الخوف من كورونا أخطر من الكورونا

"الوهم نصف الداء، والاطمئنان نصف الدواء، والصبر أول خطوات الشفاء"

– ابن سينا

  

بحكم تخصصي السيكولوجي لن أستطع الافلات من مناخات هذا التخصص وطقوسه لدى تناول أي موضوع من غير موضوعات اختصاصي، وهذه مسألة باتت معروفة لدى الدارسين، ربما كان ابن خلدون أول من أشار إليها في المقدمة، بقوله: «فإن الملكة الأسبق تظل هي الأرسخ في النفس»، وعلى أي حال فإنَّ ما أود تناوله اليوم لا يبتعد عن تخصصي فأنا لن أتناول هذا الوباء العالمي من باب البيولوجيا ولا من باب السياسة التي يبدو أنها تهمين عليه أكثر مما تهيمن عليه حالته البيولوجية والمرضية. وهذا باب من أبواب المشكلة… إن لم يكن هو باب المشكلة الأساسي.

 

بداية سيكون ضرباً من المجازفة وضرباً من التجديف أن ننكر أو نتجاهل الخطر الحقيقي الكامن في هذا الفيروس وانتشاره. وأتحدث هنا عن الأخطار البيولوجية المحض، أي الخطر الكامن في قدرة الفيروس على قتل المصاب. ولا نضيع الوقت في الحديث في هذه المخاطر فقد باتت في رأس كل البشر على امتداد الأرض تقريباً. بالكاد تجد اليوم في أرجاء العالم من لا يلهج ولا يهجس بهذا الفيروس والخوف من الإصابة به، وكيف يتعامل معه فيما لو تمت إصابته به، وماذا يفعل كي لا يصاب به. حتى الذي يبدون صامدين وغير مبالين فإنهم في أعماق نفوسهم يعيشون حالة توجس من وصول الفيروس إليهم.

 

انتبه جيداً إلى خواتيم الفقرة السابقة. بإمكانك أن تتحقق بنفسك من نفسك إن كنت من هؤلاء البشر أو لا. هذه حقائق لا نقول يقينيةً ولا شبه يقينية ولكننا نقول إنها حقائق عامة تنطبق على أكثر البشر. ولن نجازف في التعميم والقول إنها تنطبق على كل البشر. ولكن انطباقها على أكثر البشر يجيز لنا منهجياً وعلمياً القول إنها تنطبق على كل البشر. فمعلوم أنه في علوم الإنسان لا توجد حقيقة عامة مطلقة، فالتعميم فيها يعني الأكثرية ولا يعني الشمولية. وهذه مسألة من البداهات لدى العلماء والمختصين لا يجادل فيها إلا من يهوى الجدل أو يجهل الأصول.

 

سنجد أنَّ التهويل الإعلامي في الكورونا قد طيَّر الاطمئنان من النفوس ورفع الوهم، وحول البشر إلى تربة خصبة لتلقي المرض ذاته، والانهيار أمام أي مرض آخر

توجد في الحياة البشرية ظاهرة يطلق عليها اصطلاح غريزة القطيع. ومقتضى هذه الظاهرة أنَّ البشر على غير وعي ولا شعور ولا إرادة، خذ ما شئت منها أو اجمعها معاً فلا مشكلة، ينساق وغالباً من دون إرادة وراء السلوك الجمعي، وخاصة منه الطارئ. فإذا رأى المرء الناس تركض كلها ركض معها ولا يعرف لماذا تركض الناس. وإذا رأى جمهرة من الناس تحاول أن تشاهد شيئاً وراء ستار أو حاجز أو غير ذلك فإنه من غير أن يريد أو يدري يتنطع ويتطاول معهم لمشاهدة ما يريدون مشاهدته،

 

وهذا بالضبط ما حدث ويحدث مع الكورونا. لقد وصل الحال بالماس في أرجاء الأرض في حالة هسترية خوفاً من الإصابة بالكورونا. من شدة التهويل والضخ الإعلامي في ضحايا الكورونا، وانتشار الكورونا… وأخبار الدول في التعامل مع الكورونا، والحجر الصحي، ومنع السفر… باتت الناس في حالة ضعف جمعي ووهن جمعي أمام هذه الأخبار، وصار الهلع ظاهرة جمعية لا فردية، تنطبق عليها صفات الظاهرة الجمعية، والسلوك الجمعي الذي يهيمن على عقلية أفراد المجتمع ويقودوهم لا-إرادياً. إلى أين يقودهم؟هذا هو السؤال وهذه هي المشكلة.

 

لا أريد الاقتراب من دائرة المؤامرة، ولا من دائرة اللعبة السياسية، ولا من دائرة الحرب الاقتصادية والمرامي الاقتصادية التي بالضرورة لا تنفصل عن الحرب السياسية والعلاقات السياسية. ومن البلاهة بمكان أن نستبعد هذه الأغراض والأهداف من وراء التهويل في التعامل مع وباء الكورونا. ولدينا الكثير جداً من القرائن التي توحي أن ثَمَّة من يهول ويبالغ في الصراخ والعويل في التصريحات لتصعيد الخوف والهلع من هذا الوباء لأغراض وأهداف قد لا أفلح في التكهن بها، إن زيادة وتائر تخويف الناس من المرض جعلت الناس خرافاً مطيعة تلتزم بيوتها، وتلبس الكمامات حتى وهي الحمامات المنزلية… وهذا يراه الجميع بأم عينيه ولا يحتاج إلى دليل.

 

هل الكورونا خطير إلى هٰذا الحد الذي أغلق حدود معظم دول العالم أما معظم دول العالم، وأغلق الأنشطة التجارية والاقتصادية والرياضية وحتى اللقاءات السياسية بَيْنَ الزعماء صارت إما بالكمامات أو عبر الإنترنت… وخلت شوارع أكثر دول العالم وأهمية من الناس… تمشي فيها فتراها فارغة كأنها لا حياة فيها، أمر لا يوحي بالرعب القاتل بل يفرض الرعب القاتل على أكثر البشر على امتداد الأرض، قال عبقري الطب ابن سينا: «الوهم نصف الداء، والاطمئنان نصف الدواء، والصبر أول خطوات الشفاء»، ابن سينا عبقري، وهذا القول عبقري. هو أصلاً قاعدة متفق عليها اليوم في الطب بأنواعه: الطب السريري، والطب النفسي. فإذا أخذنا هذا القانون الطبي السينوي وطبقناه على حال البشر اليوم في مواجهة الكورونا، فماذا سنجد؟

 

سنجد أنَّ التهويل الإعلامي في الكورونا قد طيَّر الاطمئنان من النفوس ورفع الوهم، وحول البشر إلى تربة خصبة لتلقي المرض ذاته، والانهيار أمام أي مرض آخر، من الصعوبة بمكان القول إن هذا ما يريده ساسة العالم أو بعضهم الذي يريد التلاعب بالبشر، ومن الصعوبة بمكان تجاهل أن هناك مبالغات وتهويل مقصود في التخويف من الكورونا، وما بين هذا وذاك، وفوق هذا وذاك، وأيا كانت الحقيقة في هذا أو ذاك ثمة حقيقة أكيد هي أنَّ إرادة الله فوق الجميع، فوق كل شيء. وقديماً قالوا لنا: «إذا وقع القدر عمي البصر». وهذه هي الحقيقة بالمختصر.



حول هذه القصة

أحدثت صدمة كورونا استفاقةً – قد تبقى لحظية وقد تمتدّ – من مطاردة الجماهير أحلام الفردوس الأرضيّ المتوهّم، الذي بيعت رموزُه المُسكِرة وعلاماته البازغة وسلعه الوافرة وخدماته المركّبة لجماهير الكوكب.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة