عـاجـل: وكالة الأنباء السورية: مجهولون يهاجمون القاعدة الأميركية بحقل العمر النفطي بريف دير الزور الشمالي الشرقي

الإلحاد الجديد و"آلهة العصر" الرأسمالي.. هل هناك أديان بديلة؟

لوحة "بين برلين وروما" زعيم ألمانيا بسمارك يواجه البابا بيوس التاسع (مواقع إلكترونية)
لوحة "بين برلين وروما" زعيم ألمانيا بسمارك يواجه البابا بيوس التاسع (مواقع إلكترونية)

يناقش إد سايمون الكاتب بمجلة الملايين الأدبية الأميركية قضية الإلحاد الجديد، ويقول إنه في العقد الذي أعقب هجمات 11 من سبتمبر/أيلول، تبنى الملحدون الجدد مغالطات وضعية، فضلا عن التفسيرات التاريخية والأدبية الخاطئة. 

وبينما كان الإلحاد في يوم ما موقف بعض المتطرفين الميتافيزيقيين مثل الفيلسوف نيتشه وشوبنهاور، أصبح الآن مادة لمسفسطي الإنترنت، بحسب تعبير الكاتب.

الإلحاد الجديد
كما يلاحظ الفيلسوف البريطاني جون غراي في كتابه "أنواع الإلحاد السبعة" فإنه "كلما كان التفكير العلماني أكثر عدوانية ضد الديانتين اليهودية والمسيحية، يكون أقل ليبرالية".

وأذاع الملحدون الجدد راديكالية مزيفة؛ وبينما سخروا مبتهجين من "ديانات البسطاء" على نطاق العالم، لم يقوموا أبدا بالتشكيك في تلك "الأوثان" التي تلحق الضرر فعليا بشؤون البشر، وهي: الرأسمالية العالمية، الصناعات العسكرية، وهلم جرا.

علاوة على ذلك -كما يوضح غراي- فإن عقيدة "اللااعتقاد" للملحدين الجدد تثبت أن أصولها متجذرة في الإيمان أكثر بكثير مما يدركون. فالملحدون الجدد لا يعلمون حتى أنهم لا يعلمون: إنهم يهدمون إلها من القش بنوه بأنفسهم ويعلنون النصر.

غلاف "أنواع الإلحاد السبعة" للفيلسوف البريطاني جون غراي (الجزيرة)

عند التفكير في "الملحدين الجدد"، يطرح السؤال: ما الفائدة من الإلحاد المزعوم إذا لم يسمح لهم حتى بإدانة تلك الآلهة في هذا العالم التي تستحق التنديد؟ بينما لا يؤمن الملحدون الجدد بإله تصوره لهم عقولهم، نادراً ما يوجهون تركيزهم إلى الآلهة الفعلية في عصرنا. لأنه إذا هاجم الإلحاد الرأسمالية والقومية والبطريركية والعنصرية النظامية، فقد يكون ذلك مفيدا للغاية.

وبدلا من ذلك، أصبح الإلحاد رخيصا وقابلا للاستهلاك وساخرا وسطحيا مثل عصرنا. ومع ذلك؛ فإن الإلحاد "لم يكن دائما هكذا" بحسب غراي.

سبعة أنواع
مستمدا عنوانه من دراسة وليام إيمبسون الكلاسيكية للغموض الأدبي، يقدم مقال "سبعة أنواع من الإلحاد" تشريح غراي للطرق المختلفة لعدم الإيمان بالله. فالإلحاد يشتمل على كل شيء بدءًا من رفض ماركس وباكونين لوجود الله لأنه "كان عقبة أمام التضامن الإنساني". ورفض فريدريك نيتشه لأنه شجع "فضائل العبيد" مثل "التواضع" إلى الإلحاد البروتستانتي الليبرالي لجون ستيوارت ميل الذي "شارك المسيحيين في وقته الاعتقاد بأن حياة الإنسان يجب أن تُكرس لتحسين القدرة الذهنية والسمو الأخلاقي بدلا من الاستمتاع بالملذات البدنية". 

ولذكائه الفلسفي، يدرك غراي الإلحاد أفضل من إدراك الملحدين الجدد له، الأمر الذي يثبت أن كثيرا من معارفهم السياسية الليبرالية أو غير الليبرالية مدينة لنسخة معلمنة من المسيحية والتي رفضوها في الظاهر، بحسب تعبير المجلة.

ويصنف "أنواع الإلحاد السبعة" الملحدين لأولئك الذين اتخذوا دينا من العلم، وأولئك الذين اتخذوا دينا من السياسة الراديكالية، وآخرين اتخذوا دينا من كراهية الإله، وأخيراً فئتان كان لغراي غرام واضح بهما، ومنهم "الكافرون الذين ما زالوا يرون فائدة في الطقوس الدينية".

والخيط الذي يربط نظام تصنيف غراي هو الادعاء بأنه بالنسبة لهم جميعا باختلاف تنوعاتهم أن "الإلحاد هو استمرار لعقيدة التوحيد بوسائل أخرى". فكل النظم التي صنعها البشر، حتى إذا احتج أتباعها ضد علمانيتها فإنها جميعا تحمل دينا (كامناً أو مستتراً). ويقول الكاتب إنه ليس ملحداً لسبب بسيط هو عدم اعتقاده أن الإلحاد موجود بالأساس!

الفيلسوف الألماني نيتشه (مواقع التواصل)

علمنة مزعومة
ويكتب غراي أن أنصار "الثورة والإصلاح والثورة المضادة يعتقدون أنهم تركوا الدين وراءهم، في حين أن كل ما لديهم هو تجديده بأشكال يفشلون في إدراكها". وعلى عكس فرضية العلمنة المزعومة، يؤكد غراي أن واقعنا لا يزال مسكوناً بالإله.

و "السبعة أنواع من الإلحاد" تدور في النهاية حول الكيفية التي تكون بها أي من فئات غراي (حتى لو كان لديه تفضيلات واضحة للبعض على الأخريات) هي في الحقيقة نوع من الإيمان السامي. مثل هذا الوصف ليس جديدا على فكر غراي، لأن الادعاء بأن "الدين لم يغادر العالم أبدا" كان الحجة الرئيسية في حياته الفلسفية.

وبالطبع لم يكن غراي الفيلسوف الوحيد المعاصر الذي يقول بحجة مثل هذه.  فمفكرون مختلفون مثل الفيلسوف الألماني هابرماس والسلوفيني جيجيك "تحولوا إلى الدين في أعمال لاحقة" وبالنسبة إلى غراي اكتسب الإلحاد زخارف "الأديان التقليدية". 

الحركات الإلحادية كأديان بديلة
وقام غراي بوضع قائمة بما يُسمى عبادة العقل من يعاقبة فرنسا، والتصوف العلماني للفرنسي أوغست كونت والمادية الجدلية لفلاديمير لينين و"سرقة نيتشه الثانية" لـ آين راند، كأمثلة للكيفية التي كانت بها الحركات الإلحادية وسيلة "لأديان بديلة" حتى لو أنكر أنصارها العلمانيون ذلك.

ويقول الكاتب "لا يمكن طرد الدين من جسد الإنسانية". ويتابع "الاعتقاد بأننا نعيش في عصر علماني وهم" نظرا إلى أن "الفكر العلماني يتكون في الغالب من دين مكبوت.. لم يكن هناك أبدا عصر علماني". 

إن نزعة الشك الدينية لدى غراي تسمح له بدراسة الأيديولوجيات المعاصرة بمزيد من الدقة والأمانة، وفي نفس الوقت تسمح له بانتقاد "الآلهة الحديثة" التي تحتاج إلى نقد، مثل أساطير التقدم والطوباوية. فيكتب "إذا كنت تريد أن تفهم السياسة الحديثة عليك أن تنحي فكرة أن الحركات العلمانية والدينية متعارضة. فبالنسبة للفيلسوف، كل نوع من السياسة يخون مواقفه الدينية". 

ويبحث غراي -في تصنيفه للإلحاد- في تيارات الملحدين الجدد، و"مقدسات الإنسانيين العلمانيين، اللاعقلانية الورعة" لمن يدعون لتجاوز الظروف الإنسانية بالتكنولوجيا، وكراهية الإله.

ويناقش فئة أخيرة من الملحدين التي ترى "عدم قابلية الإله للوصف". ويقول إن ذلك سيعلمنا حدود الفهم الإنساني. ويشبه غراي فكر شوبنهاور وهذه "الروحانية الإلحادية" بفكر اللاهوتيين "السلبيين" الذين يعتقدون أن الإله "حالة من الوجود الخالص" أي بلا تدخل في العالم. 

ويشبه ذلك موقف سبينوزا الملحد الممتلئ بالإله والذي -رغم نكرانه الإله الموجود في الكتب المقدسة- يرى أن "خلاصنا أو مباركتنا أو حريتنا تتشكل من حب الإله الدائم الأبدي".

المصدر : الجزيرة