"1982" للبناني وليد مؤنس.. سيرة ذاتية تصنع متخيلا سينمائيا

طرق موضوع الذاكرة في السينما اللبنانية لا يأتي كاحتفال أو نوستالجيا (حنين للماضي) بل كنوع من إدانة تاريخ السلطة وممارساتها.

إلى جانب المتعة البصرية التي يحبل بها الفيلم نجح مخرج "1982" بأن يرتكز على تكسير مفهوم السيرة الذاتية (الجزيرة)
إلى جانب المتعة البصرية التي يحبل بها الفيلم نجح مخرج "1982" بأن يرتكز على تكسير مفهوم السيرة الذاتية (الجزيرة)

في فيلمه الروائي الطويل الأول "1982" الذي عرض قبل أسابيع قليلة ضمن "مهرجان تطوان لسينما البحر الأبيض المتوسط" والفائز بجائزة لجنة التحكيم، يحرص المخرج اللبناني وليد مؤنس على أن يجعل من الذاكرة اللبنانية سياسة واجتماعا مسرحياً للتخييل السينمائي، إذ رغم ما يحبل به الواقع اللبناني من أزمات سياسية ونكبات اجتماعية واقتصادية، فإنه يجعل من الذاكرة موطنا آمنا يحتمي بها من قهر الواقع اليومي ومطباته.

ولأنه العمل الروائي الأول لمؤنس، يصعب على المرء تقييم قدرات المخرج على ابتكار أسلوبه الشخصي في تخييل اللحظة اللبنانية سنة 1982 إبان الغارات الإسرائيلية، بحيث إن الأسلوب الجمالي للمخرج يتبلور وفق مشروع سينمائي، يبدأ بمفهوم التجريب الكمي وينتهي بآخر نوعي، قبل أن يترك بصمته الخاصة على الصورة السينمائية.

فالتجريب لا يحيل دائما إلى مراكمة عدد من الأفلام، حتى يستطيع المخرج تأصيل تجربته داخل السينما العربية، فأحيانا يراد به مدى قدرة مخرج على مستوى تمكنه من أدواته التعبيرية بين الوسائط البصرية، مما يساهم ضمنيا في تأصيل تجربته السينمائية وموقعها داخل إنتاج بلده.

إن تجريب مؤنس قاده بشغف لا لتصوير مباشر للحرب، ولكن للوقوف عند إيقاع هذه الحرب في مشاغل ونفوس الناس. فهذا الأمر، أتاح له ضمنيا إمكانية اللعب بعنصر الحكاية عن طريق تشذيرها وجعلها تبدو أشبه بقصّة حبّ، مع أن دوافعها سياسية محضة وذات علاقة وطيدة بالاجتماع اللبناني، فهي ترصد ظاهريا ذلك الصمت المرعب الذي تحدثه الحرب قبل اندلاعها.

اللعب على التشويق البصري كان عنصرا مؤثرا في صنع جماليات الفيلم (مواقع التواصل)

حبّ أم سياسة؟

ليست المرّة الأولى التي يلجأ فيها مخرج إلى تراكمات الذاكرة، فأعمال السينما اللبنانية الأخيرة القصيرة منها والطويلة تحتفي إلى حد كبير بالذاكرة اللبنانية، فيما يتصل منها بمأساة الراهن. لكن طرق موضوع الذاكرة لا يأتي كاحتفال أو نوستالجيا (الحنين إلى الماضي) بل كنوع من إدانة تاريخ السلطة وممارساتها.

غير أن إقامة مؤنس في الماضي تتخذ ميسما من التخييل الجمالي الذي يبتعد كل البعد عن مفهوم "التوثيق" المألوف داخل أفلام لبنانية رائدة لجوسلين صعب ومارون بغدادي وجان شمعون مثلا، فهو يجعل من عنصر الخيال الخيط الجوهري الذي يلحم مشاهد الفيلم، حتى لو كان أساسه سيرة ذاتية، تدور حكايتها سنة 1982 لحظة القصف الإسرائيلي لبيروت وذلك حول طفل اسمه "وسام" يحاول جاهدا الاعتراف بحبه وإعجابه بطفلة معه في الفصل تدعى "جوانا" لكن في اليوم الذي يقرر أن يخبرها بذلك، تقصف المدينة فيتم إجهاض ذلك.

كما أن المخرج لم يكتف بقصة حب الطفل، بل رسم وبشكل مواز قصة عشق أخرى، بين الأستاذة ياسمين (نادين لبكي) وزميلها في المدرسة جوزيف (رودريغ سليمان) فتأتي القصص الفرعية الصغيرة وتلحم موضوع الحكاية الأصل كنوع من جمالية تظلل براعة التأليف، إذ تبدو متناسقة ومتلاحمة فيما بينها ولا تشكل نشازا على مستوى كرونولوجية المشاهد، لأنها تصنع وجودها الخاص داخل سلم الحكاية، بحيث تبدو لبكي بشخصية جديدة وأكثر تأثيرا، فطبيعة النص السينمائي، ومدى تمركز شخصيتها (ياسمين) داخل هذا النص، تجعل منها أقل دفاعية وأكثر حساسية في تفاعلها مع أفكار واستيهامات وتخيلات ومواقف.

لم يكتف الفيلم بقصة الحب الطفولي بل رسم وبشكل مواز قصة عشق أخرى (مواقع التواصل)

سيرة متخيلة

إلى جانب المتعة البصرية التي يحبل بها الفيلم، على مستوى تشابك هذه القصص داخل وحدة مشهدية مركبة، نجح مؤنس من جانب فني آخر يرتكز على تكسير مفهوم السيرة الذاتية الذي عادة ما تنطبع به الأفلام العربية، فهو يجعل هذا المفهوم الإجرائي يختمر في عمق الصورة، بطريقة لا يدرك فيها المشاهد ما إن كانت أحداث الفيلم متخيلة أم حقيقة وذات علاقة بسيرة المخرج.

هذا العنصر الفني في محكي الصورة له أهمية بالغة في فهم المنطلقات الفنية والجمالية، التي شكلت مدخل المخرج إلى اجتراح صورة سينمائية يتداخل فيها الخيال بالسيرة الذاتية ويلتقيان معا عند نقطة الإبداع. وإذا كانت السيرة الذاتية داخل السينما العربية في عموميتها تأخذ بعدا تاريخيا وتوثيقيا، فإنها تغدو لدى مؤنس أكثر تخييلا، وهي تعيد نسج علاقة بين المدهش في أجساد الناس وبين المرعب في الاجتماع اللبناني.

داخل مشاهد الفيلم يبرز الحب كقضية هامة لدى المخرج مؤنس (مواقع التواصل)

جماليات الصمت

داخل مشاهد الفيلم يبرز الحب كقضية هامة لدى مؤنس، فهو من يصنع جوهر الحكاية من البداية إلى النهاية، لكن سلوك الممثلين وطريقة تأطير المشاهد وسكون الجبل والحمام الزاجل، الذي يكاد لا يفارق بناء المدرسة، تفاصيل بصرية تُؤكد ضمنيا أن شيئا ما سيحدث، إذ إن اللعب على التشويق البصري عنصر جمالي مؤثر في صنع جماليات الفيلم وتماهيه بطريقة ذكية لا منفعلة أو مفتعلة على مستوى الأداء.

ورغم ما تتسم به الصورة السينمائية داخل أفلام من هذا النوع بالنقد والجهر بالحقائق، فإن مؤنس لا يهتم بمثل هذه الخطابات الاحتجاجية التي نعاينها داخل بعض الأفلام العربية، فهو مشغول بالجانب الحميمي للصورة والتقاطها لتفاصيل صغيرة من طفولته الشخصية وإعادة بنائها بطريقة تُصبح فيها ذات علاقة بالاجتماع اللبناني ككل، فبراعته هنا تكمن في حفاظه على عنصر الصمت كمؤثر بصري داخل فضاء المدرسة، بغية تأسيس شرعية الحكاية وخطابها الاحتجاجي الصامت.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من فن
الأكثر قراءة