مستقبل التجارة الدولية بعد الحرب الأوكرانية

مستودع للأدوات المنزلية يحترق بعد قصف في سومي بشمال شرقي أوكرانيا (رويترز)

الغزو الروسي وانهيار منظومة التجارة الحرة العالمية

مع بدء اليوم الأول للغزو الروسي لم تسقط بعض المدن الأوكرانية بيد الروس وحسب، بل سقطت منظومة التجارة الحرة العالمية بأكملها؛ فقبل غروب أول يوم من أيام العمليات العسكرية بدأت العقوبات الاقتصادية الأوروبية والأميركية تنهال على معظم جوانب الاقتصاد الروسي وذلك بحجة كبح جماح هذا الغزو وإعادة الفرقاء لطاولة التفاوض.

من جهتها، لم توفر روسيا هذا السلاح، فقد لوحت أيضًا بقطع إمدادات الغاز والنفط عن أوروبا، الأمر الذي إن حدث سيصيب الاقتصاد الأوروبي في مقتل، وتحديدًا الاقتصاد الألماني المدمن أساسًا منذ سنوات على الغاز الروسي.

هذه الإجراءات المتبادلة من قبل الطرفين أكدت تأكيدًا قاطعًا زيف ادّعاءات التجارة الحرة في العالم، وأن شروط هذه التجارة ومبادئها وقواعدها وضِعت بالأصل لتمكين اقتصادات الدول القوية من دخول أسواق الدول الناشئة لا أكثر، وأن ما يعرف بقواعد التجارة الحرة العالمية ومبادئها تزول مباشرة مع استشعار أول تهديد قد يصيب هذه الدولة أو تلك.

أثر الحروب على كفاءة استخدام الموارد الطبيعية في العالم

إن استخدام الموارد الطبيعية للبلدان كسلاح اقتصادي، كما في الحرب الروسية الأوكرانية، وبغض النظر عن كفاءة هذا السلاح من عدمه، له آثار سلبية قصيرة وطويلة الأمد على الاقتصاد العالمي بأكمله.

إن تدفق الغاز الروسي إلى أوروبا على نحو آمن ومستقر رخيّ هو النتيجة الطبيعية لالتصاق روسيا جغرافيًّا بالدول الأوروبية، لكن تحويل هذا المورد الطبيعي إلى أداة للحرب له تأثيرات سلبية وخطيرة جدًا.

وذلك لأن الاستغناء الأوروبي عن هذا الغاز مقابل مصادر بديلة وبعيدة جغرافيًّا سيجعل الفائض الروسي من الغاز عرضة للحرق والتبديد عند المنبع لعدم إمكانية تصريفه على النحو المعتاد.

وبالمقابل، محاولة اعتماد أوروبا على الغاز القادم من قطر وأميركا والجزائر وغيرها، فستضطر ناقلات الغاز الضخمة إلى حرق كميات هائلة من الوقود للوصول إلى سواحل الاتحاد الأوروبي.

أي إن استخدام الغاز الروسي كسلاح (إن حدث) سيؤدي بالضرورة إلى تبديد الغاز الروسي من دون مقابل، وإلى استهلاك كميات إضافية من وقود النقل وما قد ينجم عنه من تلوث وكوارث بيئية محتملة على طرق الإمداد البحري العالمي.

آثار التضخم القادم على البنى الاجتماعية

إن التضخم وارتفاع الأسعار وتراجع نسب الإنتاج عالميًّا هي النتائج الطبيعية والأولية والمباشرة للحرب، فالعقوبات الاقتصادية المتبادلة وقطع طرق الإمداد وتدمير البنى التحتية للإنتاج وغيرها من أساليب الحرب ستنعكس مباشرة على تكاليف الإنتاج والمعيشة ضمن مناطق النزاع وخارجها.

التضخم سيبدأ بالتهام مدّخرات المواطنين إن وجدت، وينتقل بعد ذلك للضغط على ميزانيات السفر والتعليم والرفاهية وسيمتد للمساس بالخطط المستقبلية للعائلات من شراء بيت جديد أو سيارة جديدة وتأجيل لخطط الزواج والارتباط وغيرها، إلى أن يصل إلى ميزانيات الإنفاق الأساسية للعائلات من طعام، وإيجار، وفواتير ماء وكهرباء وغيرها.

التضخم كفيل بتدمير الطبقة الوسطى للمجتمعات على المدى المتوسط والطويل، وكفيل بتحويل مجتمعات غنية ومستقرة كالدول الأوروبية إلى مناطق مضطربة اقتصاديًّا تجد نفسها مضطرة إلى رفع الضرائب وشدّ الأحزمة لمواجهة موجات الغلاء القادمة.

إن توقيت الحرب الروسية الأوكرانية الحالية في ظل عدم تعافي العالم بعد من آثار وباء كورونا خلق آثارًا اقتصادية سلبية مضاعفة على العالم أجمع، لأن عجلة الإنتاج الصناعي لم تعد بالكامل إلى مستوى ما قبل الوباء، وإنتاج النفط والغاز يحتاج إلى استثمارات ضخمة لرفع كفاءة الإنتاج بعد تعثر الأسعار عالميًّا بسبب وباء كورونا وعزوف المستثمرين عن الدخول في هذا القطاع.

كيف سيكون مستقبل التجارة الدولية؟

إن الحرب الحالية غيّرت تغييرا كاملا قواعد التجارة الحرة العالمية وإلى الأبد، فقد تحولت الموارد الطبيعية والاقتصادية وخطوط الإمداد إلى أسلحة نوعية فتاكة بحد ذاتها، وانتهى زمن التبادل الاقتصادي على أساس المنفعة المتبادلة بين الدول، وسيتحول العالم قريبًا إلى تشكيل تحالفات دولية جديدة قائمة على تكامل الموارد الطبيعية فيما بينها بغض النظر عن توحد المصالح السياسية والعقائدية، وسيشهد تشكل تحالفات للغاز؛ سيضم أحدها أوروبا وأميركا مع دول مثل قطر والجزائر ومصر من جهة، والحلف الآخر المعادي سيضم روسيا والصين والهند من جهة أخرى.

إن الشكل المتوقع والقادم للعالم لا يبدو أنه سيأخذ بالاعتبار عوامل اقتصادية مهمة كالكفاءة الإنتاجية وتوفير التكاليف وسهولة الوصول واستقرار الإمدادات، وهذا إن حدث سيضغط إلى حد كبير على تكاليف الإنتاج العالمي وتكاليف المعيشة ومستوياتها في العالم أجمع، فضلا عن الاضطرابات التي ستعدّ صفة أساسية من صفات التوريد في العالم.