أعظم الوزراء التربويين احتراما.. أحمد نجيب هاشم المؤرخ المترجم السفير

الأستاذ أحمد نجيب هاشم تربوي رائد، ومؤرخ مرموق، ومترجم قدير، ورجل دولة بارز كان من أبرز الكفايات التي ورثها عهد الثورة من عهد الليبرالية، وهو صاحب إنجاز راق وأداء نزيه، وصاحب سيرة عطرة في كل ما كتب عن فترة الثورة من أدبيات التاريخ والمذكرات الشخصية.

تكوينه العلمي والوظيفي ومكانته بين أقرانه

ولد الأستاذ أحمد نجيب هاشم في السنبلاوين في الثاني والعشرين من فبراير (1907)، وتلقي تعليما مدنيا متميزا، والتحق بمدرسة المعلمين العليا في الدفعة السابقة مباشرة علي بدء قبول الطلاب في الجامعة المصرية، والذين كانوا في المتوسط من مواليد عام ١٩٠٨ (مثل الدكتور محمد مرسي احمد الأول على اول دفعة من خريجي كلية العلوم) او ١٩٠٩ (مثل الدكتور سليمان حزين الأول على اول دفعة في كلية الآداب) وكلاهما صار وزيرا بعد احمد نجيب هاشم.

 

تخرج الأستاذ أحمد نجيب هاشم في مدرسة المعلمين العليا (1928)، وهي الدفعة التي تخرج فيها وزير التعليم العالي الدكتور عبد العزيز السيد الذي ولد مثله في ١٩٠٧، وتولى الوزارة بعده، ويجدر بنا أن نشير هنا إلى تواريخ تخرج معاصريه في العمل الوزاري، فالأستاذ السيد يوسف عديل الرئيس جمال عبد الناصر (الذي خلفه في تولي وزارة التربية والتعليم ) كان تخرج قبله بأحد عشر عاما في 1917، وتخرج محمد علي حافظ (الذي جاء من بعده نائبا لوزير التربية والتعليم) تخرج عام 1924، أما الأستاذ محمد فؤاد جلال فقد تخرج عام 1929.

 

أوفد الأستاذ أحمد نجيب هاشم إلى إنجلترا في بعثة علمية حيث درس التاريخ الحديث في جامعة ليفربول، وحصل على درجة البكالوريوس مع مرتبة الشرف، ثم حصل أيضا علي درجة الماجستير، بعد عودته من بعثته عمل الأستاذ أحمد نجيب هاشم مدرسا للتاريخ بوزارة المعارف، ثم ترقى مدرسا أول، ثم اختير للعمل في معهد التربية العالي للمعلمات، وانتدب للتدريس لطلاب الدراسات العليا بالأزهر الشريف، ثم اختير مفتشا بوزارة المعارف، فناظرا لمدرسة العباسية الثانوية، فمراقبا للبعثات بوزارة المعارف (1944)، فمديرا للمعهد الثقافي في لندن (1945)، فمديرا لمكتب البعثات المصرية بواشنطن (1946)، فمديرا للبعثات بوزارة المعارف (1950)، فسكرتيرا عاما لجامعة الإسكندرية (1951)، وقد شغل هذا المنصب ثلاث سنوات حتي سبتمبر 1954 حيث عين وكيلا لوزارة المعارف للشئون الثقافية (وكان كمال الدين حسين قد أصبح وزيرا للمعارف) ثم ترقى وكيلا للوزارة.

شارك الأستاذ أحمد نجيب هاشم في كل الإصلاحات والتطويرات التي تمت في عهد تولي كمال الدين حسين لوزارة التربية والتعليم حين كانت الجامعات والمعاهد العليا والبعثات لا تزال تابعة للتربية والتعليم إذ أن وزارة التعليم العالي نفسها لم تنشأ إلا في أغسطس ١٩٦١

هكذا وصل الأستاذ أحمد نجيب هاشم إلى مكانة وكيل الوزارة مثل خلفه في وزارة التربية والتعليم الذي هو من أهل الثقة (الأستاذ السيد يوسف)، والسبب في هذا أن الترقيات في العهد السابق كانت تضع الكفاءة والتأهيل والتأهل في اعتبارها، ولم تكن الأقدمية وحدها هي المعيار الوحيد للترقي، ونحن ندرك هذا مما عقدناه من قبل من مقارنة بين الرجلين أحمد نجيب هاشم (مواليد 1907 وتخرج في مدرسة المعلمين العليا 1928) والسيد يوسف (مواليد 1898 وتخرج في مدرسة المعلمين 1917)، وعلي حين ابتعث أحمد نجيب هاشم إلى الخارج ودرس وحصل علي الماجستير، وألف، وترجم، وعمل في مناصب ثقافية مرموقة في الخارج فإن الأستاذ السيد يوسف ظل معلما أو موظفاً تقليدياً جداً حتي إن تلميذه في طنطا الثانوية الدكتور سليمان حزين (مواليد 1909 وخريج كلية الآداب 1929) كاد يسبقه إلى درجة وكيل الوزارة المساعد لولا إحساسه بأن لأستاذه القديم حقاً عليه. ومن ثم فإنه حسب روايته في مذكراته تنازل له فترك له الفرصة ليشغل هذا المنصب.

توليه الوزارة

في أثناء الوحدة مع سوريا عندما شكل الدكتور نور الدين طراف ثاني وزارات الوحدة (أكتوبر 1958)، اختير الأستاذ أحمد نجيب هاشم وزيرا تنفيذيا للتربية والتعليم بالإقليم المصري (كان كمال الدين حسين هو الوزير المركزي)، واحتفظ الأستاذ أحمد نجيب هاشم بهذا المنصب في المجلس التنفيذي الذي شكل برئاسة كمال الدين حسين (سبتمبر 1960) (ثالث وزارات الوحدة).

 

شارك الأستاذ أحمد نجيب هاشم في كل الإصلاحات والتطويرات التي تمت في عهد تولي كمال الدين حسين لوزارة التربية والتعليم حين كانت الجامعات والمعاهد العليا والبعثات لا تزال تابعة للتربية والتعليم إذ أن وزارة التعليم العالي نفسها لم تنشأ إلا في أغسطس ١٩٦١ مع تركه هو الوزارة، وبهذا فإنه هو آخر وزراء التربية والتعليم الذين تولوا المعارف مجتمعة (ومعه بالطبع كمال الدين حسين على المستوى المركزي ) على حين أن خلفه المباشر في التربية والتعليم وهو الأستاذ السيد يوسف هو أول وزير يتولى التربية والتعليم بعد تقليص اختصاصاتها وتعيين وزير واحد للتعليم العالي في دولة الوحدة التي كانت لاتزال قائمة، وكان هذا الوزير الذي هو أول وزراء التعليم العالي سوريا وهو الدكتور أمجد الطرابلسي وقد كان وزيرا للتربية والتعليم في سوريا مناظرا لأحمد نجيب هاشم في مصر.

 

وفي أثناء توليه الوزارة كان الأستاذ أحمد نجيب هاشم من الذين شاركوا بجهد وافر في إنقاذ آثار النوبة، هكذا كان الأستاذ أحمد نجيب هاشم واحدا من مجموعة الوزراء التنفيذيين في الإقليم المصري، وهي المجموعة التي ضمت معه محمد توفيق عبد الفتاح، ومحمد محمود نصار، وأحمد المحروقي، وحسن أحمد بغدادي، وحسن صلاح الدين، فلما شكل الرئيس عبد الناصر وزارة الوحدة الرابعة (أغسطس 1961) خلفه في وزارة التربية والتعليم زميله (الأكبر منه سنا) السيد يوسف وزيرا للتربية والتعليم، على حين عين أحمد نجيب هاشم مباشرة سفيرا في إيطاليا (سبتمبر 1961)، وخلف بهذا الدكتور حسن رجب الذي كان قد خلف الدكتور ثروت عكاشة، وبقي أحمد نجيب هاشم في هذا المنصب حتى أواخر 1966، وفي الشهور الأخيرة أضيفت إليه أعباء سفارتنا في مالطة (يونيو 1966)، وفيما بعد ذلك بسنوات رشح الأستاذ أحمد نجيب هاشم رئيسا لهيئة المسرح والموسيقي (1970) لكنه اعتذر عن عدم قبول المنصب.

إعجاب الدكتور عبد الرحمن بدوي به

كان الأستاذ أحمد نجيب هاشم، كما ذكرنا، صاحب سيرة عطرة في كل ما كتب عن فترة الثورة من أدبيات التاريخ والمذكرات الشخصية. وهذا هو الدكتور عبد الرحمن بدوي نفسه يصفه في مذكراته التي صورت للناس ظلما على أنها هجوم علي الجميع بدون استثناء، يصف أحمد نجيب هاشم فيقول بكل وضوح: «وهو رجل يتحلى بالنزاهة، ونبالة الأخلاق، وحسن التقدير».

عرف أحمد نجيب هاشم بالتفوق في التأليف والترجمة، وهو الذي ترجم عددا من أهم الكتب العالمية الرصينة منها " القبيلة الثالثة عشرة ويهود اليوم "و الايطاليون" و"القياصرة القادمون" و"مصر في العصور القديمة"

تقدير الدكتور أحمد عبدالسلام الكرداني

كان الدكتور أحمد عبد السلام الكرداني المتخرج في المعلمين ١٩١٤سابقا في التخرج والاقدمية على الأستاذ احمد نجيب هاشم ، وفي اثناء نظارته للمدرسة الخديوية الثانوية، عمل الأستاذ أحمد نجيب هاشم مدرسا فيها، وهو في كتاب ذكرياته يثني عليه الثناء كله، ويشير إلى واقعة تدل علي تميزه ونبل أخلاقه ويقول: «… بينما كنت أفتح بريد المدرسة في يوم ما وجدت إنذارا مبعوثا لأسلمه للأستاذ أحمد نجيب هاشم، فعجبت واتصلت بالموقع علي الخطاب وسألته عن سبب هذا الإجراء، فأجاب بأنه علم بعدم تنفيذ الأستاذ هاشم لما جاء بمنشور أرسل للمدرسة، وبسؤال الأستاذ هاشم عرفت أن هذا المنشور يطلب من مدرسي الترجمة بالمدارس الثانوية قصرها علي الترجمة من العربية إلى الإنجليزية، وكان سيادته يدرس لأحد الفصول كلا من الترجمة واللغة الإنجليزية، فرأي أن يمرن طلبته علي الترجمة من الإنجليزية إلى العربية أيضا، فهل من المعقول أن يؤاخذ المدرس المجد الحريص علي مضاعفة نفع طلبته ويعاقب بإنذار يشوه ملف خدمته النظيف؟!».

 

«اتصلت بالموقع على الإنذار وأفهمته أن هذا المدرس من خيرة المدرسين علما وخلقا وإكبابا على العمل، بدليل أنه يضيف إلى ما تطلبه الوزارة عملا إضافيا تطوعا منه كان يستحق عليه الشكر بدلا من المؤاخذة، كما أنني أكلفه بأعمال كثيرة تخص الاحتفال بالعيد المئوي للمدرسة، لذا لن أسلمه الإنذار بل سأرده للوزارة متحملا مسئوليته». «وبعدها بسنوات عين الأستاذ أحمد نجيب هاشم وزيرا للمعارف، وأقبل عليه مندوبو الصحف مهنئين، وسأله أحدهم عن أهم حادث صادفه في حياته، فذكر له هذه الواقعة مثنيا سيادته على الإجراء الذي اتخذته، وكان هذا دليلا علي نبله وأصالته».

المؤرخ محمد عبد الله عنان يذكر فضله

يشير الأستاذ محمد عبد الله عنان في ذكرياته إلى فضل الأستاذ أحمد نجيب هاشم (حين كان وزيرا للتربية والتعليم) في تيسير سفره إلى الخارج من أجل إتمام بحوثه ودراساته: «وأذكر من هؤلاء بجزيل الشكر والعرفان صديقي العلامة الوفي الأستاذ أحمد نجيب هاشم، فقد ساعدني خلال توليه وزارة التربية غير مرة علي الخروج إلى السفر بطرق رسمية جميلة، وكان لي خلال هذه الرحلات الدراسية نشاط علمي في أبواب ومجالات أخري، تتصل بمهمتي الدراسية الأصلية من إلقاء المحاضرات التاريخية، وشهود بعض المؤتمرات والندوات العلمية».

ثناء الأستاذ جميل مطر على أدائه في منصب السفير المصري في روما

أما الأستاذ جميل مطر وهو من الجيل التالي لكل هؤلاء فقد أتيح له أن يعمل كدبلوماسي في السفارة المصرية في إيطاليا في الوقت الذي كان فيه الأستاذ أحمد نجيب هاشم هو السفير المصري وهو يعبر عن مشاعره تجاه هذا الرجل الفاضل فيقول: «كان مثل سلفه غير سعيد بوظيفة السفير لا لشيء، إلا لأنها تتطلب دراية بالسياسة الدولية لم تكن، كما كان يردد أمامي، متوافرة لديه بالقدر ال مناسب. أذكره يقرع باب الغرفة رقم خمسة، وقد تجاوزت الساعة الثامنة مساء، يجدني أحياناً وحدي، وأحياناً أخري مع زميل أو أكثر، يجر مقعداً ويجلس. وطلب منا أن نحدثه عن النظام السياسي الإيطالي وعن نخبة الحكم في إيطاليا وعن الخلافات داخلها وأصلها وعن النقابات والسياسات التعليمية. يسأل ويستمع ثم يدعوني أو يدعونا، إن كنا أكثر من واحد، إلى أفخر مطاعم روما، لأنه كان يعرف أن لا أحد فينا يستطيع دفع تكاليف عشاء لشخصين في مطعم الفريدو أو في مطعم «المكتبة». وكنا أحياناً ندعوه ليتناول معنا الطعام في جو مختلف حيث الطعام جيد وكذلك الموسيقي والخدمة. لم يزعجه تناول العشاء على رصيف يحتله مطعم في حي التراستيفيري عبر النهر مع شبان جميعهم في عمر ابنه، وجميعهم مرؤوسون له، وكلهم يستمعون مثله بشغف إلى أنغام الجيتار وأغاني روما الشعبية والكلاسيكية».

 

«كان هذا السفير المربي كفؤا وقادراً في نقل ما يسمعه. لا يخترع كلاماً لم يقله محدثه، ولا يضيف إليه أو ينقص منه. وكان سريع الاستيعاب لأسرار السياسة الداخلية الإيطالية، واستطاع في شهور قليلة أن تكون له شبكة علاقات جيدة بفضل ثقافته «العالمية» الواسعة، وبفضل اللغات الأجنبية، وبخاصة الإنجليزية التي كان يتحدث بها ويكتبها بطلاقة. ولا غرابة فقد كان في طليعة الخريجين الذين ذهبوا إلى إنجلترا في منحة للحصول علي الدكتوراه في زمن مبكر. وبالرغم من قصر المدة التي قضيتها معه إذ نقلت إلى الديوان العام بعد وصوله بأقل من عام، إلا أن علاقة قوية ربطتني به وكنت واثقاً أنه سيكون سفيراً مشرفاً لمصر في هذا البلد ذي التقاليد العريقة». «ولا أنكر أن للرجل مآثر لا يمكن نسيانها، إحداها خلفت عندي مشاعر عميقة تجاهه وتجاه أسرته….» وقد ذكر الأستاذ جميل مطر بالتفصيل قصة المرض الذي ألم به، والجراحة التي أجريت له، ومواقف الأستاذ أحمد نجيب هاشم طيلة هذه الفترة.

احتفاء تقويم دار العلوم به

بقي أن أذكر أن طبعة من تقويم دار العلوم التي صدرت في 1959 حين كان أحمد نجيب هاشم وزيرا للتربية والتعليم فإذا بهذه الطبعة من التقويم حريصة على وضع صورته في صدارتها مع أبيات من الشعر تحية له نظمها الشاعر دياب عثمان العربي.

مؤلفاته وترجماته

عرف أحمد نجيب هاشم بالتفوق في التأليف والترجمة، وهو الذي ترجم عددا من أهم الكتب العالمية الرصينة منها " القبيلة الثالثة عشرة ويهود اليوم "و الايطاليون" و"القياصرة القادمون" و"مصر في العصور القديمة " كما أن له مؤلفات مهمة منها ما هو مشترك مع زملائه من أساتذة التاريخ مثل تاريخ أوربا في العصر الحديث ١٧٨٩- ١٩٥٠.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة