وزارتان بلا ثقافة.. كاتب يمني ينتقد صمت اتحاد الأدباء والكتاب

طاهر: المثقفون والمبدعون في اليمن تشردوا وعانوا الأمرّين (الجزيرة)
طاهر: المثقفون والمبدعون في اليمن تشردوا وعانوا الأمرّين (الجزيرة)

حاوره/ صدام أبو مازن-صنعاء 

قال الكاتب والمفكر اليمني عبد الباري طاهر إنه لا تبرير لصمت اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين تجاه الأحداث الجارية في البلاد، محملا قيادة الاتحاد -وهو أحد قياداته ورموزه النضالية- مسؤولية ما اعتبره "تغييب وتبهيت صوت الاتحاد".

وأشار عبد الباري طاهر في حوار مع الجزيرة نت أن القمع الفاحش يطال الحياة كلها في اليمن، ويمس الإنسان في أخص خصوصياته، لكن ذلك لا يبرر الصمت المميت لاتحاد الأدباء المؤسسة الريادية والوطنية التي كانت فاعلة ولها دور متميز ضد الفتن والحروب بين شطري اليمن قبل الالتئام، حيث أسس الأدباء لدولة الوحدة عبر تقديم النموذج الأدبي والفكري لليمن كله، وذلك قبل توقيع اتفاقية الوحدة اليمنية يوم 22 مايو/أيار 1990.

صوت المثقف
وعن غياب صوت المثقف اليمني المناهض للحرب والرافض أن يكون أداة وبوقا لأطراف الصراع، يشير طاهر إلى أن صوت المثقف ضعف وتراجع وخفت بشكل لافت، لكنه لم يغب تماما على حد قوله.

واستدرك قائلا إن صوت أزيز الرصاص وهدير المدافع وقصف الطيران يبهت صوت المدافع عن الحرية والحقيقة والحياة، فلا صوت يعلو فوق صوت المعركة.

لكنه أضاف أن صوت السلام والحق يتوارى تحت وطأة الحرب، ثم يسطع في لحظة ليطيح بكل جبروت وجرائم الحرب وزبانيتها.

المفكر عبد الباري طاهر يرى أنه لا مبرر لصمت اتحاد الأدباء والكتاب (الجزيرة)

جرائم ثقافية
وعبر المفكر طاهر عن أسفه لغياب التقييم والتوثيق المحايد والمستقل والنزيه لجرائم الحرب، لا سيما جرائم تدمير موروث اليمن وحضارته، حيث لم تسلم المدن القديمة والمتاحف والمعالم الأثرية اليمنية من التخريب والدمار تحت وطأة الحرب. واعتبر أنه جرى تهديم المنشآت والآثار والمدارس والمستشفيات والأسواق الشعبية والمزارع والمساجد، وقتلت الحرب وشردت آلاف الآلاف، وجرحت الملايين.

وقال بهذا الصدد إن كثيرين طالبوا بتشكيل لجنة دولية لرصد جرائم الحرب، على أن يتبنى المجلس الأعلى لحقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة هذا الرصد، لكن هذه المطالبات لم تجد أذنا صاغية، لأن كل الأطراف المتصارعة -ومعها الدول الكبرى التي تسندها- ضالعون في هذه الجرائم.

غير أنه يؤكد أن "الحق لا يموت، وعندما تسكت المدافع سيرتفع صوت الشعب، وسيطرح أسئلة جرائم الحرب"، وفي مقدمتها جرائم تدمير وتشويه وطمس ملامح الثقافة والحضارة اليمنية.

وفي هذا السياق أشار المفكر طاهر إلى كتاب الباحثة بشرى المقطري "ماذا تركت وراءك؟ أصوات من بلاد الحرب المنسية" الذي يرصد النزر اليسير من هذه الجرائم، متناولا آثار حرب لا تمحى، ويبقى أثرها في أرواح اليمنيين وذاكرتهم طويلا.

المثقف والكلمة
وعن ضعف دور كلمة المثقف والمبدع الحقيقي أمام آلة الحرب ونزيف الموت، يؤكد عبد الباري طاهر أن الكلمة على هشاشتها وضعفها تستطيع الخلق من عدم. وفي البدء كانت الكلمة "إن الكلمة أقوى من الرصاصة.. تطاول الرصاصة (الموت) آني ومحدود، لكن أثر الكلمة المبدعة شعرا ونثرا وأغنية ولوحة، هو الأبقى والأخلد والأقوى".

وعن الواقع البائس للمثقفين والمبدعين في البلاد الذين تشردوا وعانوا الأمرين هم وأولادهم، في حين هناك وزارتان للثقافة في صنعاء وعدن، يشير طاهر إلى أن الحديث عن وزارتين للثقافة حديث عن شاهد ضياع المواطنة الحقيقية في اليمن، فلا وجود لوطنين في بلد مفكك ومحروب.

أما الحديث عن الثقافة التي هي أهم مقومات أي أمة وشاهد وجودها في ظل وطن منقسم ومتحارب فهو حديث خرافة، وباطل الأباطيل، كما يقول.

غياب وإنكار
ويرى طاهر أن صوت اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين توارى -إن لم نقل غاب- كمؤسسة أدبية وثقافية، وأن دوره غاب كمؤسسة وحدوية لعبت أهم الأدوار في أزمنة التشطير، وكان لها دور بارز ضد الفتن والحروب بين الشطرين، وأسس لدولة الوحدة عبر تقديم النموذج الأدبي والفكري لليمن كله.

وقال إن قيادة الاتحاد الحالية -وهو منهم- تتحمل مسؤولية تغييب وتبهيت صوت الاتحاد، وأضاف "صحيح أن القمع الفاحش يطال الحياة كلها، ويمس الإنسان في أخص خصوصياته، ولكن ذلك لا يبرر الصمت المميت في حال مؤسسة ريادية ووطنية".

وبشأن ما سمي "باتحاد أدباء الجنوب" الذي تم إشهاره مؤخرا ومقره عدن، رفض عبد الباري طاهر الحديث حول هذا الاتحاد الناشئ "لأن فيه زملاء أعزاء وشعراء كبارا نكن لهم أصدق وأعمق المشاعر والود".

غير أنه ألمح إلى أن تأسيس اتحاد أدباء الجنوب ناتج عن غياب قيادة اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين.

المفكر عبد الباري طاهر يلوم المثقفين اليمنيين لغيابهم عن أحداث بلدهم (رويترز)

مآلات
وعن مطالب وتحركات الأدباء الشباب في اليمن الذين لم يتم منحهم عضوية اتحاد الأدباء والكتاب منذ نحو عقد من الزمن، يقر عبد الباري طاهر بأن الأدباء الشباب هم الأكثر عددا والأعمق والأكثر إبداعا وعطاء من القيادات التي اختفت واستنامت، ولم تعد قادرة على القيادة والعطاء.

ويعتقد أن الحرب تلفظ أنفاسها، وأن دول الإقليم الضالعة فيها تتآكل ويشتد ضعفها، بينما يقوى ضغط الوقائع والأحداث ضدها. ويقول "جليّ أن الأطراف الإقليمية المدعومة دوليا هي الآن من بيدها أوراق اللعبة، والمليشيات اليمنية مجرد مياومة، وقد تحولت الحرب إلى كارثة تطال الجميع".

المصدر : الجزيرة