تحولات السلطة العربية في "شرفة الهاوية"

 
هناك معارك خاسرة نخوضها ونهزم فيها بقسوة لا تحتملها مكانتنا ولا ظروفنا، ولكننا نخوضها من جديد كلما فتحت لنا الهاوية شرفتها. بهذه العتبة النصية يستدرج الروائي إبراهيم نصر الله القارئ إلى متن روايته الجديدة "شرفة الهاوية".

ويمنح نصر الله القارئ مفاتيح الاستكشاف لاستغوار مجاهيلها، وإضاءة مناطقها المعتمة عبر مجرّة من الطروحات الفكرية والثقافية التي سوف تفجرها عناصر النص أثناء فعل القراءة.

والرواية الصادرة مؤخرا عن الدار العربية للعلوم ناشرون، ببيروت، هي الرابعة ضمن مشروع نصر الله الروائي "الشرفات" والذي سبق أن صدر منه "شرفة الهذيان" و"شرفة رجل الثلج" و"شرفة العار".

وتتناول الرواية -التي تقع في 333 صفحة- الفترة الممتدة من نهاية الثمانينيات التي شهدت ما أطلق عليه عربيا "التحولات الديمقراطية" حتى اندلاع الثورات العربية، متأملة بذلك روح السنوات العشرين الماضية.

هي رواية عن طبقات النفس الإنسانية مثلما هي عن طبقات بناء السلطة العربية وقدرتها الفائقة على تغيير ظاهرها، دون أن يتغير في مضمونها شيء يذكر. وزير متنفذ وأستاذ جامعي ومحامية شخصيات ثلاث منقسمة في واقع منقسم، تتحرك في مدى زمني يمتد عشرين عاما ما قبل الثورات العربية، حتى لحظة الانفجار الكبير.

يقدم نصر الله رواية متعددة الأصوات، مركبة فنيا بطريقة تدعو القارئ للمساهمة في إعادة بناء النص، ربما، كجزء من محاولة للمضي أبعد، تتمثل في إعادة بناء الحياة

أصوات متعددة
لا يتقن المتنفذ في الرواية شيئا مثلما يتقن انتهاك الأوطان، والأستاذ الجامعي لا يتقن شيئا مثلما يتقن التحرش بطالباته، والمحامية لا تتقن شيئا مثلما تتقن افتقادها لتحقيق العدالة لنفسها. وفي خلفية الصورة، يبدو الهامش البشري، تحت الحصار، وحده القادر على مقاومة ذلك كله بمكر المغلوبين.

"شرفة الهاوية" رواية مفعمة بالحوارات العميقة، وبالمفارقات التي تذهب بعيدا في تفاصيل البنية الاجتماعية السياسية الاقتصادية السائدة، معرّية القشرة الخارجية البراقة لشخصيات هشة، رغم ما تدعيه من سطوة، وشريحة اجتماعية تعيش على النهب والسرقة والفساد.

هي رواية المساحة المفتوحة لنماذج تتساقط للأعلى، ورواية المقايضة التي تستعيد "فاوست" وصفقته مع الشيطان بطريقة أكثر بؤسا، في زمن تمّ فيه تسليع كل شيء، وتحويل حتى الذكريات الجميلة والأحلام، إلى سلعة تباع لإرواء ظمأ الكوابيس، وزمن تنتهك فيه الأوطان كما ينتهك البشر.

ويبقى سؤال الرواية محوّما بعد الانتهاء من قراءتها: هل ستكون قدرة الأنظمة العربية على التأقلم وتجديد نفسها في زمن التحوّلات الذي بدأته منذ نهاية الثمانينيات من القرن الماضي، هي قدرتها المتقنة نفسها ما بعد زمن الثورات؟

يقدم إبراهيم نصر الله رواية متعددة الأصوات، مركبة فنيا بطريقة تدعو القارئ للمساهمة في إعادة بناء النص، ربما، كجزء من محاولة للمضي أبعد، تتمثل في إعادة بناء الحياة.

يذكر أن الدار العربية للعلوم -ناشرون- قد أصدرت طبعات جديدة من خمس روايات لإبراهيم نصر الله وهي قناديل ملك الجليل (طبعة ثالثة)، وزمن الخيول البيضاء (تاسعة)، وشرفة العار (ثالثة)، وزيتون الشوارع (خامسة)، وأعراس آمنة (خامسة).

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

“كان عليّ أن أعمل بقوة الروح، بقوة الذكريات، وبقوة الأمل”. هذه العبارة بوعي المسيرة الإبداعية للروائي والشاعر الفلسطيني إبراهيم نصر الله هي ما يمنح التجربة هويتها، وهي أيضا مرآة الفرد وسط جماعته التي عرفت اللجوء والمعاناة تحت آخر احتلال في العالم.

كانت روايته البديعة “زمن الخيول البيضاء” لتصبح خاتمة الملهاة الفلسطينية التي أنجز منها ثماني روايات بديعة (حتى الآن) لولا سحر الحكاية الذي ما زال يأسر الروائي الفلسطيني إبراهيم نصر ألله فيذهب بالحكاية لمداها الأبعد وإلى إرهاصات تاريخية تشكل حكاية فلسطين وشعبها.

أهدى الشاعر إبراهيم نصر الله قصائده للأسرى الفلسطينيين والأردنيين المضربين عن الطعام في سجون الاحتلال الإسرائيلي، وطالب بالتضامن معهم من أجل استعادة حريتهم. وقال إن الشاعر نصير الشعوب على الدوام، والشعر سجل روحي للشعوب العربية.

يقدم الروائي إبراهيم نصر الله متعا سردية لقارئه، لكنها متع قاسية لأنها تحوم حول الموت والحرمان. خاصية يعترف بها الكاتب وإن كان يعتبر حضورها بقوة في متنه الروائي طبيعيا، نظرا لتجربته كفلسطيني عاش مأساة شعب “كتب عليه أن يعيش داخل الموت”.

المزيد من فني وثقافي
الأكثر قراءة