بؤس النيوليبرالية وتراجع الشعر والخيال.. حائزون على نوبل متشائمون بمستقبل الأدب والاقتصاد

الأكاديمية السويدية الملكية تعلن الفائزين بجائزة نوبل للكيمياء 2019 (رويترز)
الأكاديمية السويدية الملكية تعلن الفائزين بجائزة نوبل للكيمياء 2019 (رويترز)


عمران عبد الله
 

لا تبدو التعليقات المتشائمة بشأن مستقبل البشرية جديدة على الفائزين بجوائز نوبل، ولا تقتصر على مجال بعينه وإنما اعتبرت سمة مشتركة لفائزين بالجائزة العالمية في مجالات الأدب والاقتصاد والفيزياء على حد سواء.

ومؤخرا أبدى العالم السويسري ميشال مايور الفائز بجائزة نوبل لهذا العام في الفيزياء تشاؤمه بخصوص قدرة البشر على العيش بكوكب آخر رغم المخاوف بشأن صلاحية العيش على الأرض، وقال "لقد حان وقت التوقف عن الأحلام ومواجهة الواقع لضمان وجود مستقبل".

ونشر جوزيف ستيجلز الحائز على جائزة نوبل بالعلوم الاقتصادية مقالا حديثا أبدى فيه تشاؤمه بمستقبل "النيوليبرالية" وآثارها السلبية على الأفراد والمجتمعات، من جانب آخر صدرت ترجمة حديثة لمقال قديم للفائز بنوبل للآداب إسحق باشيفيس سينجر أبدى فيها تشاؤمه الشديد من مستقبل الرواية والخيال الأدبي.

من يحتاج للأدب والخيال؟
من وقت لآخر يسأل باشيفيس نفسه "من يحتاج إلى أدب خيالي؟" ويقصد ما قيمة الخيال في وقت تمتلئ الحياة والطبيعة بالأحداث الغريبة، إذ لا يوجد اتساق ودقة شبيهان بالتاريخ الواقعي مهما كان الكاتب متمرسا بالخيال.

ويعتبر باشيفيس الحائز على نوبل للآداب عام 1987 أنه لا يمكن أن توجد رواية كاملة أو خالية من التناقض أبدا. حتى آنا كارنينا ومدام بوفاري لديهما عيوبهما وتناقضاتهما، ويرى الأديب أن تقرير صحيفة قد يهمه أكثر من العمل الأدبي، ويسأل "لماذا نحتاج التفسيرات النفسية عند توضيح العواطف، أو لماذا نهتم بإثبات كذبة عندما لا تحتاج الحقيقة لذلك".

ويخشى الأديب البولندي الأميركي أن البشرية بأسرها قد تقتنع عاجلا أم آجلا باستنتاجه بأن "قراءة الرواية مضيعة للوقت". ومع ذلك فقيمة الخيال الأدبي -بحسب باشيفيس- ليست فقط قدرته على الترفيه للقراء وتعليمهم شيئا ما، ولكن أيضا كرياضة أو تحدٍ فكري، وحتى لو تمكنا من ابتكار آلة من شأنها أن تبلغنا بدقة بجميع تجارب راسكولنيكوف (بطل رواية الجريمة والعقاب) أو مدام بوفاري أو آنا كارنينا، فسيظل من المثير للاهتمام معرفة ما إذا كان يمكننا القيام بذلك بالورقة والقلم.

الأمر إذا يشبه سعينا الدؤوب لتسلق قمة جبل إيفرست رغم إمكانية الهبوط عليها -ببساطة- بمروحية. ورغم أن القراء يعرفون الكثير عن النفس البشرية عبر علم النفس لكنهم لا يزالون يقرؤون الروايات كذلك، ومع ذلك تتضاءل جميع أوهام ما يسمى "الخيال العلمي" بالمقارنة مع لقطات تم تصويرها على القمر أو الكواكب الأخرى.

ويقارن باشيفيس -الذي ولد عام 1904 بالقرب من وارسو عاصمة بولندا- بين ما يحدث مع الرواية بما حدث مع الشعر الذي يقرأه الآن الشعراء فقط ويوزعونه على أصدقائهم، في حين لم تصل الدراما لحالة الشعر المحزنة بعد لكنها تسير بنفس الاتجاه.

ونشر النص الأصلي لمقال الفائز بنوبل في 20 أكتوبر/تشرين أول 1963 باللغة اليديشية، وجرت ترجمته للإنجليزية بعد أكثر من نصف قرن من كتابته لينشر مؤخرا في موقع عرض لاري للكتب.

النثر والدراما
وبالنسبة للنثر الأدبي -يتابع باشيفيس- فغالبا ما نشعر أن أحواله جيدة، إذ لا يزال يتم شراء كتب النثر بمئات الآلاف من النسخ. لكن عندما ننظر للأمر بشكل أكثر عمقا، سنلاحظ أن ما نسميه بالوقت الحاضر "الخيال الأدبي" لا يحمل سوى اسمه، وغالبا ما تُباع الأعمال تحت العلامة التجارية "الرواية" لكن في الواقع ثلاثة أرباعها أو كلها صحافة.

ويقول باشيفيس إن النقاد المعاصرين يعانون من فقدان الذاكرة و"نسوا القواعد الأساسية للأدب" في حين أصبحت الحدود بين الصحافة والأدب رفيعة للغاية وغير واضحة بالعصر الحديث، ويتابع مقارنا بلعبة الشطرنج "من السهل تسجيل انتصارات كبيرة إذا تغيرت قواعد اللعبة مع كل جولة".

ولدى الناقد الحديث -بحسب باشيفيس- معيار وحيد هو التأثير أو الضجة التي يثيرها العمل الأدبي لدى القراء غير المعروفين، والتأثير الذي يمكن أن يحدثه هذا العمل نفسه عند تحويله لعرض تلفزيوني أو فيلم.

وغالبا ما تحتوي الأعمال الأدبية الحديثة -بحسب باشيفيس- على مقالات هواة عن علم النفس والتحليل النفسي، والكثير من المعلومات الصحفية التي يمكننا العثور عليها بسهولة في الصحف والمجلات والموسوعات، وجميع أنواع نظريات الثقافة الشعبية والحقائق العلمية الزائفة.. وهلم جرا.

بالنسبة لأولئك المهتمين حقا بالأدب وإنجازاته، فإن مثل هذه الأعمال علامة على التراجع المأساوي للأدب، ويتابع "لقد وسعنا التعريفات وشوهنا القواعد بحيث يمكن للجميع اللعب ويمكن للجميع الفوز" في حين تندر المواهب الحقيقية والأعمال الأصلية التي تلتزم بفن الكتابة. ورأى باشيفيس أن الفوضى الأدبية جيدة فقط للناشرين الكبار ومطابعهم والتلفزيون وهوليود.

الاقتصاد.. ولادة جديدة
في معارضة لفكرة العالِم السياسي فرانسيس فوكوياما -الذي كتب عن "نهاية التاريخ" بانهيار الشيوعية وانتصار الديمقراطية الليبرالية والسوق الحرة- نشر مؤخرا ستيجلز الحائز على جائزة نوبل بالعلوم الاقتصادية لعام 2011 مقالا يرصد فيه تراجعات الليبرالية في زمن يقود فيه حكام مستبدون وشعبويون دولا يزيد سكانها على نصف البشرية.

يقول ستيجلز الخبير الاقتصادي الأميركي والأستاذ بجامعة كولومبيا إن فكرة فوكوياما كانت "غريبة وساذجة" في حين تخفق وعود النيوليبرالية التي قوضت الديمقراطية لأربعين عاما بحسب تعبيره.

ويرى الأكاديمي -الذي عمل أيضا كبير خبراء الاقتصاد بالبنك الدولي- أن نمط العولمة الليبرالي جعل الأفراد والمجتمعات "يفقدون السيطرة على مصائرهم" مستشهدا بكتابيه الأخيرين "عودة إلى العولمة ومنغصاتها، الناس والسلطة والأرباح" اللذين درس فيهما تأثيرات تحرير رؤوس الأموال السلبية على المواطنين، معتبرا الناخبين مخيرين بين خيارات قاسية، وهي سحب البنوك أموالها من الأسواق الناشئة ومواجهة أزمة مالية حادة أو الاستسلام للرأسمالية القاسية.

 باشيفيس أديب أميركي بولندي توفي عام 1991 (الموسوعة البريطانية)

وحتى في البلدان الغنية أدت السياسات النيوليبرالية إلى نمو اقتصادي أسرع، لكن العمال حصلوا على أجور أقل، وتعين على الجميع قبول خطط الحكومات التقشفية سواء البلدان الغنية أو الفقيرة، بحسب مقاله لمنصة بروجيكت سنديكيت.

النيوليبرالية وحضارتنا
ويتابع ستيجلز أن النمو قد تباطأ وذهبت ثماره لقلة قليلة للغاية وانخفضت الأجور في حين انتعشت سوق الأوراق المالية، أي بعبارة أخرى تدفقت الثورات للأعلى بدلا من النزول لأسفل وشعر المواطنون العاديون بأنهم كانوا ضحية لعملية نصب وخداع.

وحاليا نشهد عواقب الخداع الكبير على صورة انعدام الثقة في نخب وفي "علوم الاقتصاد" ذاتها التي استندت إليها النيوليبرالية، واعتبرها مبنية على أدلة. والحقيقة أن عصر النيوليبرالي لم يكن ليبراليا فقد فرض عقيدة كان الأوصياء عليها غير متسامحين مع معارضتها، ونظر للاقتصاديين الذين يحمون أفكارا غير تقليدية مختلفة على أنهم هراطقة، بحسب ستيلجز.

ورغم استبعاد حدوث أزمات عالمية، وقع "المستحيل" عام 2008 ليجعلنا ندرك أن الأسواق المتحررة من القيود فكر غير صائبة وتفاقمت أيضا أزمة المناخ، معتبرا أن النيوليبرالية "سوف تقضي على حضارتنا" والسبيل الوحيد لإنقاذ كوكبنا أن "يولد التاريخ من جديد".

وفي مقال سابق لستيجلز كتب أنه لا يوجد حل سحري يمكنه عكس الضرر الذي لحق خلال عشرات السنين من الليبرالية الجديدة، لكن يمكن البحث عن حل يتضمن الفصل بين القوة الاقتصادية والنفوذ السياسي، وحماية العمال من هيمنة الشركات، والاعتراف بأن الثروات نتيجة للبحث العلمي والتنظيم الاجتماعي، وهو ما يعني ضرورة تفعيل سيادة القانون ومنع الاستغلال، وقبل كل شيء ضرورة استعادة التوازن بين الأسواق والدولة والمجتمع المدني وهو ما يسميه الرأسمالية التقدمية أو المعسكر الثالث بحسب مقاله لصحيفة غارديان البريطانية.

المصدر : الجزيرة