعر العربي الكلاسيكي في جامعة إدنبرة، وتقوم بالتدريس في جامعة السلطان قابوس في مسقط، وقالت في مقابلة سابقة مع موقع الجائزة بعد أن أدرجت روايتها في القائمة الطويلة؛ إنها مسرورة لأن الجائزة ستجذب الانتباه للأدب العماني وتقدمه لجمهور أوسع.

وأضافت أن العالم العربي فيه أدباء مدهشون... في جميع أنحاء المنطقة، وليس فقط في مراكز الإبداع الأدبية المعروفة مثل مصر وفلسطين ولبنان والمغرب وغيرها، بل أيضاً في عمان، معتبرة أن هؤلاء الأدباء يتشابهون في ظروفهم، ويضربون المثل بما يقدمونه من تضحيات وكفاح، ويجدون المتعة في الكتابة أو الفن.

وقالت الحارثي إنها استلهمت الكثير من عمان، لكن القراء الدوليين أيضاً يمكن أن يستلهموا القيم الإنسانية في الرواية مثل الحرية والمحبة.

المصدر : الجزيرة