محمد خلف الله أحمد.. أول الأساتذة توظيفا لعلم النفس في دراسة الأدب

blogs محمد خلف

الأستاذ محمد خلف الله أحمد 1904- 1983 هو الأستاذ الثالث للأدب العربي وتاريخه في الجامعات المصرية بعد طه حسين، وأحمد أمين، وهو ثاني مَنْ نال جائزة الدولة التقديرية (1970) في الآداب من بين الأساتذة الأكاديميين بعد طه حسين. وهو على وجه العموم من أبرز الأكاديميين في جيله، وهو الوحيد الذي مارس الأستاذية في كليات الآداب الثلاث الأولى (القاهرة والإسكندرية وعين شمس) فضلا عن دار العلوم ومعهد الدراسات العربية، وقد تمكن من علوم اللغة والأدب ومن علوم النفس والتربية على مستوى لم يجتمع لأحد من معاصريه وربما من تلاميذه ولاحقيه، وتجلت في شخصيته كل مقومات العظمة: أستاذا كبير النفس عزيزًا، مهذبًا، راقيًا، هادئًا، خفيض الصوت، منجزًا، بلغت أخلاقه من التهذيب درجة لم تعد معهودة ولا متوقعة. كان علمه بالتربية وعلم النفس لا يدع مجالًا لتصور أنه أستاذ أدب في الأساس، وكان تألقه في عمادة الآداب قد استوعب حضارة العصر ومدنيته ولغته وتوجهه حتى أصبحت حياته صورة للأكاديمي الحقيقي الذي حقق التألق في الأستاذية إلى الدرجة التي تبرز معها روحه الأكاديمية في أمريكا أو إفريقيا على حد سواء.

 

في تاريخ الدراسات الأدبية العربية فقد كان الأستاذ محمد خلف الله أحمد هو صاحب الفضل الأوفى في توثيق الصلة بين علم النفس (كعلم وليس كثقافة فحسب) ودراسات الأدب، وقد استعان على هذا التوجه بأستاذ الأدب العربي الكبير أحمد أمين الذي مكنه من أن يقرر تدريس كتابه "من الوجهة النفسية في دراسة الأدب"، وقد صادف توجهه هذا النجاح المأمول بفضل ما كانت البيئة الثقافية قد عرفته من جهود للعقاد وطه حسين في هذا الميدان. وفيما يخصني فإني لا أفوت الفرصة لأذكر أن الأستاذ محمد خلف الله أحمد كان واحدًا من الذين شرفوني بمنحي جائزة مجمع اللغة العربية في الأدب 1978، وكان لتقديره لي ولبحثي مذاق خاص لا أزال أحس بفخره الباعث على النشوة، رغم مضي ما يزيد عن أربعين عامًا، وقد اتصل تقديره لي فيما بعد ذلك فيما تبقى من عمره فكان حديثه عني في غيابي من مؤهلات ما حزته من التقدير.

 

اعتزازه بنفسه
كان الأستاذ محمد خلف الله أحمد ناقدًا حصيفًا، وقد تميزت معالجاته النقدية بحس راق إلى أبعد الحدود، وبتواضع في معاملة النصوص وباحترام للإبداع، وبقدرة فائقة على الكشف عن مواطن الجمال والتميز

كان الأستاذ محمد خلف الله أحمد فائق الالتزام بكل شيء، بالموعد وبالمبادئ وبالخلق الكريم وبالأداء السامي المترفع، وكان يحظى باحترام أقرانه وتلاميذه وبثقة كل مَنْ كانوا أكبر منه، ومع هذا فقد كان هو نفسه قادرًا على أن يمنح الثقة لرؤسائه، أو يحجبها، ورغم تهذيبه وتواضعه وسماحته لم يكن ليتقبل أن يرأسه من لا يراه حقيقًا برئاسته، ولهذا السبب فقد آثر الاستقالة من منصبه كعميد لمعهد الدراسات العربية حين أسست المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم وجُعل المعهد تابعا لها بعد أن كان مستقلًا، وهو أسلوب لا يلجأ إليه إلا من كان على قدر كبير من عزة النفس، فقد كان في وسعه أن يقول إن من عين كمدير للمنظمة هو وزير سابق ومدير جامعة سابق، وهو الدكتور عبد العزيز السيد، لكنه لم يشأ أن يقبل مثل هذا الوضع.

 

وقد أجمع مرؤوسوه على حبه وتقديره، وكانت عمادته من الحالات النادرة التي يجاهد فيها الأساتذة وأعضاء هيئات التدريس من أجل استبقاء العميد، وكان حريا بأن يصل في مناصب الجامعة إلى رياستها لولا ما أبدته  يوليو ١٩٥٢ في أول عهدها من حساسية  تجاه كبار رجال الدولة ممن كانوا متزوجين من أجنبيات، حيث كانت النية المعلنة تتجه إلى إبعاد أزواج الأجنبيات عن المناصب الكبرى وكانت زوجه السيدة آن خلف الله سيدة إنجليزية عملت في حقل التعليم المصري، وتركت مآثر مجيدة فيه، وقد تضامن من أجله زملاؤه الأساتذة من دون أن يطلب منهم هذا، وقد روى لي القصة  الدكتور حسين فوزي مدير جامعة الإسكندرية بالنيابة يومها. وكان هو الآخر متزوجا من أجنبية ولهذا السبب ترك الدكتور حسين فوزي الجامعة التي كان مكلفا برياستها إلى منصب الوكيل الدائم لوزارة الإرشاد القومي. ومع هذا فإن الأستاذ محمد خلف الله أحمد نال منصب وكيل الجامعة بحكم الأقدمية، وكان حفيا بالوصول إلى رئاسة الجامعة والبقاء فيها فترة من الزمن لتتضح بصماته في مثل هذا الموقع أيضا.

 

الطراز المتسامي من النقد

كان الأستاذ محمد خلف الله أحمد ناقدًا حصيفًا، وقد تميزت معالجاته النقدية بحس راق إلى أبعد الحدود، وبتواضع في معاملة النصوص وباحترام للإبداع، وبقدرة فائقة على الكشف عن مواطن الجمال والتميز، كان نقده هادئًا ولم يكن يعلو بآرائه على آراء المبدعين من أي عصر كانوا. وقد عبر نقده عن شخصيته، فقد كان في وسعه أن يكون جهير الصوت في المجتمعات وفي وسائل الإعلام، ولكنه آثر العطاء الأكاديمي المتئد، والعطاء المجمعي الهادئ المستمر، وقد بقيت أستاذيته في تلاميذه وأعماهم التي أشرف عليها وفي آثاره العلمية، وهي أستاذية مرموقة دالة على عقل كبير وعلم غزير.

 

نشأته

ولد الأستاذ محمد خلف الله أحمد بالعمرة ـ سوهاج (1904) ـ وتخرج في كلية دار العلوم (1928)، وكان أول تلك الدفعة، وهي الدفعة التالية لدفعة المشاهير، الإمام الشهيد حسن البنا، والدكتور إبراهيم مدكور، والشيخ محمد أبو زهرة، والشيخ علي حسب الله، والأستاذ البهي الخولي. وكان قد عُرف بالشعر وهو لا يزال طالبا، وابتعث إلى إنجلترا في العام التالي لتخرجه (1929)، فحصل على بكالوريوس في علم النفس (1934)، وعلى الماجستير (1937) برسالة عن الأحكام الخلقية عند أطفال المدارس وعلاقتها بالعمر العقلي.

 

وفي لندن كان له نشاط علمي ملحوظ، وقد حاضر في مدرسة اللغات الشرقية، ونظم نشاط الطلاب المصريين ومؤتمراتهم. عين محمد خلف الله بعد عودته (1937) مدرسا في دار العلوم، ثم في آداب القاهرة، وانتقل إلى كلية آداب الإسكندرية عند تأسيسها (1942)، ورأس قسم اللغة العربية بها (1948)، واختير عميدا للكلية (1951)، وجدد تعيينه في ذات المنصب أكثر من مرة، ثم اختير ليكون وكيلا لجامعة عين شمس (1961)، وبقي في هذا المنصب حتى أحيل إلى التقاعد فعمل مديرا لمعهد الدراسات العربية، حيث لا تزال آثار تنظيمه له وعمله فيه واضحة! ومن الإنصاف أن نذكر أن دوره في معهد الدراسات العربية كان هو الذي أضفى على هذا المعهد ورسائله ودراساته ذلك الطابع المتميز الذي ارتبطت به شخصية المعهد بعيدا عن التكرار السهل وعن الإغراب غير المفيد.

 

دراساته القومية وإسهاماته الثقافية

تحمل الأستاذ محمد خلف الله أحمد عن زملائه وعن وطنه قدرًا كبيرًا من أعباء البناء والتأسيس والتأطير والتنظيم والرقابة في المحيط الأكاديمي، وأدى هذا كله بسعادة على الرغم من أن الوقت الذي بذله في هذه المجالات كان على حساب الفرصة المتاحة أمامه في مجال التعامل مع الأدب والآداب؛ حيث كان من الممكن له أن يؤصل فيها أعمالًا علمية خالدة لفترات طويلة. وقد لمع اسم محمد خلف الله أحمد وبلغ نضجه الأكاديمي في الفترة التي ازدهرت فيه دعوة القومية العربية، فكان إسهامه في هذا الميدان إسهامًا حقيقيًا صادقًا معبرًا عن الانتماء وبعيدًا عن الاستثمار السياسي قصير النظر، حتى إن آثاره القليلة في هذا الميدان تفوق في قيمتها كل ما كتبه غيره لدواعٍ وقتية.

 

كان الأستاذ محمد خلف الله حريصا على الاتصال بالمجتمع الثقافي، وكان مقرر الهيئة الإقليمية للفنون والآداب في الإسكندرية، ولم يبتعد عن النشاط السياسي في عهد الثورة، وقد شارك في شبابه في تحرير كثير من المجلات الأدبية، وكتب في مجلة الثقافة من أول عهدها وحتى أواخر 1947 بصفة شبه دائمة، وقد كتب في كثير من الموضوعات في مجالات: علم النفس، والنقد، والتاريخ الإسلامي، والأدب العربي، والشخصيات.

 

عضويته المبكرة في مجمع اللغة العربية

نال محمد خلف الله كثيرا من التكريم والتقدير، وقد توجت حياته الأكاديمية بانتخابه عضوًا في مجمع اللغة العربية (1959)، فسبق في عضويته كثيرًا من أعلام الأساتذة الدرعميين الذين سبقوه في التخرج، ومنهم الأستاذ عبد الحميد حسن، والدكتور محمد مهدي علام، والأستاذ إبراهيم عبد المجيد اللبان، والأستاذ عطية الصوالحي، والأستاذ علي النجدي ناصف، والأستاذ علي السباعي، والأستاذ عبد الفتاح الصعيدي، والأستاذ علي الجندي، الأستاذ علي عبد الواحد وافي. وقد انتخب ليشغل الكرسي الثامن من كراسي المجمع، الذي كان يشغله الأستاذ محمد الخضر حسين منذ تأسيس المجمع وحتى وفاته في 1958. وكان الذي استقبله في المجمع هو الأستاذ إبراهيم مصطفى، أما الذي قام بتأبينه فكان هو الأستاذ عبد السلام هارون. وكذلك ألقى الدكتور إبراهيم مدكور كلمة في تأبينه وقد خلفه في كرسيه الدكتور كمال بشر.

 

المعجم الوجيز

كان الأستاذ محمد خلف الله أحمد واحدا من المجمعيين الذين عنوا بوضع المعجم الوجيز وقد اشترك في هذ العمل مع الأساتذة إبراهيم أنيس وعلي النجدي ناصف وأحمد الحوفي، كما اشترك في هذه اللجنة الدكتور أحمد عمار والأستاذ محمد شوقي أمين وإن كانت الأدبيات المعجمية تقدم المعلومات عن هذه المشاركات بقدر من الاضطراب إذ أن الأستاذ على النجدي ناصف توفي قبل الدكتور أحمد عمار والأستاذين محمد خلف الله وأحمد الحوفي.

 

جائزة الدولة التقديرية في الآداب

منح الأستاذ محمد خلف الله جائزة الدولة التقديرية في الآداب (1970)، وكان كما ذكرنا ثاني أستاذ أدب ينالها بعد طه حسين (1958)، وقد تبعه بعد ست سنوات من أساتذة الأدب البارزين أربعة نالوها على التعاقب عامًا بعد آخر، وهم الدكاترة: محمد مهدي علام (1976)، وسهير القلماوي (1977)، وعائشة عبد الرحمن (1978)، وشوقي ضيف 1979.

 

آثاره

حفظت المكتبة العربية من آثار الأستاذ محمد خلف الله أحمد:

– من الوجهة النفسية في الأدب.

– دراسات في الأدب الإسلامي.

– الثقافة الإسلامية والحياة المعاصرة.

– الإسلام والحضارة.

– الطفل من المهد إلى الرشد.

 

في كثير من الأحيان يحدث خلط بينه وبين الدكتور محمد أحمد خلف الله، المتخرج في قسم اللغة العربية بآداب القاهرة، والذي أشرف الشيخ أمين الخولي على رسالته للدكتوراه التي أحدثت أزمة في وقتها، وكثيرا ما يتشابه اسمه على الباحثين وبخاصة لتقارب ميادين الموضوعات التي كتب فيها، مع الخلاف الواضح في مذهبيهما ومستواهما.

 

نماذج لشاعريته الرقيقة

من ألطف أشعار الأستاذ محمد خلف الله أحمد قصيدته البائية هادئة النفس "قم أخي" التي كتبها مودعا مصر قبل سفرة من سفرات بعثته وفيها يعبر عن اعتزازه بالحديث عن مصر وفضلها العلمي عليه مصرحا بأن هذا الحنين الصادق أهم عنده من الحديث عن الأنثى والموسيقى والفن:

 

أُخَــيَّ قُــمْ نــتــــزوّد           قُبــيـلَ مَســـرَى الرّكــابِ

غـدًا تُحَــثُّ الـمطـايـا          لفُـــــرقـــةٍ واغتـــــراب

غــــدًا نــــــودِّع دارًا          صنـيعُهــا فـــي الـرّقــاب

فـيـهـا لـبِسْنـا قشـــيبًا           مــن نضْـــــــرةٍ وشبــاب

ومـن هـواهـا عـرفْنـــا        ســرَّ الهــوَى والـتصـابـي

غــدًا عـلى مَتْــن بحـرٍ         طَـــوْرًا وطــــورًا يَبـــاب

فـمــرّةً فــي قطـــــارٍ          كــالأرقــط المـنســــاب

ومـــرةً فــي سفـيـــنٍ          يشــــقُّ صـــدرَ العُبـــاب

يلفُّـــه كـــلُّ مـــــوجٍ           فـــي مـثـل شُـمِّ الهضـاب

نَســـيرُ والشّــوقُ مـنـا         يَثْنـي عِنـــانَ الــرِّكــــاب

والشجْوُ يُضْـــرم نــارًا        أُوارهــا غـيــرُ خــــــاب

نستـــودعُ اللهَ مِصْـــر         مهـــدَ الأمـــانــي الرِّغاب

يـــا رُبَّ يــومٍ بمـصـر        مضـــى كعُمـــر الـحُبـاب

مـا بـيـن إخـوانِ صدق        لــم يرتـدوا ثــوبَ عــاب

عهـدُ الـوفــاء لـديـهـمْ          مـــوثَّــــقُ الأسبـــــاب

فـيـهـم عِمـادة مـيـنــا          وعـــــــزَّةُ الأعــــــراب

يــا دارُ عهـدُكِ أصــفَى        ديبــــاجـةً مـــن شَــراب

وذكريـــــاتُــكِ أبـقَــى         عـلـى مَـدى الأحقــاب

فأنـتِ أيـقـظـت فـيـنــا         عـزيـمــةً كـالشّهـــاب

عـلَّمْتِنــا كـيـفَ نجنـي         بــــــواكِـــــرَ الآداب

عـلـمتِنـا كيــف نُحْيِـي         سَلـيـــلـةَ الأعــــراب

عـلـمتِنـا كيـف نشــدو         بكلّ لـحْـنٍ عُجـــــاب

بك افتتحتُ قصـيــدي          لا زيـــنـبٍ والرّبـــاب

وبـاسمك ازدانَ شِعري        فسـار بـيـن الصّحــاب

يـا مـصرُ هـذا وداعــي        إلـيكِ قبـــل اغتـرابــي

أودعْتُه فـيضَ قـــلـبي         عَلـّـي أبثــُّـك مـا بـــي

يـا مـصرُ جــوّك صحْوٌ        لـم يـنـتــقِبْ بضَبــاب

والأنجـمُ الزُّهــرُ فـيـه         لـم تَدْرِ سـرَّ الـحِجـاب

ونـيِلُك العذْبُ يجـري         فـي رقّــــة وانسـيــاب

أزمعتِ عـنك لَـــجَوّ          مُـــكلَّلٍ بـالسّحـــاب

تَهْمـي عـليـه الهَوامـل        كالعـــارض التسكـاب

 

ومن الأشعار الذكية الجياشة بالحب التي نظمها أستاذنا محمد خلف الله أحمد قصيدة بعنوان: عهد لا ينسى وفيها يعبر بأرفع الأساليب كناية وتصريحا حنينه لوطنه، وذلك حيث يقول:

 

سقـاكِ وحـيَّاكِ الـحَيـا مـــــن بُنَيّـــَةٍ        مضت لـيَ سَبعٌ فـي ذُراهـا كوامل

ذهـبن كساعـــاتِ الوِصـال حـمـيدة        وقـد غفل الـواشـي وغاب العواذل

ستـمضـي وريعـانَ الشباب وينقضـي            زمــانٌ بأوطـــــان الشّبـيبةِ حافـل

ويُطْوَى بسـاطُ اللّهو والصّفـو والهوى           ويزحـمُنـا شُغلٌ مـن العيش شاغل

أَمُلهِمَ أشعـاري ومَجْلَى خــــواطري              ومـجــمعَ أتـرابـي سقَتْكَ الهواطل

ألـيلاتُكَ ـ اللاتـي مضَيـن ـ رواجـعٌ        وأيـامك ـ اللاتـي ذهـبْنَ ـ قــوافل

لئن كـنـتُ قـد أزمعتُ عـنكَ تحمُّلًا        لعهدُكَ مَرْعِيٌّ، وذكرُكَ مــــــاثل

أُذيعُ الـذي استَوْدعتَنـي مـن مفــاخرٍ              وأَنشـرُ مـا ترضَى العُلا والفضـائل



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة