وهم الشريك المناسب.. كيف شوّه الفن معنى الحب والزواج

المرح والوسامة والجاذبية قواعد مزيفة أرستها الفنون لصورة العشاق (مواقع التواصل)
المرح والوسامة والجاذبية قواعد مزيفة أرستها الفنون لصورة العشاق (مواقع التواصل)

هناك عدد لا يحصى من اللوحات والصور الفوتوغرافية والأفلام والأغاني كلها تتحدث عن الحب الرومانسي والزواج السعيد، لا يوجد إنسان لم ينتظر هذا الشكل المثالي، أو يعد له العدة.

ففي حالة النساء، يتعهد معظمهن برعاية جمالهن ومظهرهن والتحلي ببعض قواعد اللباقة والكياسة، فيما يهتم الرجال عادة بجمع المال وحسن المظهر في سباق حامي الوطيس؛ ليعيش كل منهم حالة الحب الرومانسي الذي يصبو إليه.

وقد ساهم الكثير من الأعمال الفنية سواء مسموعة أو مرئية في إرساء قواعد تلك المباراة، وتختلف هذه القواعد من طبقة لأخرى بقدر ما يتيحه الهامش الاجتماعي للشخص، وتلك القواعد في مجملها تقوم على أن يكون المرء مرحا ووسيما وله جاذبية ومستقرا ماديا إلى حد كبير.

يسعى الرجل نحو المرأة الجذابة، والمرأة تسعى نحو الرجل الجذاب، وكلمة جذاب هنا تنطوي على مجموعة من الصفات التي تختلف من عصر لعصر؛ فمثلا في العصور الوسطى كانت المرأة الممتلئة أكثر جاذبية من الرشيقة، أما الآن فالرشيقة تعد أكثر قبولا وجاذبية، وهكذا لكل عصر موضة تُرسخها وسائل إعلام ذاك العصر، سواء كان شعرا أو لوحات أو صورا أو أفلاما.

فأبطال الأفلام أو اللوحات أو الأغنيات أو الصور لا يظهرون أبدا بمظهر قبيح؛ الأكثر من ذلك هم لا يظهرون حتى بمظهر عادي، فهم دائما شديدو الوسامة والجاذبية حتى في أسوأ أحوالهم، هناك هالة من الجاذبية والقبول الاجتماعي ينطوي عليها السواد الأعظم من تلك الأعمال.

على سبيل المثال، في أحد المشاهد المأساوية في فيلم "جزيرة شاتر" (Shutter Island)، للمخرج مارتن سكورسيزي، نرى المُحقق تيدي، الذي يقوم بدوره النجم ليوناردو دي كابريو، يعانق زوجته المُنتحرة دولوريس شانيل، التي تقوم بدورها ميشيل ويليامز.

والمشهد نفسه مستوحى من لوحة "القبلة" (The Kiss)، للرسّام النمساوي الراحل جوستاف كليمت. وبالرغم من مأساوية المشهد تنقل الكاميرا صور زوجين يتمتعان بقدر لا بأس به من الوسامة والجاذبية. فهل هذا ما يحدث في أرض الواقع إذا كان هناك زوجان يُعاني أحدهما أو كلاهما من اضطرابات نفسية أو عقلية؟.

وفي السينما كما في الفنون التشكيلية هي نفس القواعد المُتّبعة؛ فمثلا نرى في لوحة "دفء الشمس" (The Warmth of the Sun)، للرسام الانطباعي رون هيكس حبيبان مستلقيان في حقل تحت أشعة الشمس في مشهد رومانسي وجميل، وكالعادة يتمتع الزوجان بقدر من الرشاقة والقبول بالرغم من عدم وضوح ملامحهم.

خطورة النموذج

في كتابه "فن الحب" (The Art of Loving)، يستعرض الفيلسوف الألماني إريك فروم أثر المجتمع الرأسمالي الحديث في تشكيل مفاهيم الحب والزواج. فالحضارة الحديثة برمتها قائمة على شهوة الشراء؛ بل ويشعر الناس عادة بالمتعة لمجرد التطلع إلى السلع بالمتاجر أو مشاهدة فيلم أو أغنية أو حتى تأمل صورة فوتوغرافية تعجبهم.

وبالطريقة نفسها ينظر الناس لبعضهم البعض، فهم يودون لو كانت لديهم الأموال الطائلة، التي تساعدهم على تحقيق تلك الصور الرومانسية بشكل شخصي. وعليه، فهم يحتاجون للمال والوسامة والنجاح المهني وتناسق القوام ليعثر عليهم حب حياتهم.

مع ذلك، ووفقا لفروم، فإن ما يحدث ليس حبا بقدر ما هو مقايضة، ويقصد بذلك مقايضة من النوع الذي يحدث في السوق في المجتمع الرأسمالي الحديث. فقد صارت العلاقات الإنسانية تهتدي بنموذج السوق الذي يعتمد في الدعاية على الصور المثالية. فكلما حقق المرء أكبر قدر من الإمكانيات الاجتماعية المتعارف عليها صارت فرصته في المقايضة أفضل.

فالرجل الوسيم الناجح الجذاب سيتزوج غالبا من فتاة لديها ما تقايض به هذه الإمكانيات، سواء جاذبية أو تفوق علمي أو ثراء اجتماعي، وبالتالي لا عجب في أن موقع إنستغرام وحده يُنشر عليه مئات آلاف الصور يوميا عن أزواج يجمعهم مفهوم المقايضة.

وبالطبع، فإن هذا النموذج القائم على المقايضة والأشبه بأفلام السينما وصور المشاهير لا يدوم، فجمال البدايات يبهت بالتعارف العميق، ولا يلبث السحر أن ينفض عن العلاقة تدريجيا بفعل التطاحن اليومي وكثرة خيبات الأمل.

في المقابل، نجد أن الحب، وفقا لعالم النفس النمساوي سيغموند فرويد، ما هو إلا غطاء لرغبات الإنسان الجنسية المحضة، فهو لا يعتبر الحب حتى نوعا من المقايضة كما في حالة فروم؛ بل هو محض غريزة حيوانية.

وقد ابتكر الإنسان العاقل هالة لتلك الغريزة الحيوانية، تسمى "الحب"؛ لكي لا يتساوى فيها مع الحيوان. وفي الحالتين، عند فروم وفرويد، فالرجل الوسيم الناجح الجذاب سيتزوج غالبا من فتاة لديها ما تُشبع به هذه الإمكانيات، سواء جاذبية جنسية أو تفوق علمي أو ثراء اجتماعي.

وخير مثال على ذلك ما نراه مِن مشاهير منصات التواصل الاجتماعي، الذين ينشرون صورا فوتوغرافية أشبه بالسينمائية لبيوتهم شديدة الشبه بالروايات واللوحات الرومانسية مرفقة بتعليقات أو قصص قصيرة توضح مدى السعادة، التي ينعمون بها، ويطلقون على هذه الدعاية "حب" بالرغم من أن الهدف من ورائها يكون عادة الحصول على إعلانات.

الحب كظاهرة نادرة نسبيا

يقول فروم "لا يكاد يوجد أي نشاط أو مشروع كالحب. يبدأ بآمال وتوقعات هائلة، ويفشل بشكل منتظم" ويرى أن الحب، سواء كان جنسيا أو أخويا أو حتى أموميا، ظاهرة نادرة. وأن ما يحدث الآن هو شكل متطور من أشكال مقايضة الإنسان بإنسان وفقا لعدد وأهمية مميزات كل منهم، فما تستعرضه الأعمال الفنية من معاني الحب تخضع ضمنيا لموضة الجمال وأسباب الانجذاب بين الجنسين.

إن شخصياتنا قد جهزت للمقايضة، للاستثمار والاستهلاك، وعبر الارتباط بالشخص، الذي نطلق عليه "مناسب"، فإننا في الواقع نكوّن تحالفا من اثنين، تضاعفت إمكانياتهم بالزواج، في مواجهة عالم شديد القسوة والتطلب.

وهكذا، فإن سلطة الصورة التي خلقها الفن بكافة أشكاله في المجتمع الرأسمالي الحديث، جعل "تكوين فريق عمل للتخلص من الوحدة والجوع الجنسي ومواجهة العالم" يُسمى مجازا بالحب، فيما إنه لا يعدو أن يكون واحدا من أشكال تفكك الحب في المجتمع الحديث.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

في زمن لم يكن النساء فيه يتمتعن بقدر كبير من الحرية. وكان على معظمهن ملازمة المنزل ليل نهار وعدم الخروج منه إلا للضرورة، كانت القراءة وسيلتهن للهروب والمضي نحو عالم آخر يعشن فيه بخيالهن.

المزيد من فن
الأكثر قراءة