تحليل لقاء البرهان ونتنياهو.. لقاء الخطيئة والمصلحة!

الحالة والحدث: لقاء رئيس مجلس السيادة السوداني، عبد الفتاح البرهان، مع رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، في أوغندا، برعاية ووساطة الإمارات كما صرح مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي ذاته.

الهدف الخفي: تريد إسرائيل بذكاء وحنكة ومكر سياسي إحكام الطوق حول الشعب الفلسطيني وإشعاره بأنه معزول عن عمقه العربي، حيث كانت السودان من أكبر الداعمين بل الممر الذي يصل من خلاله السلاح والأموال من إيران إلى حماس في زمن البشير، فتريد إسرائيل بعد ضمان ولاء أكبر الكيانات العربية، أن تضمن باقي الدول حتى ولو كانت غير مؤثرة، فبالتالي تنجح أمريكا وإسرائيل في تركيع الفلسطينيين وخصوصًا حماس في القبول بالصفقة وذلك بعد تجفيف مصادر تمويلها المتمثلة في إيران والسودان وقطر وغيرهم، فتعمل عليهم إما بخلق فوضة ومشاكل دولية لإيران وإما عن طريق التطبيع، حتى يتم تنفيذ صفقة القرن بكل سهولة.

الهدف المعلن: تعلن إسرائيل أن اللقاء من أجل التطبيع بين البلدين اقتصاديا، وأيضًا من أجل السماح للطيران الإسرائيلي بالتحليق فوق أرض السودان لوصول رحلاته إلى أمريكا الجنوبية مما يوفر على الطيران الإسرائيلي التكلفة العالية وتقليل زمن الرحلات، في مقابل رضا أمريكا على السودان والعمل على خروجها من تصنيف الدول الداعمة للإرهاب وذلك منذ حكم البشير، فعند خروجهم ستدفق عليهم المنح والعطايا الدولية والاستثمارات والدعم الأمريكي، وهذا ما أكده وزير خارجية أمريكا مايك بومبيو، حيث تحدث أيضا إلى البرهان هاتفيا، وشكره على هذه الخطوة، بل دعاه إلى لقاء في الولايات المتحدة الأمريكية، وأيضًا وصف نتنياهو اللقاء بالتاريخي.

تختار دومًا إسرائيل التوقيت المناسب لكل سياستها وتخطيطها، وهذا سر نجاح الدولة الإسرائيلية الصهيونية إلى الأن، فهي تجيد توقيت القرات والأمور الحاسمة، ومتى تكون مؤثرة، ومتى تكون الشعوب والحكام مستسلمة

الحجج: من ذكاء السياسة الإسرائيلية أنه توهم الطرف المقابل بأن اللقاء سري، وعندما تنجح فيما تريده، تقوم هي نفسه بفضحه لمعرفتها بأن الشعوب لم تقبل بهذه الخطة، بل تري من يقوم بهذه الخطوة خائن في نظره، فمن هنا إسرائيل تضغط عليه بأن يقبل مقابل أمانه وجلوسه على السلطة، أو يُثار عليه الشعب باسم هذه الخطيئة، وهذا ما أكده تفاصيل اللقاء، وبتصريح مكتب نتنياهو نفسه أمام شعبه، ليكسب رصيد أكبر لدي شعبه وثقة أكثر في سياسته قبل الانتخابات المقبلة وهي صعبة للغاية لحزب نتنياهو، ولكن جاءت الحجج والمبررات للبرهان وعسكره بعد فضحهم وإعلان خطيئتهم كتالي:

– جاء اللقاء لمصلحة البلاد العليا..
– الخروج بالسودان من هذه المرحلة ومن العزلة الدولية إلى العالمية برعاية حامي الحمى الأمريكي وصمام الأمان الإسرائيلي المؤثر في القرار الأمريكي.
– حاجة البلاد في هذه المرحلة للدعم الاقتصادي والمنح والتمويلات الدولية، ويأتي ذلك بخروج السودان من قائمة الدول الداعمة للإرهاب، ولن يكون ذلك وبسرعة إلا عبر إسرائيل، بل ستدعم إسرائيل نفسه هذا الأمر اقتصاديا وسياسيا ويمر بسرعة.
– مصلحتنا أولًا فالسودان دفعت كثيرًا لوحدها ثمن الوقوف بجانب القضية الفلسطينية، فجاء الوقت بأن تقف السودان بجانب مصلحتها أولًا ومصلحة شعبها، حتى يتم استقطاب الكثير من الشعب السوداني باسم الاقتصاد ومصلحة البلاد، وأن لم يتم الاستقطاب يتم خلق الجدال والانقسام بين ثوار وطوائف الشعب السوداني بين مؤيد ومعارض، فيحد من الضغط على البرهان وعسكره، وينشغل الناس بجدالهم باسم الاقتصاد ومصلحة البلاد العليا والوطنية المزيفة.

سؤال مهم: لماذا هذه التوقيت، ولماذا التفاوض مع العسكر السوداني دون الحكومة الوطنية والمسؤولة عن الأمور الخارجية؟
– تختار دومًا إسرائيل التوقيت المناسب لكل سياستها وتخطيطها، وهذا سر نجاح الدولة الإسرائيلية الصهيونية إلى الأن، فهي تجيد توقيت القرات والأمور الحاسمة، ومتى تكون مؤثرة، ومتى تكون الشعوب والحكام مستسلمة، فجاء التوقيت بعد نجاح إعلان صفقة القرن، ومرورها بسلام دون معارضة داخلية حقيقية للشارع العربي ولا حتى داخل الشعب الفلسطيني والإسلامي، بل ضمان ولاء حكام العرب، والأكثر تمويلهم لهذه الصفقة، فجاء الدور على الباقي واستغلال ظروفه، ومن ظروفه يتم تركيعه ومن ثم استسلامه لحل قضاياه الداخلية، ومن ثم استكمال الموافقة العربية والمباركة للدول الإسلامية على الصفقة، ولا سيما النظام السعودي والإماراتي وغيره الذي عبر الطريق أمام البقية.

– تجفيف مصادر تمويل حماس من المال والسلاح، عن طريق تركيع وإشغال من يمولها بقضايا داخلية ودولية، ومن يقوم بالوساطة مثل السودان يتم استغلال ظروفه ووضع القرار في يد شخص مطيع، وأكثر الأشخاص مُطعين دومًا هم فئة العسكر، وخصوصًا لمن هو الأقوى، ففُعل ذلك مع السودان وغيرها من دول العالم الثالث العربي وغيره، وبالمثل في السودان وسيم التطبيع والتخلي عن حماس ودور الوساطة لمرور الأسلحة والمال إلي حماس، في مقابل المنفعة والاقتصاد السوداني، ومن ثم تركيع حماس وخلق أزمة داخلها.

دوما يفضل الغرب التفاوض والتعامل مع العسكر وخصوصًا في دول العالم الثالث، لأن العسكر في عالمنا العربي ودول العالم الثالث، لا يدخل الكثير منهم العسكرية لقضية عقائدية أو وطنية، بل يتصارع الكثير منهم وأهله لدخوله لهذه الأماكن

– المطلوب إحكام الطوق حول الشعب الفلسطيني وإشعاره بأنه معزول عن عمقه العربي، فيضطر حكومة وشعبًا القبول بها، من منطلق حتى لا يخسر كل شيء وكل الأرض ويكون معذورًا في ذلك.
– لا ينبغي تجاهل حقيقة أن الكثير من الأنظمة العربية والإقليمية ترى في تل أبيب بوابة إلى تعزيز مكانتها في واشنطن والدول الغربية، على أمل أن يحظى من يقدم المزيد من الخدمات إلى إسرائيل وقادتها بـ لفتة أمريكية.

– اهتزاز الأرض السياسية من تحت أقدام حكومة حمدوك، وتردده السياسي وتخبطه، بل ضعف قرارته، لذلك لم تري إسرائيل فيه الفائدة بأن تتفاوض معه، رغم أنه الوجه المحبب لأمريكا والسياسة الغربية، ولكن تحكمه الطريقة التي أتى بها وهي إرادة الشعب، فأرادوا أن لا يحرجوه في ذلك، ويعرفون ضعفه السياسي وضعف قراره، بل سيقبل بما يراه العسكر، ويكون الأمر بعيد عنه.

– معرفة إسرائيل وأمريكا جيدًا بأن حكومة حمدوك التي أتت من الشارع ستقبل بالأمر، بل من المتوقع تم التشاور علي هذا الأمر داخل الحكومة السودانية قبل لقاء برهان ونتنياهو، وأخذ البرهان المواقفة، وتعرف إسرائيل أن حمدوك يخشي انقلاب العسكر والبرهان عليه، فمن ثم سيستجيب لذلك، حيث التخبط السياسي وضعف الحكومة بمثابة هدية كبيرة للبرهان كضامن للأمن والاستقرار، لذلك ستقبل الحكومة بالتطبيع وبخطوة البرهان، وأيضا يري حمدوك في البرهان صمام أمان للسلطة في مواجهة جشع الحركة الإسلامية وارتباطاتها الخارجية، وعدم تنصلها من المتشددين والإرهابيين الذين ملأوا أراضي السودان إبان حكم البشير.

– دوما يفضل الغرب التفاوض والتعامل مع العسكر وخصوصًا في دول العالم الثالث، لأن العسكر في عالمنا العربي ودول العالم الثالث، لا يدخل الكثير منهم العسكرية لقضية عقائدية أو وطنية، بل يتصارع الكثير منهم وأهله لدخوله لهذه الأماكن، من أجل كسب سلطة ونفوذ للعائلة، وأيضا كسب مكانة وامتيازات اجتماعية له ولأهله، وضمان ربح مالي، فلذلك العسكرية مبنية على حب السلطة والمال وحب النفوذ والظهور وليس على قضية راسخة وحقيقية وإيمان داخلي بها مثل قضايا الأمة والعقيدة والوطن، لذلك فالغرب دومًا يقرب هذه الفئة منه ويعطيها ما تريد مقابل أن يتملك هو القرار الحقيقي في البلاد، ويكون التفاوض أسهل وسريع، لذلك تفاوضوا مع البرهان، لضعفه سياسيا وثقافيا وحبه للظهور والسلطة ومكانتها حاله كحال أغلبية عسكر الشرق، فالجلوس مع نتنياهو وترامب وقادة العالم حلم كبير لهم، في مقابله يبيعوا كل شيء باسم الوطنية المزيفة، لذلك يمكن فهم أحد أسرار التحول في علاقة واشنطن بالبرهان، ولو جاءت على حساب حمدوك، وتغيير في مفاهيم العسكري والمدني، لأن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يريد القائد القوي المتحكم في القرار وليس القوي الشخصية اللين السهل المطيع، ومن يستطيع التفاهم معه بأريحية.

الخلاصة ماذا نتعلم: التي يجب أن نتعلمه: إسرائيل وأمريكا دول تعرف من أين تأكل الكتف، دول تسير بإستراتيجية وبنظريات علمية وخبراء حقيقيين وليس خبراء منافقين ومتملقين من السلطة وهم اسم وليسوا على مسمى، إسرائيل وأمريكا أقوياء سياسيا وخططهم زمنية ولديهم إيمان بقضيتهم، فهم لا يتم اللعب معهم بسهولة وبقرارات ناعمة، إنما بدبلوماسية عالية وناعمة ومدروسة من خبراء ومراكز إستراتيجية حقيقية، لأنهم سياسيين حقيقيين، هذه الدول لا تولى الأغبياء كم نظن إنما تولى صاحب الرؤية والقضية والقادر على تحقيقيها، نقطة ضعف دول الشرق في النظام العسكري الأبوي والمعتقد أنه الوصي الوحيد على الدول، فعندما تتخلص دول الشرق من العسكر والمتغربين ويكون لديهم شخص يقود صاحب حلم وقضية سيقودون أمريكا وإسرائيل. مركز المجدد للبحوث والدراسات.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة