شعار قسم مدونات

الدستور التونسي الجديد وإشكالية العلاقة بين الدين والدولة

Demonstrators carry flags as they gather during a protest against Tunisian President Kais Saied in Tunis, Tunisia June 19, 2022. REUTERS/Zoubeir Souissi
متظاهرون يرفعون الأعلام أثناء تجمعهم خلال مظاهرة ضد الرئيس التونسي قيس سعيد في العاصمة تونس (رويترز)

قبل أسابيع قليلة صرح أستاذ القانون الدستوري الصادق بلعيد -الذي عينه الرئيس التونسي قيس سعيد منسقا للهيئة الوطنية الاستشارية لإعداد الدستور الجديد في تونس- بأن مسودة الدستور المقترح الذي سيتم الاستفتاء عليه في 25 يوليو/تموز القادم ليحل محل دستور الثورة التونسية الذي صدر في عام 2014 لن تنص على أن الإسلام دين الدولة.

وعلل بلعيد هذا التعديل بأنه يهدف إلى التصدي للأحزاب السياسية ذات المرجعية الإسلامية مثل حركة النهضة ومنع استغلال الدين، حسب قوله.

هذا التعديل المقترح -الذي أشار إليه بلعيد- تم تأكيده من قبل الرئيس قيس سعيد يوم الثلاثاء الماضي حينما ذكر أنه سيتم تغيير الفصل الأول من الدستور الجديد في تونس لينص على أن الإسلام دين الأمة وليس دين الدولة، وذلك لأن الدولة ذات معنوية في حين أن الدين يرتبط بالإنسان، فالدولة -حسب تعبيره- تعد بمثابة "شركة عمومية لا يمكن أن تمر على الصراط أو تحمل زقفونة لتدخل الجنة أو النار".

وتعد إشكالية العلاقة بين الدين والدولة وبالتالي مسألة العلمانية كمبدأ دستوري أحد أكثر الأمور جدلا التي تتجلى أمام المشرع الدستوري، فالمتأثرون بالنهج العلماني الفرنسي يرون ضرورة الفصل التام بين الدين والدولة، فالعلمانية في فرنسا تعتبر مبدأ دستوريا أساسيا، كما أنها تعد إحدى قيم الجمهورية، وهذا الأمر تؤكده المادة الأولى من الدستور الفرنسي لسنة 1958 والتي تنص على أن فرنسا جمهورية غير قابلة للتجزئة وعلمانية وديمقراطية واجتماعية.

هذه الصورة المتطرفة للعلمانية والتي تسود في فرنسا والتي كانت أيضا موجودة في تركيا منذ عهد مصطفى كمال أتاتورك قبل التغييرات التي أحدثتها في السنوات الماضية حكومة حزب العدالة والتنمية ذات التوجه الإسلامي بقيادة رجب طيب أردوغان تغالي في إبعاد الدين عن المجال العام، فهي تراه شأنا خاصا لا مكان له في أمور السياسة والحكم، وتعتبر أن العلمانية شرط أساسي لضمان حياد الدولة وكفالة الحريات وتحقيق المساواة بين جميع المواطنين على اختلاف دياناتهم ومذاهبهم.

هذه الصورة المتشددة من العلمانية تختلف -على سبيل المثال- عن النموذج العلماني الألماني الذي يتبنى مبدأ الحياد المنفتح على الدين أو عن النموذج البريطاني الذي يعد فيه الملك أيضا بمثابة رئيس الكنيسة أو عن النموذج الأميركي المتصالح مع الدين.

ومما لا شك فيه أن العلمانية كفلسفة وكمبدأ دستوري -ولا سيما تلك الصور المتطرفة منها- تتصادم بشكل جلي مع الميراث الديني والثقافي للشعوب العربية والإسلامية المتشبعة بروح الإيمان والتي ترفض في أغلبها الفصل بين الدين والدولة وترى في العلمانية سلعة مستوردة من الغرب المسيحي وإفسادا لأمور الدين والدنيا.

وتعترف دول كثيرة في دساتيرها بدين أو مذهب معين، وقد يأخذ هذا الاعتراف أشكالا متنوعة، فهناك دساتير عديدة تنص على اعتبار دين محدد هو الدين الرسمي للدولة، وقد يأخذ ذلك أيضا شكل النص على أن يكون رئيس الدولة معتنقا دينا معينا مثلما هو الحال في الدستور السوري الذي ينص على شرط أن يكون رئيس الدولة مسلما.

وفي بعض الدول المسيحية هناك دساتير تنص على اعتبار كنيسة بعينها هي كنيسة الدولة، ومثل هذه النصوص لا غضاضة فيها من ناحية قواعد القانون الدولي ما دامت أنها لا تؤدي إلى انتهاك حقوق الإنسان لأتباع الديانات الأخرى.

وفي البلاد العربية والإسلامية يعتبر الدستور العثماني -الذي صدر عام 1876- أول دستور يتطرق إلى علاقة الدين بالدولة، إذ نصت المادة الـ11 على أن دين الدولة العثمانية هو الإسلام مع الإشارة إلى تمتع الأديان الأخرى بالحماية، كما نصت المادة الرابعة من الدستور ذاته على أن السلطان هو الحامي لدين الله.

وهذا أمر مفهوم في دولة الخلافة التي تعد من أول واجباتها حراسة الدين، وقد جرت العادة في القرن الـ20 وفي القرن الحالي، على أن تتضمن كثير من الدساتير الصادرة في الدول العربية والإسلامية نصا يشير إلى الإسلام باعتباره دين الدولة.

وفي ما يتعلق بالحالة التونسية نجد أن وثيقة عهد الأمان التي صدرت في عهد محمد باي في 10 سبتمبر/أيلول 1857 لم تتطرق إلى مسألة دين الدولة، لكنها أشارت في التوطئة إلى محورية الإسلام كدين وإلى ضرورة مراعاة أحكام شريعته، وبالمثل لم يتضمن الدستور التونسي -الذي صدر عام 1861 والذي يعتبر أول دستور يصدر في العالم العربي- أي إشارة إلى مسألة دين الدولة.

ويعد هذا أمرا مفهوما بمعيار ذلك الوقت، إذ إن قضية العلاقة بين الدين والدولة لم تكن مطروحة في ذلك الزمان في عالمنا العربي والإسلامي، وفي السنوات الأولى لحقبة الاستقلال عن فرنسا -الذي حصلت عليه تونس عام 1956- طرحت هذه المسألة عند إعداد دستور عام 1959 في عهد الرئيس الأسبق الحبيب بورقيبة، وبعد نقاش وجدل كبيرين اتفق أعضاء المجلس القومي التأسيسي على الصيغة الموجودة في الفصل الأول للدستور والتي تنص على أن تونس "الإسلام دينها والعربية لغتها".

ولقد كانت مسألة علاقة الدين بالدولة أيضا محل جدل طويل أثناء إعداد دستور عام 2014، فقد مثّل وضع الدين في دستور الثورة أحد الأمور الحساسة والجوهرية، وكانت هناك مطالبات من قبل الإسلاميين بأن يتضمن الدستور النص على الشريعة الإسلامية كمصدر للتشريع، وهو الأمر الذي رفضته آنذاك بشدة الأحزاب والقوى العلمانية التونسية اعتقادا منها بأن النص على الشريعة في الدستور قد يشكل تهديدا للطابع المدني للدولة وللمكتسبات التي حققتها المرأة التونسية على مدى عقود منذ عهد الرئيس الأسبق الحبيب بورقيبة.

وفي ضوء حالة الانقسام هذه حول مسألة الشريعة آثرت حركة النهضة التونسية وزعيمها راشد الغنوشي التوافق مع الأحزاب والقوى الأخرى، وتم الاتفاق حينها على الاحتفاظ فقط بالفصل الأول من دستور عام 1959 والتخلي عن فكرة النص على الشريعة في الدستور.

وقد ذكر في التقرير العام للدستور -والذي يحمل تاريخ 24 يناير/كانون الثاني 2013- أنه "بتوافق وطني واضح وبمبادرة تاريخية تم الاتفاق على الاحتفاظ على الفصل الأول من دستور 1959″، ويشار إلى أن دستور عام 2014 يتضمن فقرة تنص على عدم جواز تعديل هذا الفصل.

لقد كان الدستور التونسي الصادر سنة 2014 -الذي استغرق إعداده فترة تجاوزت العامين ووصفه بعض المراقبين آنذاك بأنه الأحدث في العالم العربي- نتاج توافق بين قوى وتيارات مختلفة من إسلاميين وعلمانيين، فالمجلس التأسيسي -الذي كلف في عام 2011 بوضع الدستور- كان يضم أطيافا مختلفة، فإلى جانب ممثلي حركة النهضة -الذين كانوا يحرصون بطبيعة الحال على إبراز مبادئ وقيم الإسلام في الدستور- كانت هناك أيضا الشخصيات المستقلة وممثلو الأحزاب ذات التوجه العلماني والتي كانت تعمل من جانبها على التأكيد في الدستور على مبادئ المواطنة والمساواة والطابع المدني للدولة.

وقد تجلى النهج التوافقي بشدة أيضا في صياغة الفصل السادس من دستور 2014، فقد اقترن ذكر هذا الفصل لدور الدولة باعتبارها راعية للدين مع الحرص على التأكيد في الفصل ذاته على كفالة حرية العقيدة والضمير، كما تم النص في الفصل نفسه على حياد المساجد وتحريم دعوات التكفير والتحريض على الكراهية والعنف.

وخلاصة القول هو أن المسائل المتعلقة بوضع ودور الإسلام في الدستور تعد من الأمور شديدة الحساسية، فعلى الرغم من أن الفصل الأول من الدستور لا يحول تونس إلى دولة دينية ولا يتناقض من حيث المبدأ مع الطابع المدني للدولة، ويراه الكثيرون من التونسيين قاعدة دستورية ضرورية للحفاظ على الهوية الدينية والثقافية للبلاد في مواجهة موجة التغريب والعلمنة فإن للتيار العلماني والليبرالي في هذه المسألة رأيا آخر.

فهذا التيار حريص على إبعاد الدين قدر الإمكان عن الدستور التونسي، إذ يرى أن وجود هذا الفصل الذي ينص على أن الإسلام هو دين الدولة من شأنه صبغ النظام القانوني التونسي بصبغة إسلامية، وهذا أمر لا يرغب فيه التيار، فهو يرى أن الحكومة والقضاء التونسي كثيرا ما استندا في الماضي إلى الفصل الأول من الدستور لتبرير قرارات أو أحكام تقيد من وجهة نظره حقوق المرأة في أمور تتعلق على سبيل المثال بالزواج أو الميراث.

فهل هذا التعديل المقترح لإلغاء النص على أن الإسلام هو دين الدولة ينبغي قراءته في إطار الرغبة في تحجيم دور الدين في الدستور نزولا على رأي القوى العلمانية، أم أن الأمر لا يعدو كونه استبدال كلمة بأخرى لتحل كلمة الأمة محل كلمة الدولة مثلما يقترح الرئيس قيس سعيد؟

إن الأمر الذي لا شك فيه هو أن هذا التعديل المقترح إن قيض له أن يصبح حقيقة واقعة في الدستور الجديد فسوف يطلق العنان لتفسيرات وتأويلات عدة، والراجح هو أن أكثرها سيذهب إلى مزيد من التقييد لدور الدين في النظام القانوني التونسي، فهي إذن بداية لها ما بعدها الكثير.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.