الأمراض السرطانية.. الأسباب وسُبُل الوقاية

 

تحتلّ الأمراض السرطانية حيّزًا كبيرًا في أسباب الوفيات حول العالم، فالسرطان هو ثاني أكبر سبب للوفيات في العالم، مباشرة بعد أمراض القلب والأوعية الدموية.

 

فما السرطان، وما أسبابه وسُبُل الوقاية منه؟

في الواقع، ورغم التطوّر الهائل في علاج الأورام السرطانية، ورغم نجاعة الكثير من هذه العلاجات، فإن السرطان ما يزال يعتبر من الأمراض الفتّاكة والمُعْطِبة.

وهو عبارة عن تكاثر فوضوي وتوالد غير منتظم للخلايا التي تشكّل أنسجة الجسد المختلفة، مما يؤدي إلى نشوء أورام تتفاوت في الحجم وفي قدرتها الاجتياحية.

الفرق الأساسي بين الأورام السرطانية، أي الخبيثة، وبين الأورام غير السرطانية، أي الحميدة، هي أن هذه الأخيرة لا تغزو الأنسجة المحاذية ولا تؤدي إلى خلل استقلابي عميق.

فمن خصائص السرطان قدرته على الغزو والانتشار في الجسد وإحداثه خللا كبيرا في العمليات الاستقلابية في الجسد، مما يؤدي إلى كثير من المضاعفات والعوارض.

أسباب الأمراض السرطانية

إن السرطان ينشأ بسبب خلل في الحمض النووي للخلايا، مما يؤدّي إلى تكاثر خلوي غير سَوي، يفضي في النهاية إلى نشوء الورم الخبيث.

وأسباب الأمراض السرطانية هي تلك التي تؤدّي إلى خلل في الحمض النووي للخلية، بمعنى أن أسباب السرطان، مهما تنوعّت وتشعّبت، فإنها في النهاية تصبّ في خانة إحداث خلل جسيم في الجينات التي تؤلّف الحمض النووي الخلوي.

ولو أردنا تصنيف هذه الأسباب إلى مجموعات أو فئات، لقسّمناها إلى 4 فئات، بحيث تندرج تحت كل فئة جملة من الأسباب، إذن فهي كما يلي:

  • الأسباب الفيزيائية.
  • الأسباب الكيميائية.
  • الأسباب الأحيائية (أو البيولوجية).
  • الأسباب الوراثية أو الخَلْقية.

 

 

الأسباب الفيزيائية وسبل الوقاية منها

أبرز سبب من الأسباب الفيزيائية للأمراض السرطانية هو أشعة الشمس، فالتعرّض لأشعّة الشمس هو السبب الرئيسي لسرطانات الجلد على أنواعها، بالأخص لدى البشرة ذات اللون الفاتح.

لذلك، وللوقاية من سرطانات الجلد يُنصَحُ بعدم التعرّض لأشعّة الشمس بشكل كبير، بالأخص في المدة الزمنية الواقعة بين الساعة العاشرة صباحًا والساعة الثالثة عصرًا.

ومن هنا، نستطيع القول إن عادة التعرّض لأشعة الشمس لاكتساب اللون الأسمر للبشرة ليس عادةً صحية، وينبغي تجنّبها، بالأخص عند ذوي البشرة البيضاء الفاتحة.

أما السبب الفيزيائي الثاني للأمراض السرطانية، بعد أشعة الشمس، فهو الإشعاعات على أنواعها، فالإشعاعات الناجمة عن إنتاج الطاقة النووية للاستخدامات السلمية والمدنية، والإشعاعات الصادرة عن إنتاج واستخدام الأسلحة النووية والذرية، والإشعاعات المستخدمة لغايات طبية تشخيصية أو علاجية، كلها أسباب موثّقة من أسباب شتّى أنواع السرطان.

وهنا يبرز دور الحكومات وهيئات المجتمع المدني في وضع ضوابط صارمة لإنتاج الطاقة النووية، وفي سن التشريعات، وفي الرقابة المستدامة لعمل المفاعلات النووية.

فالحوادث النووية المفجعة -كحادثة انفجار مفاعل تشرنوبل- ترافقها زيادة ملحوظة في نسبة حالات السرطان في منطقة الانفجار وجوارها.

والاستخدام العسكري للأسلحة النووية، سواء في غارات أثناء المعارك الحربية، كما حصل في اليابان في هيروشيما وناجازاكي، أو في التجارب التي تجرى في مناطق نائية كالصحاري، هذا الاستخدام يؤدي إلى زيادة معتبِرة في حالات السرطان في المناطق المنكوبة.

وحتى الاستخدامات الحربية بنسبة منخفضة، كما حصل مع اليورانيوم المنضّب في الغزو الأميركي للعراق في العقد الأول من هذا القرن الميلادي، فإنها تؤدي إلى زيادة في حالات السرطان على أنواعها، لذلك فالعمل يجب أن يكون حثيثًا من كافة أهل الرأي في العالم لحظر الأسلحة النووية وإتلاف ما قد صُنِع منها.

ولا يحتاج الأمر إلى حوادث وفجائع، فبمجرد وجود مراكز لإنتاج الطاقة النووية، سواء لاستخدامات سلمية أو حربية، فإن المجتمعات القريبة من هذه المراكز تكون عرضة للتسرّبات الإشعاعية التي لا يمكن تفاديها بشكل كامل.

وهذا الأمر يطرح سؤالا جديا حول سلامة معايير إنتاج الطاقة النووية، ويجعلنا نجنح نحو تفضيل إنتاج الأنواع الأخرى من الطاقة، وذلك بغية تجنيب التجمعات البشرية المخاطر الكبيرة الناجمة عن وجود المنشآت النووية.

أما الإشعاعات المستخدمة طبيا، سواء للتشخيص أو للعلاج، فإنها أيضا قد تسبب، في حال التعرّض الكبير لها، بإنتاج أورام خبيثة. فالتقنيون والأطباء الذين يكون لديهم احتكاك كبير بماكينات الأشعة هم أكثر عرضة من غيرهم للإصابة بالأمراض السرطانية، حتى مع استخدام الدروع الرصاصية الواقية من الإشعاعات، وذلك بسبب التسرّب الإشعاعي الذي لا مفر منه.

والمرضى الذين يخضعون للعلاج بالأشعة قد يكون هذا العلاج سببا لنشوء سرطانات معينة في أنسجة سليمة محاذية للأنسجة المريضة التي عولجت بالأشعة. هنا الوقاية تكون باستخدام الدروع الواقية من الرصاص وتركيز الإشعاع على المنطقة المريضة.

الأسباب الكيميائية وسبل الوقاية منها

فئة الأسباب الكيميائية تشمل المواد الكيمائية المسرطنة التي تدخل الجسم فتتفاعل مع خلاياه، فتؤدي إلى خلل في الحمض النووي في نسيج ما، مما ينجم عنه نشوء ورم خبيث.

ومعظم هذه المواد الكيميائية يدخل الجسم إما عبر الفم أو الأنف أو من مسامّ الجلد، فعبر الفم تدخل إلى الجسم المأكولات والمشروبات والمستحضرات والعقاقير التي قد تحتوي على مواد مسرطنة. وعبر الأنف يتم استنشاق الهواء المحتوي على مواد مسرطنة. ونادرا ما تكون مسامّ الجلد الباب الذي تدخل منه المواد المسرطنة إلى الجسم.

اثنان من المواد الكيميائية يعتبران أبرز الأسباب المعروفة للكثير من الأمراض السرطانية، وهما التبغ والكحول.

لقد أثبتت الدراسات الطبية الجادة أن عادتيْ تدخين التبغ والإدمان على استهلاك الخمر هما أبرز سببين معروفين بين أسباب السرطان كافة، إذ ثبت بشكل قاطع أن التدخين وشرب الخمور هما أبرز سببين معروفين لسرطانات الرئة والمجاري التنفسية والجهاز الهضمي والفم والحلق والحنجرة والكبد والبنكرياس والمثانة، لذلك فالامتناع عن التدخين وعن شرب الخمور هما وسيلتان ناجعتان ونافعتان جدا للوقاية من مرض السرطان.

أما المواد الكيميائية المنتشرة بكثرة، والتي لا توجد أدلّة قاطعة على تورّطها المباشر في الإصابة بالسرطان، ولكن هناك شبهات جادة حولها، فهي تلك المواد الكيميائية المستخدمة في حفظ وتلوين وإعطاء النكهة للأطعمة وللأشربة المعلّبة والمصنّعة.

لذلك فكلما كان الطعام والشراب طبيعيا وطازجا وغنيا بالألياف وبالمعادن ومتوازنا بين نشويات وبروتينات ودهنيات، كلما أسهم في الوقاية من كافة أنواع السرطان. وهنا نحب أن نلفت إلى أهمية استهلاك الأطعمة الغنية بالألياف للوقاية من سرطان القولون.

وفي فئة المواد الكيميائية لا بدّ لنا من ذكر التلوث البيئي كسبب رئيسي من أسباب الأمراض السرطانية، فتلوث التربة والمياه الجوفية والجارية والهواء بالنفايات وبالعوادم وبمخلَّفات المصانع وبالغازات الناجمة عن احتراق الوقود وكافة انواع المحروقات، هذا التلوث يزيد من نسبة الإصابة بكافة أنواع السرطان.

ولنا أن نذكر تلوث مجاري الأنهار والمياه الجوفية بالنفايات الصناعية وبالصرف الصحي، وكذلك تلوث أجواء المدن الكبرى بعوادم وسائل النقل، وتلوث التربة بالنفايات السامة الصلبة والسائلة، وهنا تكون الوقاية بالوعي البيئي لدى الحكومات والشعوب، وهذا لا يتأتى إلا بارتقاء المستوى الثقافي والتعليمي.

ومن المواد الكيميائية المسببة للسرطان لا يفوتنا أن نذكر المبيدات الحشرية والسموم المستخدمة في الزراعة وفي تربية المواشي، فالأشخاص الذين يتعرضون لهذه المواد بشكل مباشر وكثيف يكونون أكثر من سواهم عرضة للإصابة بسرطانات الدم والغدد اللمفاوية وغيرها من السرطانات. كذلك عمّال المصانع كافة، بتعرضهم لشتّى المواد الكيميائية، فإنهم يكونون أكثر من سواهم عرضة للإصابة بالسرطانات.

الأسباب الأحيائية وسبل الوقاية منها

ومن الأمراض السرطانية ما تتسبب به الكائنات الحية المجهرية كالفيروسات والبكتيريا والفطريات.

ومن الأمثلة على السرطانات الفيروسية المنشأ سرطان عنق الرحم الذي يتسبب به فيروس "إتش بي في" (HPV). على أن هذا الفيروس يمتلك القدرة على التسبّب في السرطانات في ظهارة الجلد والأغشية المخاطية في المناطق التناسلية لدى النساء والرجال على حدٍّ سواء.

ومن الفيروسات المسرطنة أيضًا فيروسات الكبد الوبائي -من فئة "بي" (B) و"سي" (C)- التي تمتلك القدرة على التسبب بسرطانات الكبد. وهناك فيروسات لها علاقة بأورام الغدد اللمفاوية، على سبيل المثال الـ "إي بي في" (EBV) والـ "إتش تي إل في-1" (HTLV-1)، وللوقاية من هذه الفيروسات يجب تجنّب التعرض للعلاقات الجنسية بلا ضوابط، وتجنب الاختلاط بدم وإفرازات الآخرين عبر أدوات الاستعمال الشخصي كأدوات الحلاقة على سبيل المثال، وكذلك التقبيل الحميم هو من طرق العدوى بالفيروسات.

ومن السرطانات المتعلقة بالبكتيريا نذكر سرطان المعدة ذا العلاقة الوثيقة ببكتيريا (Helicobacter pylori) التي تتسبب بالتهاب المعدة المزمن، الذي بدوره يستطيع إحداث سرطان المعدة.

والوقاية من هذا السرطان تبدأ بتشخيص الالتهاب ووجود البكتيريا عبر ناظور المعدة، مرافقًا بخزعة يفحصها الطبيب المختص بعلم الأمراض بواسطة المجهر. وعلاج هذه البكتيريا متوفر بسهولة بواسطة المضادات الحيوية. أما الفطريات فهي أقل ندرة بالتسبب بالسرطان، ومنها بعض الفطريات الموجودة في الفستق.

الأسباب الوراثية والخلقية وسبل الوقاية منها

بعض المتلازمات والأمراض الوراثية والتشوّهات الخَلْقية لديها القدرة على التسبب بالسرطان. ومن السرطان الذي قد تكون له صلة وثيقة بالعامل الوراثي سرطان القولون المتعلق بمتلازمة "غاردنر" (Gardner).

ووجود هذه المتلازمة يؤدي إلى إصابة الفئات العمرية الشابّة بسرطان القولون، الذي عادة ما يصيب الكهول والشيوخ. وهناك سرطان العين المسمى (retinoblastoma) الذي له صلة وثيقة بالوراثة.

أما سبل الوقاية من هذه السرطانات فتكون بالاختيار المناسب في الزواج، ويفضَّل الابتعاد عن الزواج بين الأقارب. وبالطبع فإن انتشار التلوث وتفشي المواد والإشعاعات المسرطنة هي أمور تؤدي إلى زيادة التشوهات الخلقية الظاهرة والخفية التي قد تؤدي إلى السرطان، لذلك فإن دور الحكومات والجماعات البشرية هنا كبير وأساسي، فهذا ميدان غالبا لا يستطيع فيه الفرد وحده الإنجاز.

 



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة